حين يضيق الصدر بلا سبب ظاهر
يمرّ الإنسان أحيانًا بأيام يشعر فيها بضيقٍ يثقل صدره، دون أن يكون قادرًا على الإشارة إلى سبب واضح. لا مشكلة كبيرة وقعت، ولا خبرًا سيئًا تلقّاه، ولا خسارة محددة أصابته، ومع ذلك يشعر أن شيئًا في داخله ليس على ما يرام.
وهنا يخطئ بعض الناس حين يظنون أن لكل شعور سببًا مباشرًا وظاهرًا. فالإنسان ليس آلة تعمل وفق معادلات بسيطة، بل هو كيان تتداخل فيه النفس والعقل والجسد والروح، وما يمرّ به اليوم قد يكون نتيجة تراكمات لم ينتبه إليها بالأمس.
قد يكون الضيق أثرًا لإرهاق طويل لم يأخذ حقه من الراحة، أو لضجيج مستمر لم يترك للعقل فرصة ليستعيد هدوءه، أو لضغوط صغيرة اجتمعت حتى أثقلت النفس. وربما كان نتيجة فراغ داخلي، أو انقطاع عن عبادة كانت تمنح القلب سكينته، أو ابتعاد عن صحبة صالحة كانت تعين على الثبات.
ومن الأخطاء الشائعة أن يسارع الإنسان إلى مقاومة هذا الشعور بأي وسيلة تشغله عنه؛ فيغرق في تصفح الهاتف، أو يكثر من الترفيه، أو يملأ يومه بالانشغالات، بينما كان الأجدر به أن يتوقف قليلًا ويسأل نفسه: ماذا تحاول نفسي أن تخبرني؟
فالضيق ليس دائمًا عدوًا، بل قد يكون رسالة. رسالة تدعونا إلى مراجعة إيقاع حياتنا، أو إعادة ترتيب أولوياتنا، أو إصلاح علاقة ضعفت، أو تصحيح مسار بدأ ينحرف دون أن نشعر.
ولهذا فإن الحكيم لا يخاف من هذه اللحظات، ولا يبالغ في تفسيرها، وإنما يستقبلها بهدوء، ويمنح نفسه قدرًا من الراحة، ويجدد صلته بالله، ويبتعد قليلًا عن ضجيج الحياة، ثم يراقب ما يتكشف له مع الأيام.
إن النفس البشرية تحتاج، كما يحتاج الجسد، إلى فترات تستعيد فيها توازنها. وليس كل ضيق علامة على كارثة، كما أن ليس كل راحة دليلًا على سلامة الأحوال.
وقد يكون أعظم ما نتعلمه من هذه التجربة أن العناية بالنفس ليست علاجًا وقت الأزمات فحسب، بل هي أسلوب حياة. فكلما أحسن الإنسان إدارة وقته، وحفظ قلبه من الضجيج، وأعطى روحه نصيبها من الذكر والعبادة، وجسده نصيبه من الراحة، وعقله نصيبه من التأمل؛ كان أقدر على مواجهة تلك اللحظات العابرة دون أن تستنزف طاقته أو تفقده اتزانه.
المربي د. عبد الكريم بكار

