الإنهاك الوجودي
يمر الشباب اليوم بما يمكن تسميته بـ "الإنهاك الوجودي"؛ نتيجة تلاحق الأزمات الاقتصادية والانسدادات السياسية.
هذا الواقع أفرز ظاهرة خطيرة هي (الاستقالة من الشأن العام)، حيث ينسحب الشاب إلى عزلة شعورية، معتقداً أن الفردية هي الملاذ الأخير، وأن محاولات الإصلاح لم تعد سوى "حرث في البحر".
لكن، دعونا نفكك هذا اليأس من زاوية فكرية:
1. وهم "النتائج الكلية" أو اللاشيء: إن أحد أكبر أسباب اليأس هو انتظار "التغيير الشامل" والمفاجئ. حين لا يحدث هذا، يرتد الشباب إلى الإحباط. الحل يكمن في الانتقال إلى فلسفة (التغيير المجهري)؛ أي أن يركز المرء جهده في "دائرة التأثير" الخاصة به (إتقان مهنة، بناء أسرة، تعلم مهارة، نفع جار).
2. الأمل ليس "تفاؤلاً ساذجاً": التفاؤل الساذج ينتظر تحسن الظروف من تلقاء نفسها، أما الأمل الفكري فهو قرار واعي بالاستمرار في العطاء رغم قسوة الظروف. هو إدراك بأن "الظلام" ليس مبرراً لإطفاء المصباح، بل هو الداعي الأكبر لإشعاله.
3. الانكفاء على الذات هو هزيمة مبكرة: حين يستقيل الشباب من العمل العام أو المجتمعي، هم في الحقيقة يتركون الساحة لمزيد من التدهور. القوة الحقيقية تكمن في (الكتل الحيوية الصغيرة)؛ مجموعات من الشباب يتعاونون على القراءة، أو العمل التطوعي، أو الإبداع التقني، مما يشكل "جيوباً للمقاومة الحضارية".
المعادلة هي:
أن الظروف الصعبة قد تفرض علينا "طريقة العيش"، لكنها يجب ألا تفرض علينا "طريقة التفكير". إن الاستقامة على الطريق، والإصرار على النفع، هو في حد ذاته انتصار على اليأس، حتى لو لم تتغير الموازين الكبرى غداً.
المربي د. عبد الكريم بكار


