صيدا سيتي

الخلطة التربوية بين الأب والأم

ركن المعرفة والفكر - الجمعة 30 كانون ثاني 2026 - [ عدد المشاهدة: 38 ]

إذا أردت أن تعرف "الخلطة التربوية" بينك وبين الأم، والتي تضع كل طرف منكما في مكانه الصحيح وفي الوقت الصحيح، فإليك هذا التقسيم القائم على فقه السنن النفسية والدراسات التربوية، والذي يوضح كيف يتكامل دور الأب والأم لبناء إنسان مكتمل الأركان.

وعليك أن تدرك أنَّ أي إخلال بهذا الميزان - سواء بتقدم أحدكما في غير وقته، أو انسحاب الآخر في وقت احتياجه - لن يمر دون ثمن؛ فإما أن نحصد شخصيات هشة تكسرها عواصف الحياة، أو شخصيات متمردة تائهة تبحث عن قدواتها خلف أسوار المنزل، وهو ما سنوضحه في تفاصيل كل مرحلة:


المرحلة الأولى: بناء "الأمان" والتأسيس النفسي [من الولادة حتى 6 سنوات | الأم 70% – الأب 30%]

في هذه المرحلة، لا يتعامل الطفل مع العالم بعقله، بل بجهازه العصبي ومشاعره؛ هو لا يفهم المنطق، بل يقرأ نبرة الصوت ويطمئن للمسة الحانية. إنها سنوات بناء (الإحساس الأساسي بالأمان) والثقة في الوجود.

تشير الدراسات: وتحديداً "نظرية التعلق"، إلى أن الاستجابة الدافئة والمتكررة لحاجات الطفل في هذه المرحلة هي التي تبني "الارتباط الآمن"، وهو الحجر الأساس الذي يقوم عليه الاستقرار النفسي طيلة العمر. لهذا يكون حضور الأم هو الثقل الأكبر؛ لأنها الأقدر بيولوجياً ونفسياً على بناء هذا النوع من الأمان. أما الأب، فيتحرك في الدائرة المحيطة ليمنح الصغير شعورًا بالحماية، ويوفر للأم الاستقرار الذي تحتاجه. وإذا حاول الأب ممارسة "الصرامة المبكرة" في هذه السن، فإنه لا يصنع بطلاً، بل يربك الجهاز العصبي للطفل ويكسر رقة التأسيس التي لا تُرمم لاحقاً إلا بصعوبة.


المرحلة الثانية: بناء "التوازن" وصياغة القواعد [من 6 إلى 12 سنة | الأم 50% – الأب 50%]

حين يغادر الطفل سنواته الست الأولى، يبدأ بالتحول من عالم المشاعر المحض إلى عالم "النظام والسبب والنتيجة". هنا، تبدأ كفتا الميزان بالاعتدال؛ فيحتاج الطفل إلى توازن دقيق بين (الاحتواء العاطفي) و(الضبط العادل).

تشير الدراسات: في علم النفس التربوي، إلى أن الطفل في هذا العمر يبدأ بتكوين "الضمير السلوكي"، وهو يحتاج إلى قطبين: الأم التي تستمر في تثبيت الأمان الداخلي وتساعده على مواجهة قلق الفشل، والأب الذي يعلّمه احترام الوقت، والالتزام، وأن للأفعال نتائج. وأي خلل في هذا التوازن - سواء بالإفراط في الحماية التي تميع القواعد، أو الإفراط في القسوة التي تقتل الثقة— سيؤدي حتمًا إلى هشاشة نفسية أو اضطرابات سلوكية لاحقًا.


المرحلة الثالثة: بناء "الهوية" والبحث عن القدوة [من 12 إلى 18 سنة | الأب 70% – الأم 30%]

نحن الآن أمام أخطر المنعطفات؛ مرحلة السؤال الوجودي: "من أنا؟". المراهق في هذه السن لا يبحث عن "واعظ" يراقبه، بل عن (نموذج صلب) يثق به ويحتذيه.

تشير الدراسات: المعنية بسلوك المراهقين، إلى أن وجود الأب النفسي والفعّال في هذه المرحلة هو أكبر عامل وقاية من السلوكيات الاندفاعية. هنا يتقدم دور الأب ليكون هو "البوصلة" والقيمة المتجسدة التي تمنح الابن أو الابنة معايير الثبات والاستقلال. أما الأم، فيبقى دورها بالغ الأهمية كصمام أمان عاطفي وملجأ للبوح يمنع الانفجار الداخلي. ويكمن الخطر الكبير حين ينسحب الأب نفسيًا في هذه المرحلة، تاركًا خلفه "فراغًا لهوية" لا يمكن للحنان وحده أن يملأه، مما يدفع المراهق للبحث عن "أبطال زائفين" خارج المنزل.


المرحلة الرابعة: "العلاقة الراشدة" والاستواء [من 18 سنة فما فوق | الأم 50% – الأب 50%]

عندما يصل الأبناء إلى سن الرشد، تسقط "الوصاية" لتبدأ "العلاقة". الشاب والفتاة الآن لا يحتاجان إلى من يوجه خطواتهما، بل إلى من يحترم استقلالهما ويصمت حين يكون الصمت أبلغ.

تشير الدراسات: النفسية الاجتماعية، إلى أن جودة العلاقة مع الوالدين في سن الرشد تعتمد كلياً على قدرة الأهل على "التحول من المربي إلى الصديق". إنَّ الاستمرار في ممارسة "التربية المباشرة" بعد هذا السن يفسد الحب ويحوله إلى قيد، ويجعل الأبناء يخططون للهروب النفسي. الأب هنا يتحول إلى "مرجع هادئ"، والأم إلى "سند ناضج"، وكلاهما شريك في حصاد تربوي قوامُه الاحترام المتبادل.


القدرة على قراءة الاحتياجات 

التربية ليست معركة نفوذ، بل هي عدل نفسي مع الطفل؛ الأب الحكيم يعرف متى يتقدم ليكون "جدارًا" يسند، ومتى يتراجع ليكون "ظلاً" يحمي، والأم العظيمة تعرف متى تكون "حضنًا" يلم الشتات، ومتى تكون "دفعًا" نحو الحياة. إنَّ أعظم ما نقدمه لأبنائنا ليس إصدار الأوامر، بل القدرة على قراءة احتياجاتهم في كل مرحلة.. قبل فوات الأوان.

المربي الدكتور عبد الكريم بكار


 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير وبرمجة: شركة التكنولوجيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 1012747119
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه.
موقع صيداويات © 2026 جميع الحقوق محفوظة