حين تكشف الخوارزميات مكنون النفس
لم يعد العالم الرقمي مجرد مساحة للاطلاع، بل استحال إلى (مختبرٍ للنفس) يكشف حقيقة ما تشتهيه العقول. إنَّ "الخوارزميات" التي تُدير تلك المنصات، رغم افتقارها للعقل، تملك "ذاكرةً راصدة" لكل نقرة، ولكل ثانية تُقضى في المشاهدة، ومن ثمَّ تُعيد صياغة العالَم الافتراضي للإنسان ليُصبح نسخةً مطابقة لاهتماماته.
إنَّ معرفة الحقيقة الفكرية للمرء لا تتطلب النظر إلى ادعاءاته اللسانية، بل تقتضي تأمل (قائمة المقترحات) التي تظهر في حساباته؛ فهي تُمثل "المِرآة الأصدق" والمقياس الفعلي لتوجهاته.
ويمكن رصد ثلاث حقائق جوهرية في هذا السياق:
1. "التغذية الراجعة" وبناء الشخصية:
حين يحرص المرء على متابعة أهل العلم والرسالة، تبدأ المنصات في تقديم الحقائق وتكثير وجوه الخير في عينيه. وهذا ما يُسمى بـ (التثبيت المعرفي)؛ حيث يتحول الحساب الشخصي من أداة تشتيت إلى "محضنٍ تربوي" يُعزز قيم الاستقامة والنمو النفسي والفكري.
2. الحساباتُ "سجلاتٌ" للأعمار:
يُعدُّ كل فيديو أو منشور يظهر للمرء شهادةً على "أين أنفق وقته" سابقاً. إنَّ سيولة المحتوى التافه في بعض الحسابات ليست إلا نتيجة لـ (استجابات قديمة) لتلك المثيرات؛ فالإنسان هو مَن "يُدرب" الآلة على نوع المحتوى الذي تقدمه له، وهو القائد الذي يحدد مسار الطريق الرقمي.
3. مسؤوليةُ "تطهير" المحيط الرقمي:
إنَّ امتلاء الحساب بـ "الغثاء" لا يُعزى إلى الشركات المصنعة بقدر ما يُعزى إلى (الفضول الشخصي) غير المنضبط. وتُعتبر "تصفية" الحسابات ومتابعة أهل الرسالة عملية (هندسة وقائية) للصدر؛ لضمان عدم امتلائه إلا بما ينفع، وللحفاظ على "بوصلة الاهتمام" متجهةً نحو معالي الأمور.
الخلاصة:
تُمثل الشاشة "نافذة الروح" على العالم، ومن الرشد أن يكون ما يمرُّ عبرها رافعاً للهمة ومُنيرًا للعقل. إنَّ استحضار قاعدة (ما يتابعه المرء.. يتبعه)، يفرض عليه أن يكون "ناقداً بصيراً" لحساباته؛ فما يُمنح الاهتمام اليوم، هو الذي سيُشكل الوعي ويصنع القرارات غداً.
المربي د. عبد الكريم بكار
