من الترند إلى المحضر رقم 11 (قصة قصيرة)
كانت شمس صيدا في ذلك الصباح عادية، تميل إلى الرتابة، تشبه وجوه الموظفين وهم يتسلقون درج البلدية العتيق. ومع ذلك، كان في الهواء ما يوحي بأن هذا اليوم يحمل إيقاعًا مختلفًا، وكأن الرتابة قررت أن تبتعد قليلًا.
في المقهى المقابل، جلس «أبو صبحي» يقلب هاتفه بذهول، يتصفح خبرًا عاجلًا عن تطويق أمني ومداهمة تطال عرين الإدارة المحلية. انتشرت الشائعة سريعًا؛ حديث عن سلاح، وأبواب موصدة، وأجواء مشحونة. غير أن نظرة واحدة من نافذة المقهى كانت كافية لكشف صورة أخرى: رجال من أمن الدولة يدخلون بهدوء، وفق الأصول القانونية، يحملون حقائب جلدية بدل البنادق، يبادلون الحارس التحية، ويتجهون مباشرة نحو مكتب الريس.
المحضر رقم (11)
في أروقة المبنى، جلست خلف مكتبها، تلك السيدة التي غدت جزءًا من ذاكرة المكان، غارقة بين الأوراق والجداول. لم تكن تعلم أن المحضر رقم (11)، الصادر في تشرين الثاني، قد كُتب بلغة الجدية والمسؤولية، وأن أثره سيتجاوز حدود الملفات.
في الأدب كما في الواقع، لا تأتي المخالفات دائمًا بضجيج. كثيرًا ما تتجلى في أرقام غير منسجمة، أو في تقارير رفعها موظفون أو حريصون على المصلحة العامة بعد أشهر من المراقبة الصامتة، قبل أن يحسموا أمرهم ويتجاوزوا حرج الزمالة دفاعًا عن المال العام.
الحقيقة والسيناريو
في الخارج، كان «الترند» يصوغ مشاهد بوليسية مستعينة بشعار البلدية، بينما كان «الريس» في مكتبه يضع اللمسات الأخيرة على تنسيق إداري مع مجلس الخدمة المدنية. بدا المشهد قريبًا من قصص عن مدن تحاول النهوض من ثقل البيروقراطية، فتواجه عيوبها بشجاعة وهدوء.
«الشفافية فعلٌ إداري - لا عبارة تُدرج في بيان - يضع الأوراق تحت مجهر القضاء، بثقة ومسؤولية، بعيدًا عن ضجيج الشارع.»
المغمورون
جرت الأمور ضمن مسار قانوني هادئ: ملفات تُراجع، ومحامٍ يقلب الوثائق، ولجنة استجواب تطرح الأسئلة وتبحث عن الوقائع.
مع نهاية اليوم، استعادت صيدا سكينتها. عُلّق البيان الرسمي على بوابة البلدية، موضحًا الوقائع ومثبتًا المسار. أما «المغمورون» الحقيقيون في هذه الحكاية، فهم أولئك الموظفون الذين كتبوا التقارير الأولى، إيمانًا بأن بلديتهم تستحق حصانة النزاهة، حتى لو قادهم ذلك إلى مواجهة صامتة في ممرات الإدارة الضيقة.
النص الرسمي لبلدية صيدا:
تنفي بلدية صيدا نفيًا قاطعًا ما جرى تداوله من أخبار عن قيام جهاز أمن الدولة بتطويق مبنى البلدية، كما تنفي جملة من المعلومات غير الدقيقة التي رافقت هذا التداول، ولا سيّما استخدام شعار البلدية في ترويج سيناريوهات لا تمتّ إلى الواقع والحقيقة بصلة.
ويهمّ بلدية صيدا أن تؤكّد في هذا السياق أنّ الإجراءات التي قام بها جهاز أمن الدولة جرت وفق الأصول القانونية المعتمدة، وبحرفية تامة، وبالتعاون الكامل والتنسيق المباشر مع رئيس البلدية، ومن دون أي مظاهر أمنية استثنائية أو تعطيل لسير العمل البلدي.
كما توضح بلدية صيدا أنّها كانت قد باشرت منذ أكثر من شهر، وبناءً على التقارير المقدّمة من موظفي المصلحة الإدارية والمالية في البلدية، التحقيق في المخالفات المنسوبة إلى أمينة الصندوق، مع متابعة حثيثة لهذا الملف بكلّ جدّية ومسؤولية.
وفي هذا الإطار، وبموجب محضر جلسة المجلس البلدي رقم (11) تاريخ 19/11/2025، شكّل رئيس بلدية صيدا لجنة استجواب وتحقيق داخلي بقرار رسمي، كما جرى تكليف محامي البلدية بمتابعة الملف قانونيًا. كذلك تم التواصل والتنسيق مع إحدى الجهات الرسمية المختصّة، ولا سيّما مجلس الخدمة المدنية، للوقوف على الإجراءات الإدارية والقانونية الواجب اتخاذها، وفقًا للأصول والقوانين المرعية الإجراء.
وتؤكّد بلدية صيدا تعاونها الكامل مع القضاء ومع الأجهزة الأمنية المختصّة، وتضع جميع المستندات والملفات المطلوبة بتصرّف الجهات المعنية، التزامًا منها بمبدأ الشفافية، وحرصًا على كشف الحقيقة كاملة، واتخاذ ما يلزم بحق أي مخالفة أو تقصير يثبته التحقيق.
كما تشدّد البلدية على احترامها لمسار التحقيقات القضائية الجارية، وامتناعها عن إصدار أي أحكام مسبقة، مؤكّدةً في الوقت نفسه أنّ حماية المال العام وصون الإدارة البلدية من أي شبهة فساد تشكّل أولوية ثابتة لا مساومة عليها.
وإذ تطمئن بلدية صيدا الرأي العام وأبناء المدينة أنّها ستُطلع المواطنين على أي مستجدّات رسمية في حينه، ضمن ما يسمح به القانون وسير التحقيقات.

