لماذا أصبح كثير من الناس متعبين رغم أن حياتهم أسهل من أي وقت مضى؟
قبل 30 سنة… كان الإنسان يبذل جهداً أكبر، ويتحمل ظروفاً أصعب، ومع ذلك كان كثيرون أكثر هدوءاً واستقراراً من اليوم.
أما الآن، فكل شيء تقريباً أصبح أسرع وأسهل: الطعام يصل بضغطة زر، والتواصل لحظي، والمعلومة في ثوانٍ… لكن في المقابل، ارتفعت معدلات القلق والتوتر والشعور بالإرهاق النفسي بشكل غير مسبوق.
فما الذي حدث؟
المشكلة أن الإنسان الحديث لم يعد متعباً من “الحياة” فقط، بل من “الكمّ الهائل” الذي يمرّ بعقله كل يوم.
في يوم واحد فقط، قد يرى الإنسان: أخبار حروب، ومقاطع نجاح، ومشكلات الناس، ومقارنات اجتماعية، وآراء متضاربة، ونماذج حياة مثالية… كل ذلك قبل أن ينتهي من فنجان قهوته.
العقل لم يُخلق لهذا التدفق المستمر. ولهذا، أصبح كثير من الناس يشعرون بالإرهاق حتى وهم لا يفعلون شيئاً مرهقاً فعلياً.
الأخطر من ذلك أن الإنسان بدأ يفقد قدرته على “الهدوء الداخلي”. صار الصمت مملاً، والجلوس دون هاتف مزعجاً، والتفكير العميق صعباً.
حتى العلاقات تغيّرت. أصبح البعض يعرف تفاصيل حياة مئات الأشخاص… لكنه لا يجد شخصاً واحداً يفهمه بصدق.
المفارقة المؤلمة أن وسائل التواصل التي صُممت لتقريب الناس، جعلت كثيراً منهم يشعرون بوحدة أكبر. لهذا، لم تعد الراحة الحقيقية في “امتلاك المزيد”، بل في تقليل الضجيج، وتقليل المقارنات، وتقليل التشتت، وتقليل الاستهلاك العاطفي اليومي.
وأحياناً… أكبر نعمة يحتاجها الإنسان اليوم، ليست حياة مثالية، بل عقل هادئ وقلب يخفق في حب الله تعالى.
المربي د. عبد الكريم بكار




