صيدا سيتي

أطلق النار على شقيقه فقتله وجرح زوجته بسبب قطعة ارض المعلومات توقف خبيراً في اعداد احزمة ناسفة واستخدامها يعمل مع داعش يخطط لاستهداف تجمعات في حارة صيدا فوج الإنقاذ الشعبي يختتم مخيمه التدريبي السنوي الثامن الذي حمل اسم الشهيدة ناتاشا مصطفى سعد - 150 صورة الرياضي بطلاً للدورة للمرة العشرين بتاريخه - 7 صور القوى الأمنية داهمت سوق البيع الخضار والفاكهة في صيدا جريحة في حادث صدم بصيدا دورة مكثفة في مهارات اللغة العربية: النحو في عشرة أيام - لصفوف التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر هدّدها وحاول ابتزازها بصور حميمة لقاء مبلغ /150/ ألف د.أ.، فوقع في قبضة مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية باص لنقل الطلاب من صيدا وضواحيها إلى الجامعة اللبنانية - كلية العلوم - فرع الدبية للمرة الأولى في صيدا: لجنة طلاب الجنوب تنظم حملة لجمع الكتب المستعملة وإعادة توزيعها على الطلاب حماس تحتفل بالهجرة النبوية وتكرم الحجاج في عين الحلوة - 4 صور تألق للاعبي أكاديمية "سبايدرز - عفارة تيم" في المرحلة الثانية من بطولة الجنوب في الكيوكوشنكاي - 20 صورة الحريري رعت احتفال حملة "قوافل البدر الكبرى" بتكريم حجاج بيت الله الحرام - 14 صورة دعوة لحضور معرض "غزل الألوان" في مركز معروف سعد الثقافي، وبرعاية النائب الدكتور أسامة سعد توقيف عمال مصريين في "حسبة صيدا" غير مستوفين شروط الاقامة الجامعة اللبنانية تحصد عددًا من الجوائز الأولى في "نواة - 2019" في عين الحلوة.. "البحتي" يُوتّر المخيم ويطلق النار على شقيقه! للإيجار شقة مطلة في منطقة الشرحبيل قرب مدرسة الحسام - 18 صورة نادي الحرية صيدا يزور رجل الأعمال هشام ناهض اسامة سعد في احتفال في صيدا في الذكرى ال37 لانطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية: بعض الصغار الصغار يتحدثون عن العفو عن عملاء مرتكبين لجرائم ومجازر - 24 صورة

نبيل القيسي: عندما أصبحتُ مرسال المراسيل

أقلام صيداوية / جنوبية - السبت 21 أيلول 2013 - [ عدد المشاهدة: 5990 ]
X
الإرسال لصديق:
إسم المُرسِل:

بريد المُرسَل إليه:


reload


بقلم الشاعر والكاتب: نبيل القيسي
قد تفرض عليك الحياة او الظروف أحيانا ًوضعا ً او ظرفا ً ما ، لم تسع إليه أبدا ً، وقد يكون هذا الوضع أكبر من حجمك أو أكبر من إمكانياتك التي فطرك الله عليها ، أو قد يكون غريبا ً عليك لم يسبق لك أن جرّبته أو مارسته أو فهمت مدلولاته أو فقهت عواقبه من قبل، فما با لك لو كنت في عمر ٍصغير تخضع في حياتك لتعليمات أهلك أو مدرّسك أو أيٍّ كان من أولياء أمرك الذين نُصِّبوا عليك دون اختيار ٍ منك . . اللهم لا إعتراض .
كنتُ في التاسعة أو العاشرة من عمري حين واجهتُ هذا الموقف ، فقد كان يقطن بالقرب من بيتنا عائلة أردنية عريقة ، كانت تملك من العقارات والأراضي والبيّارات (أي البساتين والمزارع المثمرة) في منطقة الأغوار في الأردن وهي المنطقة التي تفصل بين الضفة الغربية والضفة الشرقية من نهر الأردن ، الشيء الكثير ، مما حدى برب ِّ هذه العا ئلة لأن يكسب بجدارة لقب (بيك). وكان منزل هذه العائلة من الكِبرمما يمكن أن نسمِّيه باللغة الدارجة حاليا ً بالفيللا ، يُحيط بها من كل جانب الحدائق الغنّاء المليئة بالأشجار المثمرة من مختلف الأنواع والأصناف ، ناهيك عن الأزهار والورود المختلفة ، ويُحيط بكل هذا أسوارا ً من الأسلاك الشائكة بحيث تمنع أي ٍكان من الإقتراب من محيط هذه الفيللا . وكثيراً ما كنا نشاهد البيك وهو رجل عجوز يتمشى داخل حديقته ، فلم نكن لنجرأ على الإقتراب أبدا ً ، يبدو أنّ ذلك قد أصبح لدينا من مسلمات الحياة التي كنا نعيشها ، حتى لم نكن لنحلم أبدا ً بالإقتراب ، وكثيرا ً أيضا ً ما كنا نُشاهد البيك يترأس دائرة ً من الناس في الحديقة يُملي عليهم أوامره وتعليماته والجميع إليه يصغون ، فنعرف أنهم المزارعون أو القائمون بالإشراف على أملاكه هناك .
وكذلك كنا نرى بين الحين والآخرفتاتين له ، قل أنّ عمر كل واحدة ٍ منهما يتراوح ما بين العشرين والخامسة والعشرين ، ولكن سبحان الله كلما أتخيل صورة هاتان الفتاتان أشعر بأنّ حجمهما كان أكبر من حجم فتيات هذه الأيام ، لا أدري قد يكون ذلك عائدا ًلِصغر حجمنا نحن الأطفال في ذلك الوقت فنرى من يكبرنا نراه بحجم ٍ أكبر، مما رسّخ هذه النظرة لديّ ، أو قد يكون ذلك القول فعلاً سليما ً ، فلو أنك تخيّلت أو شاهدت صور الممثلات الشهيرات ذلك الوقت مثل مريم فخر الدين وناديا لطفي لوجدتهن فعلا ً كنّ أكبر من حجم الممثلات المعاصرات أمثال منى زكي وحنان الترك ، كانت الفتاتان كثيرا ً ما تجلسان في بلكونة هذه الفيللا إما معا ً وإما كل واحدة ٍ على حدة ، فلم نكن حتى لِنعرف إسم أيُّ واحدة ٍ منهما ، ولِم نعرف ؟ فهذه الأمور أصبحت من المسلمات ، كائنات تعيش أو نعيش قربها ،علينا أن نقبل بها هكذا كما هي قبِِلت بنا .
هكذا كانت الحياة تسير معنا ، إلى أن كان يوما ً تفاجأنا بالأنوار والزينات الملونة تملأ حدائق بيت البيك فتشق عتمة الليل وتنير ما حولها ، والطبول والمزاميرتُفرغ صمت ذلك المساء ، والناس بكثافة ٍ تتوافد على هذه الفيللا فتملأ مداخل الفيللا وحدائقها وقد يكون صالاتها ، فعلمنا بأن هناك من خطب إحدى فتيات البيك ، وما هي إلا بعض وقت ٍ حتى رأينا الخيالة بلباس ٍفولكلوري موحّد يستعرضون أما م المدخل الرئيسي للفيلا ، فكانت تلك الليلة متعة ً لنا لم تضاهيها متعة ، وازداد الأمر فرحة ً حين خرجت بعض النسوة الريفيات إلينا حيث كنا قد تجمهرنا أمام المدخل فيعملن بكرم ٍ ملموس على توزيع أقراص المعمول بالتمروالحلاوة الطحينية والملبّس والشوكلاته علينا وعلى كل من يمر في الطريق.
لم يطل الإحتفال كثيراً فسرعان ما انتهى كما بدأ سريعا ً ، وكاد أن يكون الختام طبيعيا ً جدا ً لو لم ألمح من ضمن آخر الوجوه المغادرة وجه أستاذ التربية الرياضية
في المدرسة التي كنت أدرس فيها وكان يُدعى "الأستاذ شايش" ، وفي ذلك الوقت كنا لشد إحترامنا وخوفنا من أساتذتنا نخشى أن نُري أي من هؤلاء الأساتذة وجوهنا بالطريق العام ، فكيف إذا ما كان ذلك في حفل خطوبة ؟ وفي وقت ٍ يُعتبر متأخرا ً يتعين أن نكون فيه قد خلدنا للنوم ، فهتفت لرفاقي بما رأيت فانتشر الخبرسريعا ً كما هي أقدامنا التي انطلقت أسرع ناقلة ً كل منا إلى مسكنه ومرقده.
ما أن التقى الصحب صباح يوم ٍ دراسي جديد ، حتى كان هاجسنا هو سؤال وحيد ، إن كان الأستاذ شايش قد لمحنا أو شاهدنا وهو خارج من حفل الخطوبة ؟ لم يكن أحد من الأولاد يستطيع أن يفتي بذلك ، فكلنا هرول إلى بيته مسرعا ً يطلب السترة ، إلا ّ أن ّ أحدهم أخذ بالتشكيك إن كان هو أم لا من حضر حفل الخطوبة ، بالطبع الإجابة على مثل هذا السؤال كان من مسؤوليتي لكوني الوحيد على ما يبدو الذي لمحه فعملت على تأكيده ، فانبرى من يسأل سؤالاً غبياً : طيب ماذا كان يلبس ؟ تصوروا ماذا أقول له ؟ يكفي أني لمحته ، أكان يريد مني أن أتأمله وأتأمل ما كان يلبس في مثل ذلك الوقت العصيب؟
قرع الجرس فانتظمنا في الطوابيركعادتنا في كل يوم ، وكان من العادة أيضا ً أن يقف مدير المدرسة وكافة المدرسين في مواجهة الطوابير ، فلم يكن من بينهم الأستاذ شايش ، فابتدأ الهمس والغمز واللمس ، ذاك يدفع صاحبه قائلاً : يمكن مريض فكيف يروح الحفلة وهو مريض ، والآخر يقول : يمكن بالداخل بيلبس التريننغ سووت علشان عندو حصة رياضة أولى ، أما أخبث تعليق ساخر فقد جاء: يمكن يكون هو العريس واليوم عطلة علشان يروح للعروس ! !
وترقبنا بشغف طيلة ذلك اليوم حضور الأستاذ شايش ، إلاّ انه لم يحضر، واستمر القلق يساورنا حتى لما بعد انصرافنا من المدرسة وذهابنا إلى بيوتنا ، بل أنه قد بات هذا القلق معنا في رقادنا ، ليس إهتماماً بالأستاذ بقدر ما هو خوفنا على أنفسنا ومن العقاب الذي سينزله فينا ، وخاصة ً لي شخصيا ً حيث رأيته رأي العين ولم يخبرني أحد بذلك كغيري . ومرة ثانية ذهبنا في صباح اليوم التالي إلى المدرسة ، وما أن دخلنا للإنتظام في طابور الصباح إلاّ وجدناه أمامنا . . في أحلى صُوره ، الإبتسامة تعلو محياه ، وثيابه لا تخلو من الحداثة واللمعان ، والأساتذة الآخرون يتوافدون إليه مسلّمين عليه بل ومقبلين له . . أي أنه فعلا ً قد يكون هو العريس .
أزف موعد حصة الرياضة وفي العادة يلبس الأولاد شورت وفانيلا الرياضة تحت الملابس العادية ليكون سهلا ًعليهم الظهور بها ، وما أن دخل الأستاذ شايش إلا علت علامات الإستغراب علينا . . كيف أنه لم يرتد ِ التريننغ سووت ؟ وكأنه شعر بذلك فابتسم قائلاً : اليوم سنبقى داخل الصف ، لن نخرج إلى الملعب ، إرتدوا ملابسكم ثانية ً ، فارتدينا وجلس كل منا مكانه ، منتظرا ً عمّا ستؤول إليه الخطوة التالية ، رغم أنني قد ارتحت نفسيا ً لإبتساماته . أما هو فذهب ليجلس خلف المكتب .
استمر الصمت لكنه لم يستمر طويلا ً ، وفجأة ً التفت نحوي مبتسما ً وأشار إليّ بيده للمثول أمامه عند طاولة المكتب ، طبعا ً لم يكن الأمر سهلا ً رغم إبتسامته وأناقته ، فذهبت إليه وأنا أعدّ الخطوات التي ستوصلني إليه ، فقلت في نفسي بأنّ أول ما سيواجهني به هو صفعة ً من يده على وجهي قبل أن يُبادر بالتحقيق معي ، فآثرت أن أبقى بعيدا ً عنه بعض الشيء ، وكانت أول حركة ٍ قمت بها عند وصولي الإستعداد بكلتا يدي لرفعها فور أن تتحرك يده للصفع ، فرأيتهما ومن غيرشعور أو إرادة وقد أصبحتا فعلا ً غطاءاً لوجهي حتى أنه ولو أراد توجيه الصفعة سوف لن يجد سوى يدي ، غير أنه رفع نفسه عن الكرسي قليلاً وجذبني من يدي قائلا ً : ليش خايف شو أنا راح آكلك ؟ ارتاحت أساريري بعض الشيء لكني لم أكن آمنا ً أو مطمئنا ًكثيرا، صحيح أنّ تاريخه لم يكن ينمّ عن شرر ما ، إلا أنه لم يكن يتوانى عن ضربنا بالكرة إذا ما أخفقنا في تطبيق حركة ٍ رياضية أو شيء على هذا النحو .
إنجررت إليه ووقفت بحضرته متهيئا ً للإفلات منه في أي لحظة يبدأ بها الهجوم ، بينما يدي ما زالت عالقة ً بيده ، وهو لا يكفّ عن الإبتسام ، فأفلت يدي وقال لي : وين بيتكم ؟ وتنفست الصعداء ، لكنه لماذا يسألني عن بيتي ، هل يريد التأكد بأنني لم أت ِ لحضور الحفل من مكان بعيد ، فربما على مقدار بعد المسافة سيحدد نوع أو حجم العقوبة ، الله أعلم ، قلت له مشيرا ً بيدي نحو البيت : في الطريق الملاصق لطريق المدرسة ، فازدادت إبتسامته إتساعا ً ، فقال : قريب من بيت البيك ؟ فقلت على الفور : نعم نعم هم جيراننا ، فقال وهو يمد يده في جيب جاكيتتي : هم جيرانكم أم أنتم جيرانهم ؟ ما الفرق ؟ نحن أم هم كله واحد ، فقلت له بذكاء:نحن وهم جيران بعض ، وفجأة ً وكأن أفعى لسعت يده داخل جيبي أخرجها بسرعة ٍوهو بحالة قرف : شو هذا ؟ فارتعبت ونظرت إلى يده حيث سارع لإخراج منديله من جيبه ينظّف بها يده من البلاوي التي علقت بيده من منديلي الذي كان في جيبي ، حيث كنت أعاني من الزكام ( ومعذرة ً من قرّائي ) ، ولم يكن آنذاك كثيرا ًما تُستخدم المناديل الورقية ، بل كنا في العادة نستخدم المناديل القماشية التي تُغسل بعد ذلك لنعود لاستخدامها ثانية ً. . ما ذنبي ؟ أنا لم أطلب منه أن يدسّ يده في جيبي .
توطدت العلاقة بيننا وأصبحت أنا التلميذ المدلل عند الأستاذ شايش،ألست جار القمر ؟ فقد أصبغ عليّ لقب عريف الصف ، ويوماً بعد يوم أخذ بتكليفي بمهماتٍ أكثر خطورة ً
فقد أصبح يحمّلني بكتب ٍ( قصص وخلافه ) إلى العروس (طرب) و يرسلني في اليوم الثاني لجلب الكتاب ذاته ، وكل هذا وأنا أجهل ما أحمل بالضبط ، مما أتاح لي الفرصة لأدخل فيللا البيك والتعرف عليها من الداخل عن كثب ، كانت فعلا ً بيت بكوات ، بها الصالات الواسعة التي تليق بمن هم في منزلتهم ، والثريات الكريستال الكبيرة والسجاد الجميل الفاخر وأشياء كثيرة ٍ جميلة لم نكن لنراها إلا بأفلام السينما ، هذا بالإضافة إلى ما أتاحته لي هذه المنزلة العظيمة من عطايا مجزية كالألعاب والحلويات والشوكلاته وغيرها من جانب العروس طرب ، وكثيرا ً ما كنت أتساءل وأنا أحمل كتابا ً أو قصة ً سبق أن حملتها عن سبب إرسال هذا الكتاب أو القصة ذاتها ، هل أرادت إعادة قراءتها ثانية ً أم ماذا ؟ إلى أن وقعت الواقعة ، فأثناء خروجي من باب الفيللا الكبير حاملا ً الكتاب و سالكا ً الممر الطويل المرصوف في الحديقة المؤدي للطريق العام وإذا بالبيك نفسه داخلا ً الحديقة من الخارج فاستوقفني قائلاً : ماذا تفعل هنا ؟ فاعتقدت بأن ذلك سيكون ممتعا ً له أيضا ً لكوني أقوم بعمل ٍ هائل للأسرة فقلت له جئت لآخذ الكتاب من طرب إلى الأستاذ شايش ، فقال لي : أرني هذا الكتاب فأعطيته إياه وأخذ بتقليب صفحاته فإذا به يستخرج من جوفه مغلّفا ً سرعان ما فتحه وأخذ بقراءته وتعابير وجهه وقد تكهربت وانقلب كيان الرجل واستشاط غضبا ً فصرخ بأعلى صوته : طرب ، طرب ، فهرولت المتعوسة إلى باب الفيللا وما أن رأتني إلا وعرفت بأنها قد وقعت في شر أعمالها ، فقال لها :شو هالمسخرة يا طرب ؟ انتِ تريدين أن تفضحيني أمام العالم ؟ تراسلين خطيبك بهذا الكلام الوسخ ، وين عاداتنا ووين تقاليدنا ؟ . . اما أنا فقد أطلقت قدماي للريح جريا ً إلى المدرسة وإلى الأستاذ شايش الذي أصابه الوجوم من روع ما أصابه وأصابها .
بالطبع فقد كانت العادات والتقاليد آنذاك وخاصة ً لعائلةٍ أو قبيلة ٍ كعائلة البيك لا تسمح إطلاقا ً بأن يرى الخطيب خطيبته أو التحدث إليها أو مراسلتها على هذا النحو ، حتى أن المكالمات الهاتفية لم تكن متاحة ً في ظل عدم توفر الهواتف الأرضية إلا في بيوت الأثرياء جدا ً ، وعلى فرض كان في بيت البيك هاتفا ً فليس بالإمكان أن يكون لدى عائلة الأستاذ شايش هاتفا ً مثله ، وحتى لو كان عنده فإنه ليس من السهولة أن يتحدث إليها دون المرور على عامل الهاتف ليطلب منه الرقم ، والبلدة صغيرة ً جدا ً لا تستحمل مثل هذه المغامرات ، ويبقى مرسال المراسيل خير وسيلة ٍ لبث المشاعر الملتهبة .
عندما أصبحتُ مرسال المراسيل
بقلم الشاعر والكاتب : نبيل القيسي
قد تفرض عليك الحياة او الظروف أحيانا ًوضعا ً او ظرفا ً ما ، لم تسع إليه أبدا ً، وقد يكون هذا الوضع أكبر من حجمك أو أكبر من إمكانياتك التي فطرك الله عليها ، أو قد يكون غريبا ً عليك لم يسبق لك أن جرّبته أو مارسته أو فهمت مدلولاته أو فقهت عواقبه من قبل، فما با لك لو كنت في عمر ٍصغير تخضع في حياتك لتعليمات أهلك أو مدرّسك أو أيٍّ كان من أولياء أمرك الذين نُصِّبوا عليك دون اختيار ٍ منك . . اللهم لا إعتراض .
كنتُ في التاسعة أو العاشرة من عمري حين واجهتُ هذا الموقف ، فقد كان يقطن بالقرب من بيتنا عائلة أردنية عريقة ، كانت تملك من العقارات والأراضي والبيّارات (أي البساتين والمزارع المثمرة) في منطقة الأغوار في الأردن وهي المنطقة التي تفصل بين الضفة الغربية والضفة الشرقية من نهر الأردن ، الشيء الكثير ، مما حدى برب ِّ هذه العا ئلة لأن يكسب بجدارة لقب (بيك). وكان منزل هذه العائلة من الكِبرمما يمكن أن نسمِّيه باللغة الدارجة حاليا ً بالفيللا ، يُحيط بها من كل جانب الحدائق الغنّاء المليئة بالأشجار المثمرة من مختلف الأنواع والأصناف ، ناهيك عن الأزهار والورود المختلفة ، ويُحيط بكل هذا أسوارا ً من الأسلاك الشائكة بحيث تمنع أي ٍكان من الإقتراب من محيط هذه الفيللا . وكثيراً ما كنا نشاهد البيك وهو رجل عجوز يتمشى داخل حديقته ، فلم نكن لنجرأ على الإقتراب أبدا ً ، يبدو أنّ ذلك قد أصبح لدينا من مسلمات الحياة التي كنا نعيشها ، حتى لم نكن لنحلم أبدا ً بالإقتراب ، وكثيرا ً أيضا ً ما كنا نُشاهد البيك يترأس دائرة ً من الناس في الحديقة يُملي عليهم أوامره وتعليماته والجميع إليه يصغون ، فنعرف أنهم المزارعون أو القائمون بالإشراف على أملاكه هناك .
وكذلك كنا نرى بين الحين والآخرفتاتين له ، قل أنّ عمر كل واحدة ٍ منهما يتراوح ما بين العشرين والخامسة والعشرين ، ولكن سبحان الله كلما أتخيل صورة هاتان الفتاتان أشعر بأنّ حجمهما كان أكبر من حجم فتيات هذه الأيام ، لا أدري قد يكون ذلك عائدا ًلِصغر حجمنا نحن الأطفال في ذلك الوقت فنرى من يكبرنا نراه بحجم ٍ أكبر، مما رسّخ هذه النظرة لديّ ، أو قد يكون ذلك القول فعلاً سليما ً ، فلو أنك تخيّلت أو شاهدت صور الممثلات الشهيرات ذلك الوقت مثل مريم فخر الدين وناديا لطفي لوجدتهن فعلا ً كنّ أكبر من حجم الممثلات المعاصرات أمثال منى زكي وحنان الترك ، كانت الفتاتان كثيرا ً ما تجلسان في بلكونة هذه الفيللا إما معا ً وإما كل واحدة ٍ على حدة ، فلم نكن حتى لِنعرف إسم أيُّ واحدة ٍ منهما ، ولِم نعرف ؟ فهذه الأمور أصبحت من المسلمات ، كائنات تعيش أو نعيش قربها ،علينا أن نقبل بها هكذا كما هي قبِِلت بنا .
هكذا كانت الحياة تسير معنا ، إلى أن كان يوما ً تفاجأنا بالأنوار والزينات الملونة تملأ حدائق بيت البيك فتشق عتمة الليل وتنير ما حولها ، والطبول والمزاميرتُفرغ صمت ذلك المساء ، والناس بكثافة ٍ تتوافد على هذه الفيللا فتملأ مداخل الفيللا وحدائقها وقد يكون صالاتها ، فعلمنا بأن هناك من خطب إحدى فتيات البيك ، وما هي إلا بعض وقت ٍ حتى رأينا الخيالة بلباس ٍفولكلوري موحّد يستعرضون أما م المدخل الرئيسي للفيلا ، فكانت تلك الليلة متعة ً لنا لم تضاهيها متعة ، وازداد الأمر فرحة ً حين خرجت بعض النسوة الريفيات إلينا حيث كنا قد تجمهرنا أمام المدخل فيعملن بكرم ٍ ملموس على توزيع أقراص المعمول بالتمروالحلاوة الطحينية والملبّس والشوكلاته علينا وعلى كل من يمر في الطريق.
لم يطل الإحتفال كثيراً فسرعان ما انتهى كما بدأ سريعا ً ، وكاد أن يكون الختام طبيعيا ً جدا ً لو لم ألمح من ضمن آخر الوجوه المغادرة وجه أستاذ التربية الرياضية
في المدرسة التي كنت أدرس فيها وكان يُدعى "الأستاذ شايش" ، وفي ذلك الوقت كنا لشد إحترامنا وخوفنا من أساتذتنا نخشى أن نُري أي من هؤلاء الأساتذة وجوهنا بالطريق العام ، فكيف إذا ما كان ذلك في حفل خطوبة ؟ وفي وقت ٍ يُعتبر متأخرا ً يتعين أن نكون فيه قد خلدنا للنوم ، فهتفت لرفاقي بما رأيت فانتشر الخبرسريعا ً كما هي أقدامنا التي انطلقت أسرع ناقلة ً كل منا إلى مسكنه ومرقده.
ما أن التقى الصحب صباح يوم ٍ دراسي جديد ، حتى كان هاجسنا هو سؤال وحيد ، إن كان الأستاذ شايش قد لمحنا أو شاهدنا وهو خارج من حفل الخطوبة ؟ لم يكن أحد من الأولاد يستطيع أن يفتي بذلك ، فكلنا هرول إلى بيته مسرعا ً يطلب السترة ، إلا ّ أن ّ أحدهم أخذ بالتشكيك إن كان هو أم لا من حضر حفل الخطوبة ، بالطبع الإجابة على مثل هذا السؤال كان من مسؤوليتي لكوني الوحيد على ما يبدو الذي لمحه فعملت على تأكيده ، فانبرى من يسأل سؤالاً غبياً : طيب ماذا كان يلبس ؟ تصوروا ماذا أقول له ؟ يكفي أني لمحته ، أكان يريد مني أن أتأمله وأتأمل ما كان يلبس في مثل ذلك الوقت العصيب؟
قرع الجرس فانتظمنا في الطوابيركعادتنا في كل يوم ، وكان من العادة أيضا ً أن يقف مدير المدرسة وكافة المدرسين في مواجهة الطوابير ، فلم يكن من بينهم الأستاذ شايش ، فابتدأ الهمس والغمز واللمس ، ذاك يدفع صاحبه قائلاً : يمكن مريض فكيف يروح الحفلة وهو مريض ، والآخر يقول : يمكن بالداخل بيلبس التريننغ سووت علشان عندو حصة رياضة أولى ، أما أخبث تعليق ساخر فقد جاء: يمكن يكون هو العريس واليوم عطلة علشان يروح للعروس ! !
وترقبنا بشغف طيلة ذلك اليوم حضور الأستاذ شايش ، إلاّ انه لم يحضر، واستمر القلق يساورنا حتى لما بعد انصرافنا من المدرسة وذهابنا إلى بيوتنا ، بل أنه قد بات هذا القلق معنا في رقادنا ، ليس إهتماماً بالأستاذ بقدر ما هو خوفنا على أنفسنا ومن العقاب الذي سينزله فينا ، وخاصة ً لي شخصيا ً حيث رأيته رأي العين ولم يخبرني أحد بذلك كغيري . ومرة ثانية ذهبنا في صباح اليوم التالي إلى المدرسة ، وما أن دخلنا للإنتظام في طابور الصباح إلاّ وجدناه أمامنا . . في أحلى صُوره ، الإبتسامة تعلو محياه ، وثيابه لا تخلو من الحداثة واللمعان ، والأساتذة الآخرون يتوافدون إليه مسلّمين عليه بل ومقبلين له . . أي أنه فعلا ً قد يكون هو العريس .
أزف موعد حصة الرياضة وفي العادة يلبس الأولاد شورت وفانيلا الرياضة تحت الملابس العادية ليكون سهلا ًعليهم الظهور بها ، وما أن دخل الأستاذ شايش إلا علت علامات الإستغراب علينا . . كيف أنه لم يرتد ِ التريننغ سووت ؟ وكأنه شعر بذلك فابتسم قائلاً : اليوم سنبقى داخل الصف ، لن نخرج إلى الملعب ، إرتدوا ملابسكم ثانية ً ، فارتدينا وجلس كل منا مكانه ، منتظرا ً عمّا ستؤول إليه الخطوة التالية ، رغم أنني قد ارتحت نفسيا ً لإبتساماته . أما هو فذهب ليجلس خلف المكتب .
استمر الصمت لكنه لم يستمر طويلا ً ، وفجأة ً التفت نحوي مبتسما ً وأشار إليّ بيده للمثول أمامه عند طاولة المكتب ، طبعا ً لم يكن الأمر سهلا ً رغم إبتسامته وأناقته ، فذهبت إليه وأنا أعدّ الخطوات التي ستوصلني إليه ، فقلت في نفسي بأنّ أول ما سيواجهني به هو صفعة ً من يده على وجهي قبل أن يُبادر بالتحقيق معي ، فآثرت أن أبقى بعيدا ً عنه بعض الشيء ، وكانت أول حركة ٍ قمت بها عند وصولي الإستعداد بكلتا يدي لرفعها فور أن تتحرك يده للصفع ، فرأيتهما ومن غيرشعور أو إرادة وقد أصبحتا فعلا ً غطاءاً لوجهي حتى أنه ولو أراد توجيه الصفعة سوف لن يجد سوى يدي ، غير أنه رفع نفسه عن الكرسي قليلاً وجذبني من يدي قائلا ً : ليش خايف شو أنا راح آكلك ؟ ارتاحت أساريري بعض الشيء لكني لم أكن آمنا ً أو مطمئنا ًكثيرا، صحيح أنّ تاريخه لم يكن ينمّ عن شرر ما ، إلا أنه لم يكن يتوانى عن ضربنا بالكرة إذا ما أخفقنا في تطبيق حركة ٍ رياضية أو شيء على هذا النحو .
إنجررت إليه ووقفت بحضرته متهيئا ً للإفلات منه في أي لحظة يبدأ بها الهجوم ، بينما يدي ما زالت عالقة ً بيده ، وهو لا يكفّ عن الإبتسام ، فأفلت يدي وقال لي : وين بيتكم ؟ وتنفست الصعداء ، لكنه لماذا يسألني عن بيتي ، هل يريد التأكد بأنني لم أت ِ لحضور الحفل من مكان بعيد ، فربما على مقدار بعد المسافة سيحدد نوع أو حجم العقوبة ، الله أعلم ، قلت له مشيرا ً بيدي نحو البيت : في الطريق الملاصق لطريق المدرسة ، فازدادت إبتسامته إتساعا ً ، فقال : قريب من بيت البيك ؟ فقلت على الفور : نعم نعم هم جيراننا ، فقال وهو يمد يده في جيب جاكيتتي : هم جيرانكم أم أنتم جيرانهم ؟ ما الفرق ؟ نحن أم هم كله واحد ، فقلت له بذكاء:نحن وهم جيران بعض ، وفجأة ً وكأن أفعى لسعت يده داخل جيبي أخرجها بسرعة ٍوهو بحالة قرف : شو هذا ؟ فارتعبت ونظرت إلى يده حيث سارع لإخراج منديله من جيبه ينظّف بها يده من البلاوي التي علقت بيده من منديلي الذي كان في جيبي ، حيث كنت أعاني من الزكام ( ومعذرة ً من قرّائي ) ، ولم يكن آنذاك كثيرا ًما تُستخدم المناديل الورقية ، بل كنا في العادة نستخدم المناديل القماشية التي تُغسل بعد ذلك لنعود لاستخدامها ثانية ً. . ما ذنبي ؟ أنا لم أطلب منه أن يدسّ يده في جيبي .
توطدت العلاقة بيننا وأصبحت أنا التلميذ المدلل عند الأستاذ شايش،ألست جار القمر ؟ فقد أصبغ عليّ لقب عريف الصف ، ويوماً بعد يوم أخذ بتكليفي بمهماتٍ أكثر خطورة ً
فقد أصبح يحمّلني بكتب ٍ( قصص وخلافه ) إلى العروس (طرب) و يرسلني في اليوم الثاني لجلب الكتاب ذاته ، وكل هذا وأنا أجهل ما أحمل بالضبط ، مما أتاح لي الفرصة لأدخل فيللا البيك والتعرف عليها من الداخل عن كثب ، كانت فعلا ً بيت بكوات ، بها الصالات الواسعة التي تليق بمن هم في منزلتهم ، والثريات الكريستال الكبيرة والسجاد الجميل الفاخر وأشياء كثيرة ٍ جميلة لم نكن لنراها إلا بأفلام السينما ، هذا بالإضافة إلى ما أتاحته لي هذه المنزلة العظيمة من عطايا مجزية كالألعاب والحلويات والشوكلاته وغيرها من جانب العروس طرب ، وكثيرا ً ما كنت أتساءل وأنا أحمل كتابا ً أو قصة ً سبق أن حملتها عن سبب إرسال هذا الكتاب أو القصة ذاتها ، هل أرادت إعادة قراءتها ثانية ً أم ماذا ؟ إلى أن وقعت الواقعة ، فأثناء خروجي من باب الفيللا الكبير حاملا ً الكتاب و سالكا ً الممر الطويل المرصوف في الحديقة المؤدي للطريق العام وإذا بالبيك نفسه داخلا ً الحديقة من الخارج فاستوقفني قائلاً : ماذا تفعل هنا ؟ فاعتقدت بأن ذلك سيكون ممتعا ً له أيضا ً لكوني أقوم بعمل ٍ هائل للأسرة فقلت له جئت لآخذ الكتاب من طرب إلى الأستاذ شايش ، فقال لي : أرني هذا الكتاب فأعطيته إياه وأخذ بتقليب صفحاته فإذا به يستخرج من جوفه مغلّفا ً سرعان ما فتحه وأخذ بقراءته وتعابير وجهه وقد تكهربت وانقلب كيان الرجل واستشاط غضبا ً فصرخ بأعلى صوته : طرب ، طرب ، فهرولت المتعوسة إلى باب الفيللا وما أن رأتني إلا وعرفت بأنها قد وقعت في شر أعمالها ، فقال لها :شو هالمسخرة يا طرب ؟ انتِ تريدين أن تفضحيني أمام العالم ؟ تراسلين خطيبك بهذا الكلام الوسخ ، وين عاداتنا ووين تقاليدنا ؟ . . اما أنا فقد أطلقت قدماي للريح جريا ً إلى المدرسة وإلى الأستاذ شايش الذي أصابه الوجوم من روع ما أصابه وأصابها .
بالطبع فقد كانت العادات والتقاليد آنذاك وخاصة ً لعائلةٍ أو قبيلة ٍ كعائلة البيك لا تسمح إطلاقا ً بأن يرى الخطيب خطيبته أو التحدث إليها أو مراسلتها على هذا النحو ، حتى أن المكالمات الهاتفية لم تكن متاحة ً في ظل عدم توفر الهواتف الأرضية إلا في بيوت الأثرياء جدا ً ، وعلى فرض كان في بيت البيك هاتفا ً فليس بالإمكان أن يكون لدى عائلة الأستاذ شايش هاتفا ً مثله ، وحتى لو كان عنده فإنه ليس من السهولة أن يتحدث إليها دون المرور على عامل الهاتف ليطلب منه الرقم ، والبلدة صغيرة ً جدا ً لا تستحمل مثل هذه المغامرات ، ويبقى مرسال المراسيل خير وسيلة ٍ لبث المشاعر الملتهبة .

صاحب التعليق: نبيل أحمد القيسي
التاريخ: 2013-09-30 / التعليق رقم [49732]:
السيدة المحترمة حليمة أوسطة أطال الله في عمرها
كما تفضلتِ وذكرتِ مشكورةً فكثيراً من العادات والتقاليد قد اندثرت فعلاً ، ولكن يبقى الضمير ويبقى الحياء هو ملك من شاء أن يتملكه . . شكراً لكِ سيدتي على شعورك الطيب .

صاحب التعليق: حليمة اوسطة
التاريخ: 2013-09-27 / التعليق رقم [49694]:
كم تغيرت التقاليد والتواصل والوقت لايتسع لكل تلك المغامرات التي كانت في السابق وامامها بحر من الوقت الذي يهدر دون حساب ....!!!!
الرسالة البريدية تحتاج اسبوعا لتصل الى مصر او بلجيكاوالبرقية السريعة جدا تحتاج يوما كاملا اما اليوم فانت ترسل مئات الرسائل بسرعة البرق وتتحدث الى اقصى نقطة من العالم بلحظة على سكايب وتعبر بأي طريقة دون حرج و عندك رادع الدين والضمير ..!!!
لك شكري وتقديري على هذه الوثيقة الاجتماعية الرائعة أ. نبيل وفقكم الله


دلالات : نبيل القيسي
 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير و برمجة: شـركة التكنولوجـيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 911491591
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه. موقع صيداويات © 2019 جميع الحقوق محفوظة