حقيقة المراقبة ومقام الإحسان: كيف تعيش في معية الله في السر والعلن؟
تتفاوت مراتب الإيمان وتتعدد درجات المقربين، غير أن أعلاها شأناً وأعظمها أثراً في سلوك المسلم وحياته هي تلك المرتبة التي ينكشف فيها للقلب يقين لا يخالطه شك: أن الله سبحانه وتعالى مطلع على ظاهره وباطنه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
الشمول الإلهي: علامُ الغيوب
يقول الحق جلّ وعلا في محكم كتابة: {سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} (الرعد: 10).
تجسد هذه الآية الكريمة شمول العلم الإلهي واستواء الحالات عنده سبحانه؛ فمن أسرّ الحديث بينه وبين نفسه أو همس به في أذن غيره، كمن جهر به وأعلنه على الملأ. ومن استتر بظلمات الليل البهيم متوارياً عن أعين البشر، كمن يسير في وضح النهار أمام الخلائق.
إن هذه الحالات جميعها عند الله سواء؛ فهو سبحانه السّميعُ لكل قول، البصيرُ بكل عمل، الحفيظُ الذي يسجل على العبد أفعاله وأقواله، ليجازيه عليها: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
الإحسان: أعلى مراتب الدين
في الحديث الشريف المشهور (حديث جبريل عليه السلام)، عندما سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن مفهوم الإحسان، أجابه المصطفى إجابةً تختصر فلسفة السلوك الإنساني في الإسلام قائلاً:
«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
يقسم العلماء هذا المفهوم إلى درجتين متكاملتين من مراتب "المراقبة":
رتبة المشاهدة (كأنك تراه): وهي العبودية المعبأة بالحب والشوق واستحضار عظائم جلال الله، حتى كأن العبد ينظر إلى عرش الرحمن ويستشعر عظمه قدرته في كل لحظة.
رتبة المراقبة (فإنه يراك): وهي الاستحصار الدائم بأن العبد تحت عين الله وعلمه، إن لم يستطع العقل البشري استحضار المشاهدة الإلهية لقصوره، فلا يغيب عنه يقين الاطلاع الإلهي عليه.
وقد تجلت هذه الرتبة السامية في جواب الصحابي الجليل حارثة بن مالك رضي الله عنه حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف أصبحت يا حارثة؟"، فقال: "أصبحت مؤمناً حقاً يا رسول الله". فلما سأله عن حقيقة إيمانه، قال: "عزفت نفسي عن الدنيا... وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً".
أثر استحضار المعية على استقامة سلوك المجتمع
إذا تشربت القلوب مفهوم "المراقبة الإلهية"، فإن هذا اليقين ينعكس فوراً على المعاملات اليومية والسلوكيات التفصيلية للإنسان، حيث تنضبط جميع مناحي الحياة:
في العبادات: يصلي المسلم صلاة خاشعة، ويصوم صيام العارفين، مستشعراً وقوفه بين يدي الخالق.
في المعاملات المالية: يبتعد التجار عن الغش والتدليس في البيع والشراء، لعلمهم أن العين الإلهية لا تغفل.
في البيوت والعلاقات الأسرية: ينضبط التعامل مع الوالدين بالبر ومع الأبناء بالتربية الصالحة والإحسان، وتُراعى حقوق الجار.
في الخلوات: تتلاشى المعاصي التي تُرتكب خلف الأبواب المغلقة؛ إذ يستحي العبد أن يجعل الله عز وجل أهون الناظرين إليه.
ختـاماً
إن السعادة الحقيقية والانضباط الذاتي لا يتحققان بشرطة أو رقابة بشرية، بل بـ "الرقيب الداخلي" المتمثل في استشعار آية سورة الرعد وحقيقة حديث الإحسان. فلنحرص أخي المسلم وأختي المسلمة على جعل تقوى الله ومراقبته دستوراً لنا في السر والعلن، وفي ظلمات الليل وأضواء النهار، حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا.
قسم التحرير في موقع صيدا سيتي
النص مستوحى من كلمة قصيرة للداعية الدكتور محمد خير الشعال

