المشكلة تبدأ هنا…
حين يطلب الطفل أمرًا فيُرفض طلبه بهدوء، ثم ما إن يعلو صوته بالبكاء أو الصراخ حتى تُلبّى رغبته فورًا، يظنّ الأهل أنهم أنهوا موقفًا عابرًا، بينما هم في الحقيقة يزرعون درسًا تربويًا عميق الأثر دون أن ينتبهوا.
الطفل في هذه اللحظة لا يتعلّم أن الطلب له ضوابط، ولا أن الرفض جزء طبيعي من الحياة، بل يتعلّم قاعدة بسيطة وخطيرة: الصوت الأعلى هو الطريق الأسرع للحصول على ما يريد. ومع تكرار المشهد، يتحوّل البكاء من تعبير عن مشاعر إلى أداة ضغط، ويصبح الصراخ لغة تفاوض يتقنها الطفل مبكرًا.
من منظور تربوي، الطفل لا يختبر حدود والديه عبثًا، بل يسأل بسلوكه: أين تقف القواعد؟ وهل هي ثابتة أو قابلة للتراجع؟
وعندما يرى أن القاعدة تسقط أمام البكاء، يتكوّن داخله شعور بأن الهدوء لا يُجدي، وأن الانفعال هو الوسيلة الأكثر فاعلية.
النتيجة بعيدة المدى ليست عنادًا فقط، بل ضعفًا في تنظيم المشاعر، وصعوبة في تقبّل الرفض، وميلًا لاستخدام الضغط العاطفي مع الآخرين لاحقًا، لأن الطفل تعلّم مبكرًا أن الانفعال يكافأ.
الحل التربوي لا يقوم على القسوة، بل على الثبات الواعي.
حين يُرفض الطلب، يجب أن يبقى الرفض قائمًا مهما تغيّر الأسلوب، مع احتواء المشاعر دون التراجع عن القرار. يمكن للأب أو الأم أن يقول بهدوء:
أنا أفهم أنك منزعج، ومن حقك أن تحزن، لكن القرار لم يتغيّر.
كما يحتاج الطفل أن يرى نموذجًا بديلًا للتعبير: نعلّمه أن يطلب بهدوء، أن ينتظر، أن يعبّر بالكلام لا بالصراخ. ومع الوقت يفهم أن الهدوء يقوده إلى الفهم، لا إلى الخسارة.
التربية ليست في إسكات البكاء بسرعة، بل في بناء إنسان يعرف كيف يطلب، وكيف يُرفض، وكيف يعبّر عن مشاعره دون أن يؤذي نفسه أو غيره.
والطفل الذي يتعلّم هذا مبكرًا، يكبر وهو أكثر توازنًا، وأصدق تواصلًا، وأقوى قدرة على مواجهة الحياة.
بقلم المربي الدكتور عبد الكريم بكار

