صيدا سيتي

الفراغ المرتب

إعداد: إبراهيم الخطيب - السبت 31 كانون ثاني 2026 - [ عدد المشاهدة: 69 ]

كانت مريم تتقن فنّ الترتيب؛ تضع الملاعق في درجها بالميليمتر، وتمسح الغبار عن أوراق «البوتس» الخضراء حتى تلمع كأنها مصنوعة من البلاستيك. حياتها بدت خطوطًا مستقيمة رسمها زوجها وأطفالها، وكانت تمشي فوقها بحذر، خشية الانزلاق إلى فراغ بلا ملامح.

في ذلك العصر، جلست في الحافلة تحمل كيسًا من الفاكهة. العالم كان يسير ببطء خلف الزجاج، وفجأة وقع بصرها عليه: رجل يجلس على الرصيف، يلوك لبانًا بحركة آلية مفرطة، وعيناه غائرتان في بياض كثيف.

عندئذٍ، حدث الشرخ.

تجمّدت حركة الكون في عيني مريم. مضغ الرجل للبان بدا فعلًا بدائيًا، وحشيًا، عاريًا من المعنى. ما سرّ هذا المضغ؟ وما سرّ وجودها هنا؟ ولماذا بدا الكيس في حضنها ثقيلًا إلى هذا الحد؟ شعرت بأن الترتيب الذي تفخر به قشرة هشّة تغلّف بركانًا من الفوضى. الخضروات في الكيس راحت تتشكّل في نظرها كأعضاء بشرية غريبة، والناس في الحافلة صاروا دمى تتحرّك بخيوط خفيّة.

نزلت من الحافلة عند محطة خارج مسارها المعتاد. دخلت حديقة عامة، وهناك، وسط الأشجار التي اعتادت رؤيتها جميلة، انكشفت لها صورة أخرى: الأشجار في صراع دائم، الجذور تضغط على التربة، والطبيعة تمارس افتراسًا صامتًا مستمرًا. الحب الذي تمنحه لبيتها اتّخذ هيئة قيد، والراحة التي تسعى إليها اقتربت من صورة الموت.

في المساء عادت إلى البيت. كان زوجها يروي تفاصيل يومه، وأصوات الأطفال تملأ المكان. نظرت إليهم كغرباء استقرّوا في حياتها. رأت وجهها في المرآة؛ ظهر كائن حيّ مجرّد، يلوك الأيام كما يلوك ذلك الأعمى لبانته.

ومع حلول الليل، أخذت الفوضى في داخلها تخفت. مسحت الطاولة، أعادت الملاعق إلى أماكنها، واستسلمت لثقل الروتين من جديد. ومضة الوعي مرّت خاطفة، ثم عاد النوم خيارًا مفضّلًا، لأن اكتمال اليقظة بدا أثقل احتمالًا.


 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير وبرمجة: شركة التكنولوجيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 1012807011
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه.
موقع صيداويات © 2026 جميع الحقوق محفوظة