الحطاب والفأس
يُحكى أن حطَّاباً كان يملك فأساً حاداً وقوة وافرة، وفي يومه الأول، قطع من الأشجار ما أدهش الجميع. ومع مرور الأيام، بدأ إنتاجه يتراجع رغم أنه كان يبذل جهداً مضاعفاً، ويقضي ساعاتٍ أطول، ويعرقُ أكثر.
سأله أحد العابرين: "متى كانت آخر مرة شحذتَ فيها فأسك؟". توقف الحطاب مذهولاً وقال: "لم يكن لديّ وقتٌ للشحذ، فقد كنتُ مشغولاً جداً بالقطع!".
هذا الحطاب ليس شخصية في أسطورة، بل هو "النموذج الإنساني" المعاصر الذي نراه كل يوم. إنسانٌ يركض في كل اتجاه، يلاحق الالتزامات، ويغرق في التفاصيل، ويستنزف أعصابه لإرضاء التوقعات، حتى نسيَ أن "يشحذ" روحه وعقله.
إن المأساة الحقيقية ليست في "كثرة العمل"، بل في (فقدان المركزية). لقد أصبحنا نقدس "السرعة" على حساب "الاتجاه"، ونحتفي بـ "الانشغال" وكأنه دليل على الأهمية، بينما الحقيقة أن الكثير من ضجيجنا هو مجرد (دوران حول الذات) في حلقة مفرغة.
إن (الخلوة) مع النفس، ومراجعة (المقاصد)، وترميم (السكينة) الداخلية، ليست ترفاً أو تضييعاً للوقت؛ بل هي عملية "شحذ الفأس" التي تجعل للجهد ثمرة، وللحياة معنى. القليلُ من العمل مع "عقلٍ واعي" أبركُ وأبقى من عمرٍ طويل يُهدر في الركض خلف سراب الإنجاز الخاوي.
الحياةُ لا تكافئ الأكثر ضجيجاً، بل تكافئ الأكثر (اتزاناً). فالعبرة ليست بكم شجرة قطعت، بل بماذا تركتَ في الغابة خلفك، وماذا بقيَ من "إنسانيتك" وأنت تفعل ذلك.
المربي الدكتور عبد الكريم بكار

