صيدا سيتي

مجلس بلدية صيدا يعزي بلدية الشويفات وعائلة الشهيد الشاب علاء أبو فخر تغريدات متتالية للنائب الدكتور أسامة سعد: المرحلة الانتقالية هي مسار سياسي آمن للخروج من الازمة - 6 صور اضاءة شموع في ساحة ايليا تحية لروح علاء ابو فخر وحسين العطار وقفة واضاءة شموع في ساحة ايليا مساء اشتر شقة واستلم فوراً .. نقداً أو بالتقسيط مع تسهيلات بالدفع لمدة 150 شهراً اشتر شقة واستلم فوراً .. نقداً أو بالتقسيط مع تسهيلات بالدفع لمدة 150 شهراً اجتماع طارىء في غرفة صيدا لمناقشة التداعيات الخطرة التي باتت تهدد القطاعات المنتجة في صيدا والجنوب حماس تلتقي الحركة الاسلامية المجاهدة: وتأكيد على تعزيز الاستقرار الأمني والاجتماعي داخل المخيمات - صورتان شناعة يزور مركز القوة المشتركة في عين الحلوة: هي عنوان للوحدة الوطنية - 3 صور ​مفقود محفظة جيب باسم محمد دنان في القياعة - قرب ملحمة خطاب وتحتوي على أوراق ثبوتية صيدا .. الحراك يستعيد وهج بداياته .. وساحته! - صورتان الاقفال شل المؤسسات في صيدا ودعوة لوقفة تضامنية مع ابو فخر في ساحة ايليا إشكال بشارع رياض الصلح بصيدا على خلفية إقفال احد محلات الصيرفة "ديزر" تحلق على أجنحة طيران الإمارات تيار الفجر يبارك لحركة الجهاد شهادة أبو العطا ورد المقاومة على الكيان الصهيوني شناعة يزور عويد: العدو يسعى لتصدير أزماته الداخلية عبر استهداف المقاومين - صورتان للإيجار شقة مفروشة طابق أول مع سطيحة في عبرا قرب سوبر ماركت سعود للإيجار شقة مفروشة طابق أول مع سطيحة في عبرا قرب سوبر ماركت سعود المحتجون في صيدا اقفلوا محال الصيرفة في السوق التجاري - صورتان لبنان في أسوأ مراحله الإقتصادية: إقفال مؤسسات وتسريح عمال أو خفض رواتب معظم موظفي القطاع الخاص

خلف المخمل... للروائي عصام الحر عنوان لحلقة بحثية في بلدية صيدا

صيداويات (أخبار صيدا والجوار) - الثلاثاء 30 تشرين أول 2018
X
الإرسال لصديق:
إسم المُرسِل:

بريد المُرسَل إليه:


reload
خلف المخمل... للروائي عصام الحر عنوان لحلقة بحثية في بلدية صيدا

 د.الدنان:  الكتابة فن لا يتقنه إلا محترفو الأدب

الشيخ شبيب: الأدب المقاوم قرين الوعي والإلتزام بقضايا الأمة

بتكجي: الحرّ كاتب ملتزم بالقضايا الإنسانية الكبرى

بدعوة من " منتدى صيدا الثقافي وصالون رولى بتكجي  الثقافي " التقى أصدقاء الروائي الأستاذ عصام الحر في حلقة بحثية حول روايته " خلف المخمل " تقدمهم الأستاذ فؤاد الصلح رئيس جمعية متخرجي المقاصد و مديرة ثانويّة كفرحتّى الرّسميّة الأستاذة رندة نصّار وممثلين عن جمعية البرّ والإحسان الإسلاميّة لأبناء جباع.إضافةً إلى وجوه تربويّة وثقافيّة واجتماعيّة ومهتمين.

بداية كلمة ترحيبية مميزة للأستاذة حوراء الحُرّ :

يُسعِدُني أن أرحّبَ بكم أجملَ ترحيبٍ في لقائِنا الطّيّبِ هذا، راجيةً أنْ تُمضوا وقتًا ممتعًا في رِفقةِ الحرفِ وصُحْبةِ الكلمةِ وتذوُّقِ جَمالِ الأدب.

إنّ الإنسانَ، بطبيعتِه، يُحبُّ أن يترُكَ وراءَه أثرًا، كبيرًا كان أم صغيرًا، لذلك يفتّش دومًا عن مختلِفِ السُّبُلِ والطّرقِ الكفيلةِ بأن توثّقَ كلَّ شاردةٍ وواردةٍ في حياته، مصرًّا على أن يعرفَ المجتمعُ جوانبَ من مسيرتِه في الحياةِ سواءٌ أكانتْ مُفرحةً أم مؤلمةً. فترى بعضَهم ينتظرَ كلَّ يومٍ جلستَهُ الصّباحيّةَ لكي يتحدّثَ عن يوميّاتِه وإنجازاتِه، وترى آخرَ يتحدّثُ عن نجاحاته وإبداعاتِه في مقابلةٍ هنا أو لقاءٍ هناك، وترى ثالثًا كتومًا يفضّلُ الكتابةَ، فتسيلُ تجارِبُه على الورقِ مشاعرَ وانفعالاتٍ ومواقفَ. كلٌّ له أسلوبُه، إلّا أنّ الأسلوبَ الّذي يدومِ من دون شكٍّ هو الكتابةُ، وإذا كانتِ الكتابةُ هي العُصارةَ الّتي تَخْلُدُ وتُخَلِّدُ، فإنّ القلمَ هو السّلاحُ الّذي ينطُقُ بصمتِه، ويرفعُ بانحنائِه، وهنيئًا لِمَنْ يرتفعُ مَقامُه بالقلمِ، ويخلُدُ ذِكْرُه بالكلمةِ، وتقبَعُ تجارِبُه بينَ دفّتَيْ كتاب. 

وفي الحصيلةِ، ما حياةُ الإنسانِ في النّهايةِ إلاّ كتابٌ، إمّا أن يُفْلِحَ في مَلْئِه فيُخلَّدَ وإمّا أن يُهمِلَه فيندثر. 

إنّ الكتابَ الّذي نناقشُه اليومَ هو جزءٌ من مسيرةِ كاتبٍ لم يترُكِ القلمَ يومًا، فكان له الصّديقَ المخلصَ الوفيَّ.

أعزّائي. عندما صدرت روايةُ "خلفَ المُخمل" وجاء في الإهداء الّذي تصدّرها 

          "إلى حوراء.. ابنتي الحبيبة.. المرتقِيةِ سُلَّمَ الكلمة"،

 لم أتوقّعْ أن يدفعَني هذا السُّلَّمُ، أيْ سُلًّمُ الكلمةِ، إلى أن أقفَ هذا الموقفَ لأخوضَ في عُبابٍ مَوْجُهُ كلماتٌ، وماؤُه حروفٌ، ومحيطُه روايةٌ ذاتُ شخوصٍ لهم مواقعُ ومواقفُ ونَزَوات. نعم. الخوضُ في عالَمِ الرّوايةِ يُشبه تمامًا الخوضَ في بحرٍ مترامٍ، معَ فارقٍ جوهريٍّ، وهو أنّ البحرَ يُمكِنُ أن يبلُغَ الغطّاسُ قاعَه وأن ينقُلَ صورةً عمّا فيه، أمّا الرّوايةُ، فمعَ كلِّ قراءةٍ تَسطَعُ أمامَ القارئِ ومضاتٌ جديدةٌ لم يتمكّنْ من التقاطِها في القراءةِ أو القراءاتِ الّتي سبقَتْ. هذه الومضات تزداد سطوعًا بقدْر ثقافةِ القارئِ وسَعَةِ اطّلاعِه، لِذا، مِنْ حقِّنا في هذا اللّقاءِ المنعقدِ حول روايةِ "خلفَ المُخمل" لعصام الحُرّ أن نطمعَ بسَمَاعِ ما هو مفيدٌ ومميَّزٌ مِنَ الأعزّاءِ المنتدين، وهم أصحابُ باعٍ طويلٍ في عالَمِ الكلمةِ والأدب والشّعرِ وقراءةِ ما بينَ السّطور.

وتابعت الحر الترحيب والأساتذة المنتدين:

أُعيدُ التّرحيبَ بفضيلةِ الشّيخِ جمالِ الدّين شبيب، وبالشّاعرةِ الدّكتورة انتصار الدّنّان، وبالأديبةِ الأستاذة رولى بتكجي، وكذلك بمؤلِّفِ الرّواية الأستاذ عصام الحُرّ، وقبلَ هذا وبعدَه، أُرحِّبُ بكم مجدَّدًا ضيوفًا أعزّاء تعشقون الحرفَ وتقدّرون دورَ الكلمة. 

 الدّكتورة انتصار الدّنّان كانت

أولى مداخلاتِ هذه الأمسيةِ "وهي مَن هي في عالَم الحرفِ والكلمة. شاعرةٌ وأديبةٌ وروائيّةٌ وناقدة. حاصلةٌ على دكتوراه في اللّغةِ العربيّةِ وآدابِها، تولَّتِ التّدريسَ الجامعيَّ، كما تولّتِ التّدريسَ والتّنسيقَ في المرحلةِ الثّانويّةِ في أكثرَ من مدرسة، وفي الوقتِ عينِه عمِلَتْ في مجالِ الصّحافةِ والإعلامِ، فحرّرَت في جريدةِ "السّفير"، وكتبَتْ في جريدةِ "العربي الجديد"، وبرُغم تعدُّدِ صُوَرِ نشاطِها، لم يكسَلْ قلمُها، فصدرَ لها ديــوانُ "أهداب العودة"، ثمّ ديــوانُ "امرأة متمرّدة"، وروايــةُ "للعُمـر صَــداه"، ومـنَ الدّراساتِ صـدرَ لهـا " ابن بقيّ الأندلسيّ، جمعًا ودراسة"، و"جدَليّةُ السُّلطةِ والثّقافة في بلادِ الأندلس في عصرِ ملوكِ الطّوائف".

مثّلَتْ فلسطينَ في مؤتمرِ الأديباتِ والمُبدِعاتِ العربيّاتِ في البحرين، وأحْيَتِ العديدَ منَ الأمسياتِ الشّعريّةِ، وحازَت في مسيرتِها الناشطةِ أكثرَ من درعٍ تكريميّ.. 

كلمة الدّكتورة انتصار الدّنّان:

الكتابة فنّ لا يُتقنه إلّا محترفو الأدب، هو صورةٌ بأنامل فنّان مُبدع، يستطيعُ نقل الواقع إلينا بعدسةٍ خاصّة.

ومنذ بداية قصّة "خلف المُخمل"، تدرك أنّك أمام حكاية واقعيّة، مأخوذة من الحياة اليوميّة لمواطنٍ يعيش في وطن يخوض صراعًا مع عدوّ يهدّد الأرض والوطن.

أبو رشدان الضّابط في القوّات المسلَّحة، العصاميّ، الوطنيّ، هو بطل القصّة. الرّجُل الّذي ربّى أولاده تربيةً عصاميّة، عاش ومازال معتمِدًا على راتبه الّذي يتقاضاه من عمله في القوّات المسلَّحة.

يكبر أولاده، ويلتحقون بالجامعة، ليتعرّفوا فيها إلى أصدقاء كانت تربط والدهم بأبيهم صداقة حميمة.

الشّخصيّة الثّانية في القصّة هي أبو رياض، الصّديق القديم الّذي صار يملكُ مؤسّسة تجاريّة كبيرة. يحضر في القصّة بشكل مفاجئ ليُطلعَنا الكاتب على الفروقات المادّيّة في المجتمع اللّبنانيّ، والفارق المعيشيّ بين فئات النّاس.

أبطال الحكايةُ: الوطنيّ، العصاميّ، المخلص لوطنه، والخائن الّذي يستحقّ الموت لخيانته وطنَه، وهذا ليس من باب المقارنة، بل من باب التّأكيد أنّ المال لا يستطيع أن يُغري الشّريف، وأن يمنعَه من القيام بواجبه الوطنيّ.

يطول سرد القصّة، لكنْ في أثناء أحداثها تجمع العائلتين روابطُ أسريّة، عن طريق المصاهرة. ابنة الضّابط تتزوّج بقريب الصّديق الثّريّ، تعيش معه حياة رغد، بعد أن كانت تحبّ الجنديّ "مسعود" الّذي كان سائقًا لوالدها، حيث تخلّتْ عنه تحت إلحاح أبيها، ظنًّا منه أنّها ستعيشُ سعيدةً في حياة التّرَف، لكنْ يتّضح لاحقًا أنّ الزّوج عميل، وهو خائن للوطن. يتمّ اعتقاله.

يمتنع أبو رشدان عن مساعدة صهره، فالوطن بالنّسبة إليه أغلى من كلّ شيء، وهنا يشعر أبو رشدان بفداحة الخطأ الّذي ارتكبه بحقّ ابنته، جرّاءَ تزويجها للعميل الخائن، وتمنّى لو زوّجها لسائقه مسعود الجنديّ المخلص الّذي يعيش حياةً بسيطة، وبراتب محدود.

أمّا بالنّسبة للأسلوب الّذي اعتمده الكاتب في رواية القصّة، فمنذ بدايتها امتازت بالسّهولة، والسّلاسة، واتّساع الأفق.

مفرداتُها مفهومة، غير معقّدة، شخصيّاتها حقيقيّة، كما أنّ الكاتب خلال سرده للحكاية استطاع أن يأخذ القارئ عبر المتخيَّل إلى الأمكنة الّتي أرادها، وهو إبداع لا يستطيعه إلّا كاتب متمكّن من طريقة حبْك الحكاية، حيث إنّ القارئ يشعر بأنّه مشدود إلى معرفة أحداث القصّة، ويتساءل عن موقف أبي رشدان تجاه ما يحصل حوله، لكنْ، ببساطة، يدرك القارئ أنّ هذا الرّجُل لن يحتكم لغير ضميره الوطنيّ، وصوت الوطن الّذي يعيش داخله، وواجبه الوطنيّ مهما يكن، خصوصًا بعد أن عُيِّن أبو رشدان رئيسًا للمحكمة العسكريّة. 

كما أنّ الكاتب من خلال قصّته جعلَ القارئ يطّلع على القوانين والمهامّ الصّعبة الّتي توكَل إلى القضاة، خصوصًا في ما يتعلّق بتثبيت أيّة عقوبة وتحويلها إلى التّنفيذ، إذ إنّ الخطأ ممنوع.

الكاتب من خلال روايته هذه استطاع أن يؤكّد المبادئ الّتي يعيشها الإنسان المتمسّك بأرضه، كما أنّ الكاتب حاول من خلال هذه القصّة أن يقول إنّ الغنى الفاحش له مصدر غير شريف، ويتّضح ذلك من خلال تساؤل ليال عن سرّ هذه الثّروة.

لكنْ، في نهاية الحكاية يفاجئُنا الكاتب بقصّةٍ قد نشعر للوهلة الأولى بأنّها من صُنع الخيال، لكنّها واقعة حقيقيّة قد تحدث في أيّ وقت، وأيّ زمان ومكان. صهرُه عميل. الخبر كان وقعه على أبي رشدان كالصّاعقة. فضيحة أصابت عائلته وبيته الوطنيّ.

لكنّه مع كلّ ذلك يتماسك، ويواجه الأمر بصلابة، وواجه صهره مجدي بالتّهم الموجَّهة إليه، غير أنّ مجدي يطلب السّماح من عمّه الّذي بدوره يرفض ذلك قائلًا:" لو تعلّق الأمر بأيّ شيء آخر لكان ممكنًا أن أسامحك".   

المداخلة الثانية كانت للشّيخ جمال الدّين شبيب رجلُ دينٍ عاملٌ وناشطٌ. حاصلٌ على دبلومٍ عالٍ ثمّ دكتوراه في الدّراساتِ الإسلاميّةِ، تولّى الإمامةَ والخطابةَ في أكثرَ من مسجدٍ، كما تولّى تدريسَ التّربيةِ الإسلاميّةِ واللّغةِ العربيّةِ في أكثرَ من مدرسة. شغَلَ منصبَ مديرِ إدارةِ الإعلامِ والدّراساتِ في الهيئةِ الإسلاميّةِ للرّعايةِ، ثمّ منصبَ مديرِ المشاريعِ التّنمويّة. وهو منذُ العام 1988 رئيسُ مجلسِ أمناءِ الهيئةِ الإسلاميّةِ للإعلامِ والإنماءِ، وهو عضوُ المجلسِ المركزيِّ في تجمُّعِ العلماءِ المسلمين. وقد أسّس في العام 2015  " منتدى صيدا الثّقافي "َّ النّاشطَ بقوّةٍ على الساحة الثقافية وعلى أكثرَ من صعيد.

كلمة فضيلة الشّيخ جمال الدّين شبيب

" الأدب المقاوم أو الملتزم هو قرين الوعي. الوعي الّذي يلازم الكاتب والمبدِع لأهمّيّة تأريخ المراحل، والدّفاع عن الأوطان والإنسان من خلال النّصّ المنفتح على المستوَيات المختلِفة، الّذي يواكب العمل العسكريّ إنْ وُجد، ويواجه الحرب الثّقافيّة الّتي تهدفُ إلى محو الذّاكرة وتغييب التّاريخ إنْ لم نقلْ تزوير التّاريخ، ويعمل على تشكيل مفاهيمَ مختلفةٍ مغايرةٍ للوقائع الثّابتة. لذلك، يشغل الوعيُ أهمّيّةً وازنة على طريق تشكُّل هذا الأدب وتكوينه، ومن ثَمَّ العمل على تحويله واستخدامه كطاقةٍ قادرةٍ على التّحريك والفعل في سياق هذه المواجهة التّاريخيّة.

الرّوائيّ والكاتب المصريّ سيّد نجم يرى أنّ: " أدب المقاومة تحديدًا يتمثّل في تجربتَي الحرب والثّورة، معَ إذكاء مفاهيم وقيم الانتماء والهويّة والحرّيّة، وكلّ تجارب الدّفاع عن الحياة الفُضلى الّتي تُعلي من شأن الإنسان".

يقول توفيق الحكيم إنّ الالتزام المثمر للأديب هو الالتزام الّذي ينبع من طبيعته.

ويقول "الحكيم" في موطن الدّفاع عن الحرّيّة الّتي هي حارسة الالتزام وهي مصدرُهُ الحقيقيّ: "إنّ الأديب يجبُ أن يكونَ حُرًّا، لأنّه إذا باع رأيَه، أو قيّدَ وجدانَه، ذهبت عنه في الحال صفة الأديب"، فالحرّيّةُ هي ينبوعُ الفنّ، وبغير الحرّيّة لا يكون أدب ولا فنّ... يجب أن يكون الالتزامُ جزءًا من كيان الأديب، ويجب أن يلتزمَ وهو لا يشعر أنّه ملتزم.

وكيف لابن العائلة الكريمة آل الحُرّ وأنّى له أن لا يكون حُرًّا ملتزمًا مقاومًا صلبًا ومدافعًا عن الحرّيّة بمعناها الأساس بما فيها من الانعتاق من كلّ القيود المصطنعة، حتّى لو كانت سلاسل لمحتلّ أو غاصب.

"... برغم ضجيج المَدافع، وأصوات الرّصاص، تبقى الكلمة صاحبة الحضور الأقوى، فالطّلقةُ يدوّي صوتها لثانية، ثمّ يضيع في الفضاء، أمّا الكلمة فتسطعُ طائرًا غرّيدًا في سماء البيان لتبقى ترنّ في الأسماع إلى ما بعدَ العُمر". نعم. صدقتَ يا أستاذ عصام أيّها الأديبُ المقاوِمُ بكلمتكَ وقلمِكَ وينبوعِ علمِكَ.

لم تغيّركَ الأيّامُ، ولم تبدّلْك اللّيالي... وبقيتَ كما أنتَ روائيًّا ملتزمًا بالوطن وترابِه ومقاومته الباسلة في وجه المحتلّ اليهوديّ المتصهين البغيض... ولطالما كتبتَ دائمًا وسطّرتَ في رواياتِك في صلب الأدب المقاوم، وكيف لا تفعل وأنتَ ابنُ الجنوب، ابنُ جباع قلعةِ المقاومة، تلك التّربة الّتي جُبلت بالبسالة والبطولة والعنفوان؟!!

ففي رواية "البوصَلة" يتنكّب عصام الحُرّ الهمَّ الوطنيّ الكبير من خلال قصّة أبي يوسف في بلدة الخيام الجنوبيّة الّذي واجهَ معَ عائلتِه العدوَّ الصّهيونيّ خلال احتلاله الجنوبَ اللّبنانيّ حيث يضَعُنا الحُرُّ وجهًا لوجه أمامَ معاناة معتقلي الخيام وأمام مَشاهد التّحرير "... قُرى وبلدات اعتقدَ الكثيرون أنّها لن يُتاح لها أن تعود إلى عباءة الوطن، فإذا هي تكبرُ وتتّسعُ فتحتضنُ الوطن، كلَّ الوطن، بجرسِ كنيسةٍ يُقرعُ، أو بأذانِ مسجدٍ يصدح...".

لا يتملّصُ كاتبُنا الحُرّ من مسؤوليّاته الوطنيّة والقوميّة، فهو أديبٌ عميق الانتماء. في أدبِه رجُلٌ شديدُ التّهذيب، شديد الحرص على اللّغة والقيم والسّلوك. لا يشتغل الحُرّ خارجَ إطار المنظور التّربويّ. التزامُهُ يسري في أدبِه كالدّم في الشّرايين.

لا تعثرُ في سياق منجَزاته الأدبيّة على كلمةٍ نابية، أو تعبير خادش، لأنّه يحملُ رسالتَه الأدبيّةَ والفكريّة كما ينبغي للمُبدِع الحقيقيّ أن يرتقي بأمّته وبوطنه. وانطلاقًا من هذا الالتزامِ، فقد خاض الحُرُّ، وبشجاعةٍ تُحتسَب له في كلِّ القضايا الإنسانيّة الشّائكة: الأسرة، الحُبّ، القيم النّبيلة، المكابدات النّفسيّة، الوطن والحُرّيّة بتجلّياتها كافّة انتهاءً بحُرّيّة الأوطان واستقلالها الأسمى والأرفع.

في روايته "خلف المخمل"، يرسّخ الرّوائيّ الحُرّ في وجدان المتلقّي أهمّيّة الأدب الهادف الرّصين. نحن لا نزعم أنّ أبطاله من سُلالة اليوتوبيا، لكنّهم يتورّعون عن المُسِفّ والمبتذَل، لا يتورّطون في عوالمَ سُفليّةٍ غرائزيّة.

دائمًا في أدب الحُرّ هناك إهابة مبطَّنة بعيدة عن الوعظ، فهو يُهيب بالأهل أن يحترموا قناعات الأبناء، يقولُ على لسان أبي رشدان الّذي لا يرضى عن زواج ابنه بابنة أبي رياض: "... بالرّغم من أنّ قضيّة رياض تزعجني، ومع ذلك، فأنا أتمنّى لك النّجاح...".

ويسأل أبـو رشدان زوجتَـه حـول رأيِها فـي "مجـدي" العريس المتقــدّم لابنتهــا قائـلًا:" مـــاذا ترَيـــن؟"، فتجيبـــــه: " ليس الرّأيُ رأيي، بل رأيُ ليال. من حيث المظهر يبدو مجدي إنسانًا جيّدًا. يبقى أن نسمع رأي ليال".

يُعلي الحُرّ من شأن التّحاور البنّاء معَ الأبناء على مبدأ " إذا كبر ابنك خاويه"، لذا نرصد حوارًا في غير مكان معَ الأبناء، وهذا توَجُّهٌ حضاريّ، وكما قال محمّد حسين هيكل: "إذا لم تتحدّدْ قواعد أيِّ حوار ومقاصدُه ارتبكَ سياقُهُ وضاعت نتائجُهُ".

حتّى التّعاطي معّ السّائق، يبدو تحت لواء التّعاطي الهادف، فليال ابنة الرّجُل المنضوي في السّلك العسكريّ تسلك سلوكًا رصينًا في تعاطيها معَ الجنديّ، سائق والدِها، وتحرص على هندسة المسافة بينها وبينه، فهي مُعجَبة بكفاحه من دون صبيانيّةٍ في السّلوك أو انحدارٍ في الخُلق.

قالت: " كنتُ أنظرُ إليكَ على أنّكَ سائق... أمّا اليوم فتغيّرَتْ صورتُكَ في ذهني... أنتَ إنسانٌ مثقَّف...".

فأجابها السّائق: "... أرجو ألّا يكون كلامُكِ مجرَّد مجاملة لي...".

ردّتْ: " لا، إطلاقًا، فأنتَ إنسانٌ عصاميّ تستحقّ الاحترام".

وفيًّا يبدو الحُرّ في التّصدّي لكرامة وطنه، لا يتساهل، لا يسامح. كلُّ الأمور مقدور عليها، لكنّ الوطن خطٌّ أحمر، قلعة رصينة حصينة. لا يتردّد بطله أبو رشدان، لا يفكّر مرّتين، يحسم أمره: الوطن أوّلًا وأخيرًا.

يصف الكاتب لحظة تلقّي العميد خبرَ إلقاء القبض على صهره العميل "شعرَ بدوّامةٍ مظلمةٍ تُحيط بكيانه، بدا له وكأنّ عاصفةً مجنونةً تهزّ وجوده".

لا يتجشّم العميد عناء التّفكير أو التّشظّي بين العاطفة والواجب، لا نلمح تردّدًا أو أرقًا داخليًّا حيال ما حدث. فنحن أمام شخصيّة مجبولةٍ على حُبّ الوطن، وعلى الولاء له، جاهزة لمحاسبة أيّ خائن، حتّى لو كان من بني جلدته وأهله وعشيرته.

يقول كاتبُنا الحُرّ على لسان العميد المصدوم بعمالة صهره: "... إذا كانتِ التّهمةُ ثابتةً عليه فانسَ أنّه صهري...".

صيغةُ الأمر هنا حاسمة ونهائيّة. نحن أمام كلام طلبيّ يقطع الطّريق أمام أيّ تردّد، فالفعل "اِنسَ" أتى ليرفع مظلّة الامتياز عن مجدي الصّهر الخائن الّذي جنى على نفسه كبراقش، ليعودَ الرّجُلُ مجرَّدًا من كلّ حظوةٍ، مجرّد شخص عديم الوفاء متآمر على بلاده.

يأزم كثيرًا عصام الحُرّ لحظة اكتشاف العميد لخيانة صهره للوطن، لأنّه ينطلق من مبادئه، ويحمل مسؤوليّة إنسانيّة ووطنيّة وأدبيّة وثقافيّة. في معرض حوار العميد معَ الأستاذ منصور يقول: " فالخائن لا يمكن أن نجد له أسبابًا تخفيفيّة. وفي هذه الحال، الإعدامُ هو أقلّ العقوبات". لقد قطعت جهيزة كلَّ قول.

معَ انتهاء الرّواية، نشعرُ بأنّ ما حدث متجسِّدٌ على أرض الواقع بقضّه وقضيضه، فالصّدمةُ والخيبةُ المُرّة قد طالتِ الفتاةَ وأباها. لقد وقعتِ الواقعة، ولا مفرَّ منَ الاعتراف بفداحة ما حصل. يقول العميد على سبيل الحكمة: "... وأقولُ لكِ بكلِّ صراحةٍ إنّ إنسانًا واحدًا كمسعود الكادح السّاعي إلى لقمة عيشه بتعبه وعرق جبينه لهو عندي خيرٌ من ألفٍ من أمثال مجدي".

لقد نطق العميد بالعبارة الّتي تشكّل ركيزةً هامّة في الحياة، وملخَّصُها أنّه كلّما سعى الإنسانُ واجتهدَ ونبلَ مسعاه وارتقت أهدافُه، سما وارتقى بأعين الآخرين.

وكما يقول الشّاعر:

ليس الجَمالُ بأثوابٍ تزيّنُنا            إنّ الجَمالَ جَمالُ العِلْمِ والأدَبِ

شكرًا لكَ أيّها الأديبُ المقاوِم. وإنّني أتوجّهُ من صيدا، عاصمةِ المقاومة إلى فخامةِ رئيسِ جمهوريّتِنا العماد ميشال عون مطالبًا بتكريمك في حياتِك وبين محبّيكَ وتلامذتِك، ولعلّ الصّوتَ يصل، ولكَ بعون اللهِ تعالى العُمرُ المديدُ والنّفعُ العميم.

دمتَ روائيًّا مُبدعًا، ومقاوِمًا فذًّا، ولكَ منّا، ومن صيدا ولبنان كلُّ المحبّةِ والتّقدير والاحترام.      

 الأديبة الأستاذة رولى بتكجي. أديبةٌ ناشطة. حائزةٌ إجازةً تعليميّةً وشهادةَ الماجستير في اللّغةِ العربيّةِ وآدابِها. تولّتْ تدريسَ اللّغةِ العربيّةِ لفترةٍ منَ الزّمن، ثمّ توقّفتْ عنِ التّدريسِ لتنصرفَ إلى الكتابةِ، وقد صدرَ لها حتّى الآنَ ثلاثُ مجموعــاتٍ قصصيّـــةٍ، "اغتيــالُ هاويــة" فـي العــام 2004، "وصفةٌ لحَـــرِّ آب" فــي العــــام 2010، و" نجومٌ صيفيّة" في العام 2015.  أسّسَتْ "صالونَ رولى بتكجي الثّقافيّ" الّذي ملأَ في صيدا فراغًا كانتْ تعاني منه المدينةُ، وقدِ استضافَ هذا الصّالون العديدَ منَ الكتّابِ والأدباءِ والشّعراءِ والمثقَّفين، وهو اليومَ شريكٌ لمنتدى صيدا الثّقافيّ في الدّعوةِ إلى هذا اللّقاء. 

أستاذة رولى، المنبر لكِ، فتفضّلي.

كلمة الأديبة الأستاذة رولى بتكجي

" الأديب الحقّ هو الّذي يجعلُكَ تدركُ عمقًا جديدًا كلّما أعدتَ قراءة كتاب". هذه المقولةُ الّتي قالها يومًا توفيق الحكيم انبجست أمامي لدى قراءتي لأدبِ الرّوائيّ الأستاذ عصام الحُرّ، فأدبُ الحُرّ أدبٌ غائر، كثيف، ينأى بنفسه عنِ المجّانيّة والعبَثيّة.

منذ قراءتي لأولى إصدارات الحُرّ، وجدتُني أمام كاتبٍ يضطلعُ بالقضايا الإنسانيّة الكبرى: الوطن، الكفاح، الولاء، البِرّ، التّضحية والإيثار، فضلًا عن التّشظّي الهائل بين نداءات الواجب من جهة، والرّغبات الإنسانيّة الملحّة من جهةٍ أُخرى، لكنّ الغلبة عنده تكون دائمًا لكلّ ما يمتّ للرّفعةِ بصلة.

يُفلح عصام الحُرّ منذ اللّحظة الأولى في أن يثيرَ فينا هذا الفضولَ الإنسانيّ الكثيف، فمنذ العتبة النّصّيّة الأولى/ العنوان يستحوذ الكاتب على دهشتنا، لأنّ العنوان كما يقول القاصّ العراقيّ محمود عبد الوهّاب هو ثريّا النّصّ، ولأنّه مفتاح التّأويل كما يرى الكاتب الإيطاليّ أمبرتو إيكو، فإنّ الحُرّ قد لعبَها بذكاء، ذلك أنّه وسمَ روايتَه بعنوان مخاتل لا يهبُ متن النّصّ، كما لا يحجبه تمامًا، إنّما يُشعلُ مساحةَ التّشويق بينَه وبين المتلقّي. وكأنّ الحُرّ يقول: " وراءَ الأكمةِ ما وراءها". ولأنّ الحُرّ قد تمكّنَ من استدراج قارئه عبْر إضمار ما وراء المُخمل تاركًا القارئ يتلمّسُ طريقَه متّكئًا على خلفيّته الثّقافيّة، مُراهنًا على فُضولِه الفكريّ والثّقافيّ، مُنيطًا الجوابَ بالنّصّ، فهلمّوا لنرى ما خلف المخمل.

يرى الباحثُ المغربيّ بن عيسى بو حمّالة أنّ الإهداء تقليدٌ ثقافيٌّ ينمّ عن لباقةٍ أخلاقيّةٍ مستحَبّة... ويرى بأنّه ما دام للعنوانِ وظائفُ، فإنّ للإهداءِ وظائفَه الّتي يتكفّلُ بها، ما يضعُنا أمام رمزيّةِ أن يُهدِيَ الرّوائيّ منجَزَه الأدبيّ إلى ابنته الشّابّة حوراء الّتي يتوسّم فيها بوصفِها من حمَلَةِ لواءِ الكلمة وسفيرة الغد، يتوسّمُ فيها الغيرةَ على هذا الوطن، والتّصدّي لكلِّ خائن جاحدٍ، وأكثر من ذلك، فإنّنا نلمحُ خلف الكلمات وصيّةً وترفّعًا، فالكاتبُ يُعلي من شأن حوراء الّتي تمثّلُ الجيل الجديدَ، كما يُعلي من شأنِ أبنائنا، وما كلمة " المرتقِية" سوى بؤرةٍ عميقةِ الإشارةِ، عميقةِ الدّلالة.

وفي المناخاتِ ذاتِها، يتابعُ الحُرُّ، فتأتي كلمتُه من نسغ الرّواية:..." كم من حقائقَ مجهولة خلف المرايا المصقولة!..". إنّها المتاهات: متاهاتُ الجوهرِ الغثِّ خلف مظهرٍ سمين، لأنّ أزماتِنا الإنسانيّةَ مردُّها دائمًا إلى قراءتِنا المتسرّعة للقشور على مبدأ " ترى الفتيانَ كالنّخل، وما أدراك ما الدّخل".

لا يأخذُنا عصام الحُرّ إلى عالَمه الرّوائيّ كيفما اتّفق، بل يعبُرُ بنا بتؤدة، يُتيحُ لنا أن نستقرئ الآتي عبْرَ عناوين الفصول، وهو إذ ذاك يُتيحُ للفضولِ أن يستعِرَ مانحًا القارئَ تَرَفَ التّسلُّل أو التّلصّص على الآتي مُتيحًا له حيّزًا للاجتهاد، وربّما التّكهّن.

الزّمنُ عند عصام الحُرّ زمنٌ فيزيائيّ، يكاد يكون صارمًا. لا فجوات في السّرد. لا ترهّل "... كانت أمُّ رياض بانتظاره، فهو سبق أن وعدها بزيارةِ أخيها العائد حديثًا من السّفر... كانت أمّ رياض تتوقّع أن يأتي زوجُها".

يشتغلُ الكاتبُ باقتصادٍ لغويّ لا يخطئه القارئ، فهو ليس في وارد الحشو، أو السّفسطة، أو الثّرثرة. السّردُ عند الحُرّ رشيقٌ، لا يسقطُ في ميوعةِ الوصف، لأنّ الوصف يأتي في نصّه لغاياتٍ فنّيّة محضة، وكما قيل، فالوصفُ هو سلطانُ الرّوايةِ العربيّة الحديثة والمعاصِرة، وهو مَلْمَحٌ من أبرز ملامحِ التّجديد. السّردُ لا يمكن أن يؤسّس كيانَه من دون وصفٍ، ولا يستغني عنه أبدًا.

نجدُنا أمام عدّة وظائف للوصف. نرصدُ هذا الوصفَ الإخباريّ كما في قوله: "... ففي صبيحة ذلك اليوم، صدرَ مرسومٌ جمهوريّ قضى بترقية بعض الضّبّاط العاملين في القوّات المسلَّحة"، كذلك الوصف الاستبطانيّ " اصطبغت وجنتاها بحُمرةٍ زهريّة، وسرّحت نظرَها عبْرَ النّافذة في المشهد الأخضر الممتدّ بعيدًا...".

ومن هنا، فإنّ الوصف في رواية "خلف المخمل" لا يأتي فسيفسائيًّا، بل من لُحمةِ المنجَز الرّوائيّ، فثمّةَ وشائجُ بين مآل شخوصه والوصف، فهو يورّط الطّبيعةَ بعناصرِها المختلفةِ في هزائمِ شخوصه أو انتصاراتهم "... إنّها ليلةٌ هادئةٌ جمعَتْ أبا رياض ومجدي في منزل أبي رشدان. كان العميد حريصًا على التّرحيب الحارّ بضيفه".

كما يحتفي بالطّبيعةِ، ويرصُدُ عنصرَي الزّمان والمكان رصدًا يكاد يكون فوتوغرافيًّا. نقتنص من الوصف "... كانتِ الشّمسُ في تلك الأمسية تقتربُ من معانقةِ الأفق شيئًا فشيئًا، وكانت أشعّتُها الشّاحبة تنشرُ بساطَها على السّهولِ والسّفوح، فبدَتِ الطّبيعةُ وكأنّها تلفّعَتْ ببرقعٍ أصفرَ كئيب...".

تكتنزُ الرّوايةُ بالعاطفة البنويّة والأبويّة والأموميّة. تكتنزُ أيضًا بالحنين، ولا سيّما للطّفولة، "... في طفولتنا تمنّينا أن نكون رجالًا متحرّرين منَ الدّرس والامتحانات، وها نحن اليومَ نتحسّرُ على تلك الطّفولةِ الهاربة.."، بل يتمادى في الحنين الّذي يبلغ حدَّ النّدم والّذي يتجلّى من خلال عبارة " نتحسّر".

يمرّرُ الكاتب رسائلَه في إبّان السّرد بسلاسةٍ واقتدارٍ، وهي رسائلُ تتراوح بين اجتماعيّة وإنسانيّة، ونحن إذ ذاك نلمحُ شيئًا من "الأجنحة المتكسّرة" لدى جبران، وشيئًا من الكلاسيكيّة المنفلوطيّة في تغليب الواجب على العاطفة، لأنّ الحُرّ أراد أن يصل بالإنسانيّة إلى أعلى ذرى: الوطنيّة.

بطلُ رواية الحُرّ قاطعٌ في موقفِه من صهره المأجور للعدوّ، قاطعٌ كنصلِ سيفٍ، يشتغلُ الحُرّ بعصبٍ مشدود، يبلغُ سرْدُه مداه الدّراميّ. الخائنُ يتلو فعْلَ النّدامةِ بعد فوات الأوان "... لقد ذهبتُ بعيدًا في طريق الضّلال والضّياع. ذهبتُ بعيدًا في عالَم الأوهام. حلّقتُ بعيدًا في عالَم الخيال. لقد أعمى المالُ بصري وبصيرتي.."، لكنّ هذه التّوبة المتأخّرة لا تُسمن ولا تُغني من جـــوع، يأتــي الـــرّدُّ مُفحِمًا لا مساومـــات فيـــه.. ".. ليتك أدركتَ منذ البداية أنّ هذه النّهاية الموحِشة هي النّهاية الطّبيعيّة للطّريق الّذي اخترتَه. طريقِ الخيانةِ والعمالةِ للأعداء. أنا آسف يا مجدي. لا كرامتي الوطنيّة، ولا شرفي العسكريّ يسمحان لي بأن أساعدَك في شيء".

هكذا يصير الأدبُ منصّةً بحجم الفضاء يُمطر علينا حبرًا مُشِعًّا وأناشيدَ وفاء، فشكرًا لكم أستاذ عصام. دام حرفُكَ نبيلًا يعانق المدى. 

تقديم ا. عصام الحُرّ

عالَمُ الرّوايةِ عالَمٌ واسعٌ جدًّا، والرّوائيُّ يستطيعُ أن يمرِّرَ من خلالِ شخوصِ روايتِه ما يختزنُه من مواقفَ ووُجهاتِ نظرٍ تطالُ مختلِفَ جوانبِ الحياةِ، سواءٌ أكانتِ اجتماعيّةً أم وطنيّةً، أم نفسيّةً، أم سلوكيّةً، ومِنْ خلالِ هذه المواقفِ ينقُلُ مُشكلاتِ مجتمعِهِ ووطنِهِ بقالَبٍ سرديٍّ يستطيعُ أن يبلُغَ الأذهانَ، وأن يُشرِكَ القارئَ في تلمُّسِ هذه المشكلاتِ، وربّما في محاولةِ إيجادِ حلولٍ لها.

والرّوائيُّ في لقائِنا اليوم هو والدي، ولِذا، فإنّ موقفي صعبٌ. صعبٌ لأنّ عليّ أنْ أتحدّثَ عن إنسانٍ يعني ليَ الكثيرَ الكثيرَ، لكنْ، برُغمِ ذلك، سأملِكُ جُرأةَ الكلامِ، وسأحاولُ أن أبتعدَ عنِ العاطفةِ، وأن أكونَ موضوعيّةً إلى أقصى حدٍّ مُمكنٍ. لن أتحدّثَ عنه من خلالِ هذه الرّوايةِ مباشرةً، وإنّما من خلالِ فَهمي لشخصيّتِه ولتفكيرِه، ولموقفِه ممّا يُطرَحُ في الحياةِ من قضايا وما تبرُزُ فيها من إشكاليّات. هو قبلَ كلِّ شيءٍ إنسانٌ رقيقُ القلبِ إلى درجةِ أنَّ أيَّ مشهدٍ مؤثِّرٍ يمكنُ أن يستنزلَ دمعتَه، ولذا فهو، ومن دونِ تحفّظٍ، مناصرٌ لكلِّ مظلوم، مناصرٌ للضّعيفِ المغلوبِ على أمرِه، للعاجزِ المحرومِ من حقوقِه، للمقهورِ المطرودِ من أرضه، للطّفلِ المنحورةِ طفولتُه في وجهِ غاصبٍ محتلّ، للمرأةِ المعنَّفة من قبل الرّجُل زوجًا كان أو أبًا أو أخًا، وللرُّجُلِ المُهانةِ كرامتُه أيًّا كان شكلُ هذه الإهانةِ. 

وإذا خرجْنا منَ الدّائرةِ الشّخصيّةِ إلى دائرةِ المجتمعِ، أجدُه شخصًا يكرهُ المظاهرَ، ويستخفُّ بالشّكليّاتِ، وينفرُ منَ الرّسميّاتِ، ويمقُتُ التّملّقَ وتمسيحَ الجوخِ، يثقُ كثيرًا بالآخرِ، وإن كانت هذه الثّقةُ قد كلّفَتْه الشّيءَ الكثيرَ في بعضِ المواقفِ، وربّما هذا ما جعلَه في بعضِ المواقعِ كثيرَ الحذرِ. أمّا إذا انتقلْنا إلى الجانبِ الوطنيِّ والقوميِّ، فإنّنا نجدُ أنفسَنا أمامَ إنسانٍ واضحِ الخياراتِ لا مجالَ عندَه للحلولِ الوسط. معَ السّيادةِ الوطنيّةِ الحقيقيّةِ بلا تحفُّظٍ. معَ الحرّيّةِ المسؤولةِ بكلّ أبعادِها. معَ الشّعبِ الفلسطينيِّ المظلومِ من دونِ قيدٍ أو شرطٍ، ومعَ القضيّةِ الفلسطينيّةِ بكلِّ ما احتضنَتْه من قهرٍ وحرمانٍ وتهجيرٍ وتشريدٍ وإرهابٍ وانتهاكٍ للحُرُماتِ والمقدَّساتِ، وهو كذلك معَ كلِّ شعبٍ ذاق الظّلمَ أيًّا كان شكلُ هذا الظُّلم، ومعَ كلِّ إنسانٍ سُلبت منه حرّيتُه، أو أُذيقَ الإذلالَ في وطنِه، أو خارجَ وطنِه. معَ كلِّ مقاوَمةٍ في الوطنِ العربيِّ. معَ دحْرِ الاحتلالِ. معَ استعادةِ الشّعبِ الفلسطينيِّ أرضَه المغتصَبة وحقوقَه المنتهَكة.

من خلالِ هذه العناوينِ تستطيعون قراءةَ الرّوايةِ عندَ عصام الحُرّ، سواءٌ أكان عنوانُها "خلفَ المُخمل"، أم "البوصَلة"، أم "ألوان من ثمار"، أم "ثرثرات على رصيف الزّمن"، أم "قلبٌ في قبضة الزّمن". 

وقبل أن أتركَ المنبر أشيرُ إلى أنّ الكاتب يوقّعُ اثنتين من رواياته بعد انتهاء النَّدوةِ مباشرةً.

الكلمة لمؤلِّف رواية "خلفَ المخمل" عصام الحُرّ،

كلمة ا. عصام الحُرّ

أيّها الحضور الكريم

 هي أمسيّة مباركة. مباركة لأنّها تجمع هذه الوجوه الطّيّبة حول أسمى ما عرفه الإنسان. إنّها الكلمة. الكلمة الّتي في البدء كانت، ومع سيرورة الحياة استمرّت، وإلى النّهاية، وما بعد النّهاية تبقى.

إنّه لأمرٌ جليل أن يُعقد هذا اللّقاء ويدور فيه الكلام على ما ضمّته دفّتا كتاب. أقول أمر جليل لأنّنا بتنا نعيش في زمن تسلّط السّلاح، وانعدام القيم، وغياب نداء العقل.

إنّنا في زمنٍ أضحى يُمارَسُ فيه القتلُ كما يمارَسُ أيُّ فعل يوميّ. يختلف اثنان على حقّ المرور فيسقط قتيل. يتحمّس طرفان إثر مباراةٍ رياضيّة، فيسقط قتيل. يتظاهر مسالمون دفاعًا عن أرضٍ سُلبت، وبيوتٍ هُدِّمت، ومقدَّسات انتُهِكت فيسقط ضحايا وشُهداء. هذا هو عصرنا. عصرٌ غابت فيه العقلانيّة، وأفَلَ دور العقل، وتقهقر موقع الحرف.

من هذا الحرف، كانت كلمات، ومن رصف الكلمات كانت أفكارٌ ورُؤًى ومواقف، وفي محرابِ الفكر والموقف، كانت هذه الرّواية: " خلفَ المُخمل".

هذه الرّواية أفاض الأخوة الأعزّاء في الحديث عنها. وإنّني إذ أشكرهم على ما قدّموه من مداخلات تناولت ما تضمّنته هذه الرّواية من أحداث، وما حملته من مغازٍ وعبر، أرى من واجبي أن أشير إلى بعض الأمور الّتي لا تتّصل بالرّواية مباشرةً بقدْر ما تتّصل بالمجتمع، وبالوطن، وبالعادات والتّقاليد الّتي باتت تُعتبر من المسلّمات بالرّغم من أنّها ليست دائمًا على صواب.

اجتماعيًّا، درج البشر على أن يرفعوا من شأن من امتلك المال أو النّفوذ أو الاثنين معًا. يرفعون من شأنه، ويكرّمونه، ويجلّونه، ونادرًا ما يسألون عن مصدر ماله، وعن الوسائل الّتي جمع بها هذا المال، وعن دور هذا المال في بلوغه هذا أو ذاك من المراكز والمناصب، وهنا يتحوّل هذا التّبجيل إلى ما يُشبه العدوى، فيتّفق الجميع على الفعل نفسه ويغيب عن بالهم أيّ نقاش أو تساؤل.

وطنيًّا، قد تختلف وجهات النّظر بين إنسانٍ وآخر حول بعض القضايا الوطنيّة، وحول الشّؤون الحياتيّة،  إلّا أنّه عندما يتعلّق الأمر بعدوٍّ ينتهك سيادة، أو يغتصب أرضًا، أو يشرّد شعبًا، فإنّ الاختلاف في وجهات النّظر يجب أن يتلاشى، وينبغي أن يزول من قاموس المواقف، ليحلّ محلّه موقف واحد موحَّد يقوم على قاعدة أساسيّة ثابتة تقول إنّ التّعاوُنَ معَ هذا العدوّ خيانة، وإنّ الخيانة لا يمكن أن تكون وجهةَ نظر، وإنّ العمالةَ تبقى عمالةً، مهما حاولت أن تتستّر، وأيًّا كانت العباءة الّتي ترتديها لتُخفي عُريها الوطنيّ والفكريّ والأيدولوجيّ، وكلُّ موقفٍ يخرجُ عن هذا السّياق يكونُ، بوعيٍ أو بلا وعيٍ، قد خلعَ عباءةَ الوطنيّة، واستبدل بها أُخرى.

أمّا بخصوص العادات والتّقاليد، فهناك مفاهيم تسيطر على أفكار الكثيرين، مفاهيمُ تُقيم حواجز بين المواطنين، فترى أنّ أبناء هذه الطّبقة من النّاس لا يجدر أن يصاهروا أبناء تلك الطّبقة، وأنّ بنات تلك الطّبقة ينبغي أن يكنّ لشبّانٍ يقاربوهنّ في الموقع الاجتماعيّ، وفي هذا ما فيه من غُبن بحقّ إنسانيّة الإنسان، ومن تجاهُلٍ لدور الحُبّ والانسجام الّذي يجب أن يقوم بين طرفَي أيّة علاقة، وهكذا يُنحَر الحُبّ، ويُطاح بقواعد تأسيس الأسرة، وغالبًا ما تكون النّتيجةُ ثمنًا باهظًا يُدفع، ولكنْ بعد فوات الأوان. 

هذه الأمور مجتمعةً أضاءت عليها رواية " خلف المُخمل"، وتناولتْها بشكل أو بآخر رواياتي الأربع الأخرى الّتي صدرت حتّى الآن، وقد عرضتُها باختصار لأنّ الزّملاء المنتدين لم يقصّروا  في ما قدّموه، فشكرًا لهم على ما قدّموه، وشكرًا لكم على حضوركم الكريم، على أمل أن يتكرّر مثل هذا اللّقاء لنعطي الكلمة ما تستحقّه من رعاية واهتمام. 

@ المصدر/ إعلام منتدى صيدا الثقافي


 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير و برمجة: شـركة التكنولوجـيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 917484904
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه. موقع صيداويات © 2019 جميع الحقوق محفوظة