ليلة صامتةليلة صامتة (قصة قصيرة)
كانت الغرفة تعجّ بضحكاتٍ صغيرة، تنساب رقيقة كجدول ماء في ليلٍ ساكن. تحلّق الأطفال حول شاشة التلفاز الصغيرة، وجوههم مضاءة بوهج الرسوم المتحركة الملونة، وأعينهم تلاحق الحركات الراقصة بشغفٍ لا يعرف القلق. في عقولهم، كان العالم يختزل في حكاية بطلٍ ينجو، وأغنيةٍ مرحة يرددون ألحانها بهمسٍ طفولي. كانت جدران البيت الدافئة تحضن أحلامهم البسيطة، ورائحة العشاء المتصاعدة من المطبخ تضفي على المشهد طابعاً من الأمان الأزلي. خلا من حسبانهم أن الفرح، في هذه البقعة من الأرض، استراحة قصيرة بين فاجعة وأخرى، وأن ضحكاتهم كانت تودع جدران المنزل قبل أن يرحل كل شيء.
فجأة، انشقّ سكون الليل عن صرخة حديدية كأنها زلزال هبط من السماء ليغتصب السكينة. في كسرٍ من الثانية، تحولت الغارة الإسرائيلية إلى وحشٍ من لهب ودخان، يلتهم الضوء والضحكات معاً. ضغطٌ جوي هائل سحق الأوكسجين في الصدور، وتبعه دويٌّ صمّ الآذان وشطر الأرض شطرين. تلاشت ألوان الشاشة، وانطفأت الأضواء، وغرق المكان في عتمة خانقة تخللتها أصوات تحطم الحجر وانفجار الزجاج. غبارٌ كثيف اختلط برائحة البارود، ليحجب الرؤية عمن بقي حياً، ويصادر آخر ما تبقى من ملامح ذلك التجمع العائلي الدافئ تحت وطأة الموت العابر للقارات.
حين انقشع الدخان قليلاً، برزت مأساة "الركام" كشاهدٍ صامت على هول ما حدث. سقف الغرفة الذي كان يحمي أحلام الصغار، صار جبالاً من الأسمنت المهشم وأسياخ الحديد الملتوية كأفاعٍ غاضبة. في كل زاوية، كانت هناك بقايا تدل على حياةٍ كانت هنا منذ دقيقة: فردة حذاء صغيرة تبرز من تحت كتلة حجرية، وسادة ممزقة، وكتاب تلوين اختلطت ألوانه بتراب الأرض. الممرات والأبواب تحولت إلى تلال من الحطام الرمادي الذي ابتلع تحت طياته كل الذكريات والأجساد. كان المشهد لوحة سريالية من الدمار، حيث تساوى الأثاث بالتراب، وضاعت معالم البيت في فوضى الركام الكئيبة.
ساد صمتث "العدم" المطبق من غير سكينة. اختفت الحياة تماماً من المكان؛ فلا صوت بكاءٍ يُسمع، ولا أنينٍ ينبعث من تحت الأنقاض، ولا حتى حفيف ريح يجرؤ على كسر تلك الهيبة الجنائزية. الأشجار في الفناء الخارجي وقفت محترقة كأشباحٍ سوداء، والهواء تجمد في الرئات من فرط الكارثة. كان الفراغ هو سيد الموقف، وكأن الزمن توقف عند لحظة الانفجار رافضاً المضي قدماً. كل ما كان يضج بالحيوية قبل قليل، صار الآن جزءاً من سكون القبور. لقد خيم الموت بثقله على الأرجاء، ماسحاً كل أثر للوجود الإنساني، تاركاً خلفه فراغاً موحشاً لا تملؤه سوى رائحة الفقد.
بقيت الليلة صامتة، ممتدة كأنها دهرٌ من الوجع، حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل بخجلٍ فوق الأنقاض. وعلى مقربة من المأساة، كانت أضواء سيارات الإسعاف تومض بعبث، بعد أن منعها الرصاص والقذائف من الاقتراب طوال ساعات الظلام. ومع بزوغ الضوء، سُمح للمسعفين بالوصول، فهرعوا بقلوبٍ مرتجفة نحو جثث الحجر. كانت سيارات الإسعاف تئنّ وهي تشق طريقها بين الحفر، لتجد أن ليل الصمت قد أنجز مهمته تماماً. لم يجدوا إلا صمتاً أعمق تحت الضوء، وحكاياتٍ بُترت قبل أن تكتمل، في انتظار فجرٍ جديد لا يشبه أبداً ما سبقه من أيام.
قسم التحرير في موقع صيدا سيتي




