صيدا سيتي

للإيجار شقة مفروشة طابق ثاني في عبرا بجانب محطة الكهرباء الجديدة - 18 صورة معهد صيدا التقني - المواساة يعلن عن الاستمرار في التسجيل للعام الدراسي الجديد 2019-2020 جريحان بحادث سير في مدينة صيدا بلدية صيدا ترعى مباريات كرة الطائرة الشاطئية على شاطىء المسبح الشعبي في صيدا مجلس بلدية صيدا برئاسة المهندس السعودي ينوّه بجهود إدارة وفرق شركة NTCC الخارقة مخيم تثقيفي لوحدة كفرجرة في التنظيم الشعبي الناصري - 8 صور المفتشية العامة التربوية :المطالبة بإعادة التصحيح او إعادة النظر بالنتائج او منح افادات غير محقة تعديل في تقديرات ضريبة الأملاك المبنية الحاج سعيد "العسوس" يعود الى لبنان سالما.. بعد ادائه مناسك الحج والعمرة بهية الحريري من سراي صيدا: لا بديل عن الدولة وتقوية مؤسساتها - 6 صور للبيع شقة في الوسطاني - حي البراد - بناية الحلبي - مقابل عصير العقاد - 16 صورة مصبغة My Washer تفتتح فرعها الرابع في الغازية بجانب سوبر ماركت التوفير وتبارك لوكيلها محمد حمدان عرسك بالكامل في صالة صار بَدّا للأعراس: تصوير وزفة وفيديو وضيافة و DJ مع موقف سيارات وملعب للأطفال للبيع فيلا ثلاثة طوابق في منطقة جون على مساحة 1,050 متر مربع - 7 صور تزيين شوكولا لكل أنواع المناسبات من Choco Lina حج مبرور وسعي مشكور - 13 صورة لأول مرة في صيدا!! دورة فنية في تشكيل وتصميم البالونات لكافة المناسبات مبارك افتتاح محل جبنة ولبنة لصاحبيه زياد حمود وهاني الزيباوي في صيدا - شارع دلاعة - مقابل حلويات الإخلاص - 27 صورة دعوة مجانية إلى مهرجان حكاياتنا .. الخميس 29 آب، في مركز معروف سعد الثقافي - صيدا‎ مدرسة الغد المشرق تعلن عن بدء التسجيل للعام الدراسي 2019-2020 (مقسطة على 9 أشهر) - بإدارة الأخصائية التربوية سوسن عبد الحليم للبيع شقة سوبر ديلوكس بإطلالة مميزة 156 متر مربع في آخر كفرجرة صيدا (بناية تلبيس حجري) - 13 صورة

النص العربي الرسمي لتقرير بعثة تقصّي الحقائق الدولية حول جريمة اغتيال الحريري

لبنانيات - الجمعة 01 نيسان 2005 - [ عدد المشاهدة: 896 ]
X
الإرسال لصديق:
إسم المُرسِل:

بريد المُرسَل إليه:


reload

المستقبل
رسالة مؤرخة 24 آذار/ مارس 2005 موجهة من الأمين العام الى رئيس مجلس الأمن
أتشرّف بأن أحيل طيه تقرير بعثة تقصي الحقائق في ملابسات وأسباب وعواقب تفجير 14 شباط/ فبراير في بيروت، الذي أعد وفقاً لبيان رئيس مجلس الأمن (S/PRST.2005/4) المؤرخ 15 شباط/ فبراير 2005.
ويثير تقرير تقصي الحقائق المرفق، الذي يقدم الى مجلس الأمن اليوم، والذي أعد بشكل مستقل، ادعاءات بالغة الخطورة ومقلقة. وتستنتج البعثة فيه أن ثمة حاجة لإجراء تحقيق دولي مستقل.
وإنني أؤيد توصية البعثة بإجراء مثل هذا التحقيق، وأن تكون الغاية منه التوصل الى استنتاجات كاملة قدر الإمكان عمّن تقع عليه مسؤولية اغتيال السيد الحريري ومقتل تسعة عشر شخصاً آخرين.
وأود أن أعرب عن شكري لرئيس البعثة، السيد بيتر فيتزجيرالد، وأعضاء فريقه على إعدادهم التقرير.
وأكون ممتناً لو تفضلتم برفع هذه المسألة لعناية أعضاء المجلس. وفي غضون ذلك، سأقوم أيضاً بإحالة التقرير الى حكومة لبنان.
إن لبنان يجتاز فترة صعبة وحساسة. ويتحتم على جميع المعنيين التصرّف بأقصى قدر ممكن من ضبط النفس. وينبغي الحرص على أن يكون تقرير مستقبل لبنان عن طريق الوسائل السلمية وحدها.
(توقيع) كوفي أ. عنان
تقرير بعثة تقصّي الحقائق الموفدة الى لبنان لتحري أسباب وملابسات وعواقب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري
(25 شباط/ فبراير ـ 24 آذار/ مارس 2005)
موجز
أودى انفجار وقع في وسط بيروت في 14 شباط/ فبراير 2005 بحياة عشرين شخصاً بينهم رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وقد أوفد الأمين العام للأمم المتحدة بعثة لتقصي الحقائق الى بيروت لتحري أسباب ملابسات وعواقب هذا الاغتيال. وعقب وصول البعثة الى بيروت في 25 شباط/ فبراير التقت عدداً كبيراً من المسؤولين اللبنانيين وممثلي مختلف المجموعات السياسية، وأجرت استعراضاً شاملاً لإجراءات التحقيق والإجراءات القانونية اللبنانية، وعاينت مسرح الجريمة والأدلة التي جمعتها الشرطة المحلية، والتقطت وحللت عينات من مسرح الجريمة، واستجوبت بعض الشهود في خصوص الجريمة.
ولن يمكن التأكد بشكل موثوق من "الأسباب" المحددة لاغتيال السيد الحريري إلا بعد أن يجري إحضار مقترفي هذه الجريمة أمام العدالة. إلا أنه من الواضح، رغم ذلك، أن الاغتيال جرى في سياق سياسي وأمني شابُه استقطاب حاد حول مسألة النفوذ السوري في لبنان، وعجز من جانب الدولة اللبنانية عن توفير الحماية الكافية لمواطنيها.
وفيما يتعلق بالملابسات، ترى البعثة أن الانفجار نجم عن عبوة من مادة التراينيتروتولوين (تي.إن.تي) يقارب وزنها 1000 كيلوغرام، وضعت على الأرجح فوق سطح الأرض. ويشير استعراض لما أجرى من تحقيقات الى افتفار واضح للالتزام من جانب السلطات اللبنانية بإجراء تحقيق فعال في الجريمة، ويظهر أيضاً أن هذه التحقيقات لم تجر وفقاً للمعايير المقبولة دولياً. وترى البعثة كذلك أن التحقيقات اللبنانية تعوزها ثقة الناس، التي تعتبر شرطاً أساسياً لكي تحظى نتائجها بالقبول.
ومن الممكن أن تكون لهذا الاغتيال عواقب بعيدة المدى. فقد أدى على ما يبدو الى فتح الباب أمام الاضطرابات السياسية التي ظلت تجيش طوال العام الماضي. وثمة اتهامات واتهامات مضادة تتفشى في الأجواء وتسهم في تفاقم الاستقطاب السياسي الجاري. ويتهم البعض أجهزة الأمن والقيادة السورية باغتيال السيد الحريري باعتبار أنه أصبح عقبة كأداء بوجه نفوذها في لبنان. أما مؤيدو سوريا فيرون أن اغتياله تم بأيدي "أعداء سوريا"؛ الذين يرمون الى وضع ضغوط دولية على القيادة السورية من أجل الإسراع بنهاية نفوذها في لبنان، و/أو إطلاق سلسلة من ردود الأفعال تفرض في نهاية المطاف "تغييراً في نظام الحكم" داخل الجمهورية العربية السورية نفسها. وقد أعرب سياسيون لبنانيون من مختلف المشارب أمام البعثة عن مخاوفهم من احتمال أن يزج بلبنان في مواجهة حاسمة محتملة بين الجمهورية العربرية السورية والمجتمع الدولي ستكون لها عواقب مدمرة على السلم والأمن اللبنانيين.
وبعد أن فرغت البعثة من تجميع المعلومات المتاحة، خلصت الى أن أجهزة الأمن اللبنانية والمخابرات العسكرية السورية تتحمّل المسؤولية الرئيسية عن انعدام الأمن والحماية والقانون والنظام في لبنان. وقد أظهرت أجهزة الأمن اللبنانية إهمالاً جسيماً ومطرداً في القيام بالواجبات التي يضطلع بها عادة أي جهاز أمني وطني محترف. ونجم عن هذا الإهمال عجز خطير في قدرتها على توفير مستوى مقبول من الأمن لمواطني لبنان، فأسهمت من ثم في إشاعة ثقافة التخويف والإفلات من العقوبة. وتشترك المخابرات العسكرية السورية في هذه المسؤولية بمقدار ما هي مشتركة في تسيير أجهزة الأمن في لبنان.
وتستنتج البعثة أيضاً أن حكومة الجمهورية العربية السورية تتحمل المسؤولية الرئيسية عن التوتر السياسي الذي سبق اغتيال رئيس الوزراء السابق السيد الحريري. فمن الواضح أن حكومة الجمهورية العربية السورية مارست نفوذاً تجاوز حدود الممارسة المعقولة لعلاقات التعاون والجوار حيث تدخلت في تفاصيل الحكم في لبنان بأسلوب جائر وعنيد، كان هو السبب الرئيسي لعملية الاستقطاب السياسي التي تلته. وبدون المساس بنتائج التحقيق، يبدو جلياً أن هذا المناخ وفّر الخلفية لاغتيال السيد الحريري.
وقد وضح للبعثة أن عملية التحقيق التي أجرتها الأجهزة اللبنانية يعتورها خلل خطير، وأن هذه العملية تفتقر الى القدرة على التوصل الى نتائج مرضية وموثوق بها أو الالتزام بذلك. ومن أجل كشف الحقيقة، لا بد أن يعهد بالتحقيق الى لجنة دولية مستقلة تضم مجالات الخبرة المختلفة التي ينطوي عليها عادة إجراء عملية تحقيق كبيرة مماثلة في الأنظمة الوطنية، وأن تتمتع هذه اللجنة بالسلطة التنفيذية الضرورية لإجراء استجوابات وتفتيشات وأداء مهام أخرى ذات صلة. وعلاوة على ذلك فإنه من المشكوك فيه الى حد بعيد أن تتمكن مثل هذه اللجنة الدولية من الاضطلاع بمهامها بشكل مرض، وأن تحظى بالتعاون الفعلي الضروري من السلطات المحلية، طالما ظلّت القيادات الحالية للأجهزة الأمنية اللبنانية باقية في مناصبها.
وتستنتج البعثة أن استعادة أجهزة الأمن اللبنانية لنزاهتها ومصداقيتها يكتسي أهمية حيوية من أجل بسط الأمن والاستقرار في البلد. وتحقيقاً لهذه الغاية لا بد من بذل جهد مستمر لإعادة تشكيل أجهزة الأمن اللبنانية وإصلاحها وتدريبها من جديد. وستحتاج هذه العملية على وجه التأكيد الى مساعدة ومشاركة نشطة من جانب المجتمع الدولي.
وأخيراً، ترى البعثة أن الدعم السياسي الدولي والإقليمي ضروريان لضمان الوحدة الوطنية للبنان، والصد عن هشاشة مؤسسة الحكم فيه إزاء أي ضغوط لا لزوم لها. كما ترى أن تحسين آفاق السلم والأمن يوفر أرضية أكثر صلابة لاستعادة الأوضاع السوية في لبنان.
أولاً ـ مقدمة
1 ـ في 14 شباط/ فبراير 2005 تسبب انفجار في وسط بيروت في مقتل عشرين شخصاً، بينهم رئيس الوزراء السابق رفيق بهاء الدين الحريري. وأودى الانفجار أيضاً بحياة كل من، يحيى مصطفى العرب ومحمد بن سعد الدين درويش وطلال نبيه ناصر وزيد محمد طراف وعمر أحمد المصري ومحمد رياض حسين الغلاييني ومازن عدنان الذهبي ويمامة كامل ضامن وهيثم خالد عثمان وآلاء حسن عصفور وزاهي حليم أبو رجيلي وجوزيف أميلي عون وريما محمد رائف بزي ورَوادَ حسين حيدر وصبحي محمد الخضر وعبدو توفيق بوفرح وعبدالحميد محمد الغلاييني ومحمود صالح الخلف ومحمد صالح الحمد المحمد. وبالإضافة الى هؤلاء القتلى، لا يزال فرحان أحمد العيسى مفقوداً ويعتقد أنه من بين الضحايا. وأسفر الانفجار أيضاً عن إصابة 220 آخرين.
2 ـ وفي 15 شباط/ فبراير، أصدر رئيس مجلس الأمن بياناً باسم المجلس طلب فيه الى الأمين العام بأن "يتابع عن كثب الحالة في لبنان ويقدم على وجه السرعة تقريراً عن الملابسات والأسباب التي أحاطت بهذه العملية وما يترتب عليها من عواقب". وفي 18 شباط/ فبراير أعلن الأمين العام عن إيفاد بعثة لتقصي الحقائق الى بيروت من أجل جمع المعلومات الضرورية لتمكينه من تقديم تقرير الى المجلس وفي وقت مناسب. وبعد تبادل الرسائل بين الأمين العام ورئيس لبنان، أوفدت الى لبنان بعثة تتألف من بيتر فيتزجيرالد نائب مفوض الشرطة في إيرلندا (غاردا سيوشانا)، واثنين من محققي الشرطة، ومستشار قانوني ومستشار سياسي، لجمع الحقائق عن أسباب وملابسات وعواقب الاغتيال. وقد ترأس هذه البعثة السيد فيتزجيرالد. وفي 6 آذار/ مارس، وبالترتيب مع السلطات اللبنانية، أضيف للبعثة خبراء آخرون في مجالات المتفجرات والمقذوفات والحمض الخلوي الصبغي، ومعاينات مسرح الجريمة، من أجل فحص موقع الجريمة والعينات التي جمعت منه.
3 ـ وعقب وصول أعضاء بعثة تقصي الحقائق (تسمى فيما بعد "البعثة") الى بيروت في 25 شباط/ فبراير، التقوا عدداً كبيراً من المسؤولين اللبنانيين وممثلين لمختلف المجموعات السياسية، وأجروا استعراضاً شاملاً لإجراءات التحقيق والإجراءات القانونية اللبنانية، وعاينوا مسرح الجريمة والأدلة التي جمعتها الشرطة المحلية، والتقطوا وحللوا عينات من مسرح الجريمة، واستجوبوا بعض الشهود فيما يخص الجريمة. واستجابة لطلب عدد من الأشخاص الذين التقتهم اللجنة عدم الإفصاح عن هوياتهم، لا يشمل هذا التقرير قائمة كاملة بالمستجوبين. وفي 16 آذار/ مارس 2005 اختتمت البعثة تحريها في لبنان، ويتضمن التقرير الحالي النتائج التي توصلت إليها والتوصيات التي وضعتها.
ثانياً ـ النتائج
4 ـ تقع النتائج التي توصلت إليها البعثة في ثلاث فئات على النحو الذي حدده مجلس الأمن وهي: الأسباب، والملابسات، والعواقب.
ألف ـ الأسباب
5 ـ لن يمكن التأكد بشكل موثوق من "الأسباب" المحددة لاغتيال السيد الحريري إلاّ بعد إحضار مقترفي هذه الجريمة أمام العدالة. إلا أنه من الواضح رغم ذلك، أن الاغتيال جرى في سياق سياسي وأمني شابه استقطاب حاد حول مسألة النفوذ السوري في لبنان، وعجز من جانب الدولة اللبنانية عن توفير الحماية الكافية لمواطنيها.
السياق السياسي
6 ـ استخدم لبنان مراراً كساحة قتال لأطراف الصراع العربي الإسرائيلي، مما تسبب في أثر مدمر على وحدته الوطنية واستقلاله، تجسد في حربه الأهلية المأسوية (1975 ـ 1990) وفي حملات عسكرية عديدة جرت على ترابه. وتحتفظ الجمهورية العربية السورية بوجود عسكري في لبنان منذ عام 1976 بموافقة الحكومة اللبنانية. كما تمارس نفوذاً سياسياً في الشؤون اللبنانية، وهو نفوذ أخذ في التصاعد بشكل كبير منذ التسعينات، وجرت المصادقة عليه عام 1991 في معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق".
7 ـ وحتى قيام إسرائيل بسحب قواتها من لبنان في عام 2000، لم يواجه الوجود السوري في لبنان أي تحد على وجه العموم. ثم بدأت الشخصيات السياسية تفصح عن معارضتها لاستمرار النفوذ السوري وتدعو الى تطبيق باقي أحكام اتفاق الطائف (لعام 1989) التي كان يمكن أن تؤدي، إذا ما طبقت، الى تقليص الوجود السوري في لبنان تقليصاً كبيراً يقرب من إمكانية خروجه الكامل من لبنان. ورغم حرص السيد الحريري على تجنب الخوض في هذه المناقشة، إلا أن علاقته بالرئيس إميل لحود، الذي يوصف عموماً بأنه المفضّل لدى الجمهورية العربية السورية، كانت متوترة. وحسبما كشفه للبعثة مسؤول أمني بارز مقرّب من الجمهورية العربية السورية؛ فإن الصراع بين الرجلين تكرر خلال فترة ولاية السيد الحريري (2000 ـ 2004) الى الحد الذي كان يحتاج الى "تدخل ووساطة من الخارج بصفة يومية"، وقد اثر الصراع بين السيد لحود والسيد الحريري على قدرة الاخير في تسيير شؤون حكومته وتنفيذ سياساتها وأوصلها في بعض الاحيان الى نقطة الشلل. وعلى نطاق واسع، فُسرت الصعوبات التي واجهها السيد الحريري مع السيد لحود باعتبارها دليلاً على عدم ثقة الجمهورية العربية السورية في الاول.
8 ـ وكان المفترض ان تنتهي ولاية السيد لحود في عام 2004، مع عدم امكانية تجديدها وفقاً للدستور. وكان واضحاً ان السيد الحريري يأمل ان تمكنه نهاية ولاية السيد لحود من استعادة السيطرة على حكومته، غير ان بعض الاصوات في لبنان دعت، خلال عام 2004، الى تعديل الدستور من اجل تمديد ولاية السيد لحود. وتحولت هذه الامكانية الى جزء من المناقشة السياسية المتصلة بالوجود السوري في لبنان وزادتها اواراً. وبالنظر الى توزيع المقاعد في البرلمان، كان اي تعديل دستوري يتطلب الحصول على دعم كتلة السيد الحريري، وهو ما لم يكن مستعداً لبذله. وعلاوة على ذلك، افيدت البعثة من مصادر موثوق بها ان السيد الحريري كان قد تمكن من الحصول على التزام من القيادة السورية بعدم تمديد فترة ولاية السيد لحود.
9 ـ لكن القيادة السورية قررت بعد ذلك مساندة تمديد فترة الرئاسة وان يكن لثلاث سنوات بدلاً من ست سنوات. وكان الضغط من اجل التمديد شديداً ومدعاة للانقسام، كما ادى الى عواقب بعيدة المدى. وعلى حد ما قاله للبعثة مسؤول لبناني مقرّب من القيادة السورية فان القرار السوري بعث برسالة واضحة للسيد الحريري مفادها ان عليه ان يذهب: "فلم يكن هناك من سبيل لكي يعمل الاثنان معاً"، والتقى السيد الحريري الرئيس بشار الاسد في دمشق في محاولة اخيرة لاقناعه بعدم مساندة التمديد. وقد تلقت البعثة افادات عن هذا الاجتماع من مصادر مختلفة داخل لبنان وخارجه، تزعم جميعها انها استمعت من السيد الحريري نفسه الى وصف ما دار في ذلك الاجتماع بعد وقت قصير من انعقاده. ولم تحصل البعثة على سرد لما حدث في الاجتماع من جانب السيد الأسد: فقد رفضت السلطات السورية طلب البعثة ان تجتمع به. وتؤيد الشهادات التي وردت للبعثة بعضها بعضاً بشكل حرفي تقريباً.
10 ـ وطبقاً لهذه الشهادات، ذكّر السيد الحريري السيد الأسد بوعده عدم السعي لتمديد فترة رئاسة السيد لحود، وردّ السيد الاسد بأن هناك تغييراً في السياسة، وأن القرار اتخذ بالفعل. وأضاف انه ينبغي اعتبار السيد لحود بمثابة ممثله الشخصي في لبنان وأن "معارضته ترقى الى معارضة الاسد نفسه". ثم اضاف الى ذلك قوله انه (السيد الاسد) "اجدر بأن يحطم لبنان على رأسَي (السيد) الحريري و (زعيم الدروز وليد) جنبلاط، ولا تُردُ كلمته في ذلك البلد". وطبقاً للافادات، هدّد السيد الاسد بعد ذلك السيد الحريري والسيد جنبلاط بالايذاء الجسدي اذا عارضا التمديد للسيد لحود. وتفيد التفارير أن الاجتماع استغرق عشر دقائق وكان آخر مرة يجتمع فيها السيد الحريري بالسيد الأسد. وبعد هذا الاجتماع، قال الحريري لأنصاره انه ليس امامهم خيار آخر سوى مساندة التمديد للسيد لحود. وتلقت البعثة ايضاً تقارير عن توجيه تهديدات أخرى للسيد الحريري من جانب مسؤولي الامن في حالة امتناعه عن التصويت لصالح التمديد أو "حتى لو فكر في مغادرة البلد".
11 ـ وفي 2 ايلول/سبتمبر 2004، اتخذ مجلس الامن قراره 1559 (2004)، الذي طالب فيه، في جملة احكامه الاخرى، "جميع القوات الاجنبية المتبقية بالانسحاب من لبنان، وأعلن تأييده لعملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية المقبلة تجري وفقاً لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة من غير تدخل او نفوذ اجنبي". ويعتقد على نطاق واسع، داخل لبنان وخارجه، ان السيد الحريري آزر هذا القرار مؤازرة نشطة. وأبلغت مصادر كثيرة في لبنان البعثة بأن القيادة السورية اعتبرت السيد الحريري شخصياً، مسؤولاً عن اتخاذ القرار، وأن هذا القرار آذن بانتهاء ما تبقى من الثقة بين الجانبين. وفي 3 ايلول/سبتمبر طُرح التصويت على التمديد في البرلمان. وصوّت السيد الحريري وكتلته البرلمانية لصالح القرار. وصوّت ثلاثة وزراء ضد القرار، بينهم مروان حمادة، وهو صديق مقرب لكل من السيد الحريري والسيد جنبلاط. ووُفق على التعديل، ومدّدت فترة رئاسة السيد لحود ثلاث سنوات. وفي 9 ايلول/سبتمبر أعلن السيد الحريري استقالته.
12 ـ وبلغ التوتر السياسي درجة عالية جديدة مع تلك الاستقالة. وانضم عدد اضافي من الشخصيات السياسية الى ما أصبح يسمى فيما بعد "المعارضة"، التي طالبت بصورة رئيسية بمراجعة العلاقات السورية ـ اللبنانية. وفضّل بعض قادة المعارضة استعراض هذه العلاقات بما يتفق مع قرار مجلس الامن 1559 (2004)، بينما حبذ آخرون استعراضها في اطار اتفاق الطائف. وكان ينظر على نطاق واسع الى الانتخابات التشريعية المقبلة باعتبارها نقطة تحول، وبدا ظاهراً للجميع ان الاطراف تتأهب لمواجهة حاسمة. وإلى ان تم التمديد للسيد لحود، كانت المعارضة تتألف بصورة رئيسية من السياسيين المسيحيين والفئات المسيحية، وكان قرار كتلة السيد جنبلاط بالانضمام الى صفوف المعارضة تطوراً رئيسياً لأنه وسّع نطاق ائتلاف المعارضة بما يتجاوز الانقسامات الطائفية، ولا سيما في ضوء التحالف التقليدي للسيد جنبلاط مع سوريا. وأضافت استقالة السيد الحريري مزيداً من القوة للمعارضة حيث جلبت اليها الطائفة السنية الكبيرة ذات النفوذ.
13 ـ وفي 2 تشرين الاول/اكتوبر، نجا الوزير السابق مروان حمادة من موت محقّق عندما انفجرت قنبلة قرب سيارته. وقد قتل حارسه في الانفجار. وأطلقت محاولة اغتيال السيد حمادة امواج الصدمة في شتى انحاء لبنان، وزادت عملية الاستقطاب الجارية. ولم يتم تحديد هوية مرتكبي محاولة الاغتيال، ويسود اعتقاد عام بأن ذلك لن يتحقق ابداً، وخيّم جو مشحون على المسرح اللبناني شعر فيه "كل فرد بأنه يتعرض للتهديد"، حسبما ذكره كثيرون من مسؤولي الامن للبعثة، وقالت طائفة متنوعة من الناس، داخل لبنان وخارجه، للبعثة إن السيد الحريري والسيد جنبلاط كانا يخشيان على حياتهما واعتبرا محاولة اغتيال السيد حمادة جزءاً من صراع القوى المستمر مع القيادة السورية.
14 ـ وفي وسط التوتر الشديد، استمر توطيد ائتلاف المعارضة والتحضير للانتخابات التشريعية المقبلة. وجرت اتصالات ومفاوضات بين السيد جنبلاط والسيد الحريري، مع الزعيم الماروني المنفي السيد ميشيل عون. وبحلول نهاية كانون الثاني/يناير 2005، كانت هناك كتلة منيعة من القوى تبرز في لبنان تضم معاً لاول مرة، ممثلين لجميع الطوائف السياسية والدينية تقريباً، باستثناء ملحوظ يتعلق بالمجموعتين الشيعيتين امل وحزب الله، وكانت كتلة القوى هذه مستقلة عن النفوذ السوري، ان لم تكن معادية له، وبدت واثقة من الفوز بأغلبية واضحة في الانتخابات المقبلة. وكانت تتمتع ايضا بتأييد الجهات الفاعلة الرئيسية في المجتمع الدولي، كما بدت واثقة من قدرتها على اجبار الجمهورية العربية السورية على تنفيذ التزامها المعلق، بموجب اتفاق الطائف و/أو قرار مجلس الامن 1559 (2004)، وفي مركز كتلة القوى هذه، وقف الرجل الذي ينظر اليه باعتباره مهندسها وهو: رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وفي 14 شباط/فبراير اغتيل هذا الرجل.
15 ـ ومن الجلي ان اغتيال السيد الحريري حدث على خلفية صراع القوى بينه وبين الجمهورية العربية السورية، بصرف النظر عمن نفذ الاغتيال او الغرض من تنفيذه. ومع ذلك، فمن المهم ألا يغيب عن البال، ان التحقيق السليم وحده ـ لا التحليل السياسي ـ هو الذي يمكن ان يؤدي الى تحديد هوية الذين امروا وخططوا ونفذوا هذه الجريمة النكراء، فالقفز الى الاستنتاجات بشأن مرتكبي عملية الاغتيال دون اجراء تحقيق سليم ودون ادلة مقنعة ومحاكمة سليمة، يعد انتهاكاً للمبادئ الأساسية للعدالة.
الخلفية الامنية
16 ـ وُصف السيد الحريري بالاجماع للبعثة بانه "أهم شخصية في الحياة العامة اللبنانية" ولذلك يستدعي اغتياله سؤالاً بشؤن مستوى الحماية الذي كفله له جهاز الامن اللبناني، ويتألف جهاز الامن اللبناني من وكالات متعددة، وتشغل المخابرات العسكرية مركزاً رئيسياً في هذا التشكيل، فهي تغطي مجالات الامن القومي، ومكافحة التجسس، ومكافحة الارهاب، ومكافحة الشغب. وهي تشمل ايضا ادارة للتنصت. ويشمل "الأمن العام" مجالات تتصل بالاجانب، وجوازات السفر، والحدود، بالاضافة الى المواضيع الامنية التي لها اساس سياسي. وتشمل "قوى الامن الداخلي" كلاً من قوة الشرطة وادارة جمع المعلومات، ويعد "امن الدولة" مسؤولاً اسمياً عن المواضيع الامنية التي لها اساس سياسي. ويكلف الحرس الجمهوري بحماية الرئيس في اطار السلطة العامة لقائد الجيش. وتحتفظ المخابرات العسكرية السورية بفرع لها في لبنان وتتبعها مكاتب في اماكن مختلفة بما في ذلك في بيروت. وخلافا للتأكيدات التي قدمها رئيسها للبعثة، تقودنا الادلة والشهادات المتطابقة الى الاعتقاد بدون اي قدر معقول من الشك ان هذا الفرع لعب دوراً رئيسياً في الحياة السياسية في لبنان، وشارك مشاركة نشطة في ادارة شؤون الامن في لبنان، ان لم يكن قد اشرف عليها مباشرة.
17 ـ وطبقاً للقواعد والانظمة الحالية، تقوم هذه الاجهزة المختلفة بالتنسيق مع بعضها البعض، وكلها اعضاء في مجلس الامن المركزي، الذي يجتمع مرة كل شهر برئاسة وزير الداخلية، غير ان مصادر كثيرة، بمن فيهم مسؤولو الامن، ووزراء، ورؤساء سابقون افادوا البعثة أن الممارسة تتبع نمطاً مختلفاً. فبادئ ذي بدء، ينعدم التنسيق تقريباً فيما بين الاجهزة: والمجلس المذكور شكلي اكثر من كونه آلية للتنسيق. وثانياً، تتبع قنوات الابلاغ الولاءات الشخصية والسياسية اكثر من اتباعها الترتيبات الدستورية. ويقوم رؤساء الاجهزة الامنية بابلاغ المعلومات الأساسية الى "من عينوهم، ومن يكنون لهم الولاء"، ويخصون مجلس الامن المركزي بالشكليات والمواضيع قليلة القيمة فقط. وبالاضافة الى ذلك، هناك نقص شديد في الاشراف/أو المراجعة القضائية لاعمال اجهزة الامن. فعلى سبيل المثال، تتمتع ادارتا "التنصت"، و"المخابرات العسكرية" بـ "تفويض دائم"، لاعتراض اية اتصالات تعتبرها الادارة مهمة، ويتم ذلك بموافقة رئيس الادارة وحده ودون اي نوع من الاشراف او المراجعة الخارجيين. وبالمثل، يبدو ان هناك النزر اليسير جدا من المساءلة، ان كانت هناك مساءلة بالمرة، عدا ما تفرضه الولاءات غير الرسمية والخارجة عن النطاق الدستوري.
18 ـ ويفسر هذا التشكيل جزئياً عدم ثقة الشعب اللبناني بأجهزته الامنية. فبدون استثناء تقريبا، اعرب جميع من تكلموا مع البعثة، بمن فيهم بعض مسؤولي الامن، عن شكوكهم في قدرة و/أو استعداد الاجهزة الامنية لتوفير الامن للشخصيات السياسية المعرضة للتهديد. ولئن اتهم بعضهم الجهاز الامني بالمشاركة في تهديد السياسيين صراحة، قال آخرون ان الثقافة الغالبة تتمثل في ان يتوقع السياسيون توفير الحماية لأنفسهم بوسائلهم الخاصة، حيث ان اجهزة الامن، على احسن الفروض، لا تتوافر لها الهيبة الكافية لتوفير الحماية لمن يتعرضون للتهديد. وأشار كثيرون ان لبنان شهد عدداً كبيراً من الاغتيالات السياسية على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وأن كثيراً منها بقي دون حل حتى الان.
19 ـ وبعد اجراء مناقشات مع كثير من مسؤولي الامن بمن فيهم رؤساء المخابرات العسكرية، وادارتا "القوات الخاصة ومكافحة الارهاب"، و"التنصت" في المخابرات العسكرية، والامن العام، وقوى الامن الداخلي، والحرس الجمهوري، خلصت البعثة الى ان جهاز الامن اللبناني فشل فشلاً ذريعاً في التنبؤ باغتيال السيد الحريري ومنع وقوع ذلك الاغتيال. وبالرغم من الاشاعات التي راجت على نطاق واسع بشأن التهديدات بالايذاء الجسدي للسيد الحريري و/أو السيد جنبلاط، بما في ذلك احتمال اغتيالهما و/أو اغتيال افراد من اسرتيهما، وبالرغم من محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حماده، لم يتخذ اي من اجهزة الامن تدابير اضافية لحاية اي منهما.
20 ـ ونفت كل اجهزة الامن ورود اي معلومات لها عن اي تهديد او احتمال بتهديد السيد الحريري او السيد جنبلاط، أو أي من افراد اسرتيهما. ورغم ذلك، فان كل شخص آخر خارج اجهزة الامن، ممن تكلموا مع البعثة، بدا على علم بهذه التهديدات. وبالاضافة الى ذلك، ورغم التوتر الشديد المسلم به، لم يُعد اي من وكالات الامن "ملف تقييم" لأمن السيد الحريري "اهم شخصية سياسية في لبنان"، ولم يقترح اي من اجهزة الامن رفع مستوى الحماية المكفولة للسيد الحريري، او نصح بذلك او حاوله. بل على النقيض من ذلك، خفض فريق الحماية الذي خصصته قوى الامن الداخلي للسيد الحريري، من حوالي اربعين فرداً الى ثمانية افراد عقب تركه منصبه بقليل. ورغم ان هذا التخفيض يتفق مع الانظمة، الا انه شكل اهمالاً صارخاً للظروف الخاصة القائمة، وفي اللحظة التي اغتيل فيها السيد الحريري، كان يتولى حمايته بالكامل تقريباً فريق الامن التابع له.
21 ـ وعندما ناقشت البعثة هذا الامر مع مسؤولي الامن اللبنانيين، زعم كثير منهم بأن "المنع" مفهوم غريب بالنسبة لادارة الامن في لبنان. وهذا الزعم غير مقبول، فالمنع جزء لا يتجزأ ومهم في اي نظام امني عملي. واضافة الى ذلك، فان هذا الزعم غير صحيح ايضاً: فقد ابلغنا الحرس الجمهوري انهم يحتفظون بـ "ملف تقييم" دوري لأمن الرئيس، وان ذلك يشمل تقييم مستوى التهديد والخطر الماثل بالنسبة له استناداً الى تحليلهم للحالة السياسية، والاشاعات، والحالة الامنية بصفة عامة. والمفترض ان يكون اي جهاز امني عملي وموثوق ومحترف قد قام بإعداد ومتابعة واستكمال ملف تقييم مماثل لأمن "أهم شخصية سياسية في لبنان".
22 ـ واستناداً الى ما ذكر أعلاه، ترى البعثة أن جهاز الأمن اللبناني أخفق في توفير الحماية السليمة للسيد الحريري ومن ثم، أتاح المجال المناسب لاغتياله.
باء ـ الملابسات
23 ـ في سياق قيام البعثة بجمع الحقائق المتصلة بالملابسات، حددت التحركات الأخيرة التي قام بها السيد الحريري قبل وقوع الاغتيال مباشرة، وقررت مصدر الانفجار ونوع المتفجرات المستخدمة ووزنها، واستعرضت طرائق التحقيق التي طبقتها السلطات اللبنانية استناداً الى المعايير الدولية المقبولة. وتضمن استعراض التحقيق المجالات ذات الأهمية الحاسمة المتعلقة بالسيطرة على مسرح الجريمة، والتحفظ على الأدلة، والتحقيق في ادعاء المسؤولية عن الهجوم الذي أذاعته شبكة تليفزيون الجزيرة، والتحقيق بشأن المشتبه به بالتفجير، والتحقيق بخصوص المركبة المشتبه باستخدامها، وتعليقات عامة عن مدى سلامة التحقيق.
آخر التحركات
التي قام بها السيد الحريري
24 ـ في يوم الاثنين الموافق 14 شباط/فبراير 2005 نحو الساعة 30/12، غادر السيد الحريري مبنى البرلمان بوسط بيروت وسار زهاء سبعين متراً متجهاً الى مقهى (بلاس دي ليتوال) في ساحة النجمة حيث التقى عدداً من الأشخاص. ونحو الساعة 50/12 غادر المقهى بصحبة باسل فليحان، الوزير السابق وعضو البرلمان. وتألف الموكب الأمني المصاحب له من ست مركبات، الأولى سيارة جيب يستقلها أربعة من رجال الشرطة المحلية (مركبة المقدمة)، والثانية سيارة مرسيدس سوداء اللون يستقلها ثلاثة من رجال الحرس الخاص، والثالثة سيارة مرسيدس سوداء اللون مدرعة يقودها السيد الحريري وبصحبته السيد فليحان، والرابعة سيارة مرسيدس سوداء اللون يستقلها ثلاثة من رجال الحرس الخاص، والخامسة سيارة مرسيدس سوداء اللون يستقلها ثلاثة من رجال الحرس الخاص، والسادسة سيارة جيب سوداء (سيارة إسعاف) في مؤخرة الموكب يستقلها ثلاثة من رجال الحرس الخاص. وكانت ثلاث من سيارات المرسيدس مزودة بأجهزة عالية القدرة للتشويش على الإشارات اللاسلكية (4 غيغا هيرتز)، كانت تعمل وقت الرحلة الأخيرة. وكانت جميع المركبات مزودة بأسلحة نارية، كما كان جميع رجال الحرس الخاص مدربين.
25 ـ ولم تفد سيارة المقدمة بالمسار المختار إلا لدى مغادرة السيد الحريري المقهى. وغادر الموكب ساحة النجمة وتحرك عبر شارع الأحدب متجهاً الى شارع فوش. وعند تقاطع شارع فوش وشارع الميناء دار الموكب الى اليسار وسار عبر طريق الساحل متجهاً الى عين المريسة وفندق سان جورج.
26 ـ وفي تمام الساعة 26:56/12 كان موكب السيد الحريري يمر مباشرة أمام فندق سان جورج، وهو طريق لم يمر به الموكب سوى ست مرات خلال فترة الأشهر الثلاثة السابقة. ثم وقع انفجار كبير أسفر عن مصرع السيد الحريري وسبعة من رجال حرسه الخاص واثني عشر مدنياً آخرين قرب موقع الحادث مباشرة. ونقل السيد الحريري الى مستشفى الجامعة الأميركية حيث تعرف على جثمانه طبيبه الخاص والطبيب الشرعي الذي عينته الحكومة. وأمكن تحديد هويته بعلامات على جسده، وبالأشعة السينية، وسجلات الأسنان. وكان سبب الوفاة إصابة مباشرة بالمخ أسفرت عن سكتة قلبية.
الانفجار
27 ـ عاينت البعثة موقع الانفجار وحللته وأجرت به عدة اختبارات على مدار فترة سبعة أيام. ويستند رأيها في طبيعة الانفجار ونوعه الى تفسير خبرائها لأربعة عناصر أساسية هي: (أ) مدى تشتت الشظايا الناجمة عن الانفجار وحجمها وشكلها، (ب) حجم وشكل الحفرة التي أحدثها الانفجار، (ج) تفسير حركة المقذوفات، (د) تفسيرات للأضرار التي لحقت بالمباني الواقعة بمنطقة الانفجار وحولها.
28 ـ ويقدم تحليل الشظايا الناجمة عن الانفجار وشكل وهيئة الحفرة مؤشرات تعضد بنفس القدر افتراضَيْ حدوث انفجار فوق سطح الأرض أو تحت سطح الأرض. بيد أن تحليل الأضرار التي لحقت بالمباني في مسرح الجريمة وحولها يوحي بوقوع انفجار فوق سطح الأرض. ويعطي الدليل الذي وجد على عدد من الشظايا المعدنية التي تعرضت للتسامي الحراري مؤشراً واضحاً على استخدام شحنة شديدة الانفجار، كما أن عثور خبراء البعثة على دليل للتسامي الحراري على شظايا المركبات وشظايا حوامل الحاجز المعدني الموضوع أمام فندق سان جورج يؤيد افتراض وقوع الانفجار فوق سطح الأرض. وتشير الشظايا المعدنية التي وجدت ملتصقة على جوانب السيارات الى انفجار مركبة ثقيلة وتشتت تلك الشظايا في ذلك الاتجاه.
29 ـ لكن الكثير من المؤشرات التي تشير الى حدوث الانفجار تحت سطح الأرض، ومن بينها، شظايا أسفلت الطريق والبالوعات والمؤشرات الأخرى التي وجدت في أدوار عليا بفندق سان جورج والأثر المنعكس على أسطح المركبات والأضرار التي لحقت بالأدوار العليا من المباني المجاورة، لا يتنافى مع إمكانية حدوث انفجار كبير فوق سطح الأرض.
30 ـ وبعد إجراء جميع التحليلات والمناقشات بشأن ما جمع من عينات، خلص خبراء البعثة الى نتيجة مفادها أنه من المرجح وقوع الانفجار فوق سطح الأرض، وأن المادة المستخدمة في الانفجار هي مادة التراينيتروتولوين (تي.إن.تي.) بزنة نحو 1000 كيلوغرام.
مسرح الجريمة
31 ـ يقع مسرح الجريمة في عين المريسة بمدينة بيروت، خارج فندق سان جورج. وفور وقوع الانفجار عمت الفوضى. ووصل الى الموقع عدد من خدمات الطوارئ التابعة لعدة هيئات، فضلاً عن أفراد تابعين لوسائط الإعلام، ومئات من المارة ومن سكان بيروت لتقديم المساعدة ومشاهدة ما حدث. وبدأ على الفور تقريباً نقل القتلى والجرحى. وقدم جانب كبير من الخدمة الأولية بشكل غير رسمي على يد من وصلوا الى المكان قبل وصول خدمات الطوارئ.
32 ـ وفور وقوع الانفجار يوم 14 شباط/فبراير، دخل التحقيق في الجريمة في اختصاص المحكمة العسكرية. واضطلع القاضي رشيد مزهر، وهو قاضي تلك المحكمة، بالمسؤولية العامة عن متابعة الجريمة والتحقيق فيها، بما يشمل قيام السلطات المحلية المختصة بحراسة مسرح الجريمة والتحفظ على الأدلة وجمعها. وحيث إن القضية تنطوي على عمل يمس بأمن الدولة، أحيلت الى المجلس القضائي تنفيذاً للتشريع الوطني ذي الصلة، وفي 21 شباط/فبراير عين القاضي ميشيل أبو عراج، كبير قضاة المحكمة الجنائية، كقاض للتحقيق بدلاً من القاضي مزهر.
33 ـ واتضح من البداية عدم تنفيذ أبسط المهام الأساسية المرتبطة بهذه المسؤولية، عندما كشف النقاب عما يلي:
(أ) اتضح أن جثة أحد الأشخاص التي استخرجت في 15 شباط/فبراير 2005، ظل صاحبها على قيد الحياة قرابة 12 ساعة بعد وقوع الانفجار،
(ب) عثر مصادفة على جثة وجرى استخراجها في 22 شباط/فبراير 2005،
(ج) عثرت إحدى الأسر على جثة أحد أفرادها وجرى استخراجها في 1 آذار/مارس 2005،
(د) أفيد عن شخص مفقود يعتقد أنه ما زال بمسرح الانفجار.
التحفظ على الأدلة
34 ـ إن التحفظ على الأدلة، على الرغم من حيويته لنجاح أي تحقيق، يأتي في المرتبة الثانية بعد إنقاذ الأرواح واستخراج الجثث. وفي هذه القضية، مثلها في ذلك مثل أي حالة من حالات الطوارئ الرئيسية، لم يكن الشاغل الأساسي لدى أفراد خدمات الطوارئ الذين وصلوا لتقديم المساعدة هو المحافظة على حالة المكان. بيد أن أجهزة الأمن كان ينبغي، بعد انتهاء ما حدث من فوضى في البداية ونقل القتلى والجرحى، أن تقوم، بتوجيه ورقابة من قاضي التحقيق رشيد مزهر بإبعاد الناس عن المنطقة والحيلولة دون دخول أي شخص آخر الى الموقع دون إذن، وأن تقوم بعد إجراء بحث مكثف في المنطقة لكفالة استخراج جميع القتلى والجرحى، بتأمين الموقع تأميناً كافياً يضمن التحفظ على جميع الأدلة المتاحة. وقد أخفقت السلطات التي تولت تلك المهمة في القيام بذلك.
35 ـ كما حددت البعثة أيضاً جوانب القصور التالية:
(أ) في 14 شباط/فبراير 2005، وقبيل منتصف الليل رفعت المركبات الست التي كانت تشكل موكب السيد الحريري وسيارة طراز بي إم دبليو (من غير مركبات الموكب) من مكان الانفجار ونقلت الى ثكنات شرطة حلو بمدينة بيروت. وعلى الرغم من تغطية المركبات بعد رفعها، فإنها ما زالت غائبة الى الآن عن المكان الذي كان كل منها كائناً فيه بموقع الانفجار، مما يحول دون إجراء تحليل للمقذوفات، وتحليل للمتفجرات، وجمع الأدلة بالمكان،
(ب) تدخل أفراد القوات المسلحة والشرطة والمخابرات اللبنانيون، بمن فيهم خبراء المتفجرات، في البحث عن مواد قد يكون لها قيمة كأدلة، وقاموا برفعها دون توثيق أنشطتهم أو الإبلاغ عنها أو موازنتها على النحو الملائم،
(ج) فضلاً عن السماح في البداية بدخول وسائط الإعلام الى الموقع فور وقوع الانفجار، سمح القاضي مزهر رسمياً لوسائط الإعلام بدخول الموقع في 15 شباط/فبراير بعد قيام أجهزة الأمن بتأمين المكان.
(د) غمر موقع الانفجار (الحفرة الناتجة عنه) بالمياه في الأيام التي أعقبت الانفجار بعد أن أخفقت السلطات والشرطة المحلية في وقف تدفق المياه من المواسير المكسورة بالمكان وتسربها الى الحفرة، مما أدى الى الإضرار بأدلة حيوية أو حتى إزالتها.
(هـ) أحضر أفراد أجهزة الأمن الى المكان أجزاء من شاحنة بيك آب، بعد مرور بعض الوقت على الحادث، ووضعوها في الحفرة وصورت بعدئذ ووصفت بأنها من الأدلة.
(و) لاحظت البعثة حتى 6 آذار/مارس 2005 وجود عدد كبير من الأفراد يرتدون زياً رسمياً ومن أشخاص في ملابس مدنية يجوبون المنطقة المحيطة بالمكان، ولم يكن هناك سجل بين الأشخاص الداخلين الى المكان أو الخارجين منه، أو رقابة على رفع المواد/العينات من المكان أو وضعها فيه.
(ز) خلال اجتماع مع فريق الإدارة العليا المحلي للتحقيقات عقد في 8 آذار/ مارس 2005، طلب أعضاء البعثة تقريراً تتبعياً عن العناصر ذات الصلة بمسرح الجريمة، أي من دخله من الأفراد، وما جمع فيه من أدلة، وما أخذ من مستندات، وما أجري من اختبارات، والسيطرة العامة على مسرح الجريمة. وفي 15 آذار/مارس 2005، أبلغت البعثة أن ذلك التقرير لا وجود له ولا يمكن تقديمه.
(ح) ثمة أدلة قوية توحي بأن قضاة التحقيق لم يكن لديهم سيطرة على مجريات التحقيق.
(ط) دخلت أجهزة المخابرات/الأجهزة الحكومية الموقع، فيما يبدو، بدون إذن قضائي وأخفقت فيما بعد في تنسيق ما تم التوصل اليه من نتائج.
36 ـ ولذلك، ترى البعثة أن السيطرة على مسرح الجريمة أو المحافظة عليه لم تجر على الوجه الملائم، مما نجم عنه رفع أو تدمير أدلة مهمة دون تسجيل. وينبغي مساءلة المسؤولين عن ما حدث من سوء إدارة.
الإعلان الذي أذاعته شبكة
تلفزيون الجزيرة
37 ـ نحو الساعة 30/13 من يوم 14 شباط/فبراير 2005، تلقى مدير مكتب الجزيرة وكبير مراسليها ببيروت مكالمة هاتفية من رجل وصف بأنه لا يجيد العربية، أو ربما يتظاهر بأنه لا يجيدها. وصرح صاحب المكالمة بأن "جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام تعلن مسؤوليتها عن إعدام العميل رفيق الحريري، باسم المقهورين، جماعة النصرة والجهاد". وقد أذاعت الجزيرة هذا البيان نحو الساعة 00/14. ونحو الساعة 25:19/14، اتصل رجل آخر بمحطة تليفزيون الجزيرة هاتفياً وتكلم "بلغة عربية متقنة" وقال إن هناك شريطاً يمكن العثور عليه بشجرة قرب مبنى مقر الأمم المتحدة ببيروت. فصدرت التعليمات الى أحد العاملين بالجزيرة لكي يتوجه الى الموقع، لكنه لم يتمكن من العثور على الشريط التليفزيوني. ثم أرسل موظف آخر من العاملين بالجزيرة لإحضار الشريط التليفزيوني وأمكنه العثور عليه وسلم بعد ذلك الى مدير المكتب. وفي الساعة 37:27/15 تلقت محطة تليفزيون الجزيرة مكالمة هاتفية ثالثة سأل خلالها صوت رجل آخر عن سبب عدم إذاعة الشريط. وأبلغ مدير المكتب المتكلم بعدم إمكان إذاعة الشريط إلا بعد صدور قرار بذلك من مقر الجزيرة في قطر. فوجه المتكلم، الذي بدأ وقتئذ في الصياح، تهديداً الى المدير بأنه سيندم إن لم يذع الشريط. وفي الساعة 35:04/17، تلقت محطة تلفزيون الجزيرة مكالمة هاتفية أخيرة سأل فيها نفس الرجل، الذي كان يتكلم بغضب شديد، مدير المكتب عما إذا كان الشريط سيذاع أم لا. وطلب المدير من المتكلم الانتظار على الهاتف، ثم صدر قرار بإذاعة الشريط وأُبلغ المتكلم بأن عليه مشاهدة التلفزيون. وأظهر الشريط المسجل الذي أذاعته شبكة الجزيرة، شاباً ملتحياً يعلن المسؤولية عن اغتيال السيد الحريري باسم "جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام". وذُكر ان اسم الشخص الذي ظهر بالتسجيل هو أحمد أبو عدس، من سكان بيروت، وعمره 22 عاماً.
38 ـ وفي نفس تاريخ 14 شباط/ فبراير 2005، تلقت مستشارة تعمل لدى وكالة رويترز للأنباء اتصالاً هاتفياً في الساعة 25:11/14، من رجل وصفته بأنه يتكلم بلهجة لبنانية لكنه "ينتحل لهجة فلسطينية". وذكرت أن المتكلم كان يصيح بصوت آمر ويقول "اكتبي، ولا تتكلمي"، "اننا، نحن جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام، قد أنزلنا بالكافر رفيق الحريري في هذا اليوم العقاب الواجب حتى يكون عبرة لأمثاله". وبناء على تعليمات من موظف في رويترز، لم تنشر محتويات هذا الاتصال الهاتفي نظراً لعدم إمكانية التأكد من موثوقيته.
39 ـ ومن بين الاتصالات الهاتفية الخمسة التي تلقتها الجزيرة ورويترز، جرى إثبات موقع/مصدر أربعة منها. وكانت كل المواقع التي تعرفت عليها الشرطة هواتف عامة في مدينة بيروت. وكان تحديد مكان وجود شريط الفيديو من قبل شخص أو أشخاص لهم علاقة بقتل السيد الحريري يتيح لقوات الأمن وسيلة مهمة للتحقيق. بيد أن سلطت التحقيق لم تقم بشيء يذكر لتحري هذا الجانب. ولم يجر التحقيق مطلقاً في دوائر تلفزيونية مغلقة في موقعين حساسين تبينهما أعضاء البعثة، ولم يُستجوب الشهود الذين حددتهم البعثة ممن يعملون في المنطقة كما لم يُضطلع بأبسط إجراءات التحقيق. وقد أبدى المسؤولون عن هذا العنصر من التحقيق إهمالاً فادحاً.
المشتبه به
40 ـ وُلد السيد أبو عدس الفلسطيني الأصل، في مدينة جدة (المملكة العربية السعودية) يوم 29آب/أغسطس 1982، وجاء الى لبنان مع أسرته في عام 1991. وهو ابن تيسير أبو عدس ونهاد موسى نافح وله أختان تقيمان في بيروت وأخ واحد يقيم حالياً في ألمانيا.
والسيد أبو عدس عاطل عن العمل، وتبين التحقيقات انه غادر منزله الكائن في الطابق الأول من بناية الاسكندراني 6، بمنطقة الجامعة العربية في مدينة بيروت في الساعة 00/7 تقريباً من يوم 16 كانون الثاني/يناير 2005، وجرى التبليغ رسمياً عن اختفائه في يوم 19 كانون الثاني/يناير 2005.
41 ـ وأثبتت التحقيقات التي قامت بها البعثة أن السيد أبو عدس تحول منذ ثلاث سنوات تقريباً من مراهق لا مبالٍ الى متدين أصولي. وقبل شهر تقريباً من الإبلاغ عن اختفائه، أفاد أسرته بأنه التقى صديقاً جديداً في مسجد الحوري، الذي يؤم فيه المصلين أحياناً. وتوحي المعلومات المستمدة من والدة السيد أبو عدس أن "الصديق الجديد" اجرى اتصالاً هاتفياً بمنزل السيد أبو عدس في الساعة 00/21 تقريباً من يوم 15 كانون الثاني/ يناير 2005، وذكر له انه سيعرّج عليه في الساعة 00/7 من يوم 16 كانون الثاني/ يناير، وأن لديه مفاجأة للسيد أبو عدس. وزعمت الأم أن شخصاً مرّ عند الساعة 00/7 تقريباً من يوم 16 كانون الثاني/ يناير، مطلقاً نفير سيارة خارج الشقة ليلفت انتباهه، وذكرت كذلك أن السيد أبو عدس الذي كان مستيقظاً بالفعل لأداء الصلاة، دعاها ليطلب منها بعض النقود وأنه لم يأخذ سوى 2000 ليرة لبنانية (دولار واحد و33 سنتاً تقريباً)، وقال انه سيتغيب بضع ساعات ليس إلا. وأضافت أن السيد أبو عدس طلب منها أن تعتذر لصديق آخر كان على موعد معه في ذلك التاريخ.
42 ـ وفي 14 شباط/فبراير 2005، كانت أسرة أبو عدس تشاهد التلفزيون عندما أذاعت الجزيرة شريط فيديو يظهر فيه السيد أبو عدس وهو يتبنى المسؤولية عن قتل السيد الحريري باسم جماعة "النصرة والجهاد في بلاد الشام". وفي الساعة 30/20 تقريباً من يوم 14 شباط/فبراير، سلم الاب والام والاخت الصغرى أنفسهم الى الشرطة حيث تم القبض على الثلاثة جميعاً في ذلك الوقت. واحتجز الأبوان لمدى سبعة أيام تقريباً، لكن أفرج عن الاخت بعد اليوم الثاني. وشمل التحقيق في شأن السيد أبو عدس القبض على الأسرة واستجوابها، واستجواب الأصدقاء، وفحص سجلات الهاتف، وتفتيش منزل الوالدين الذي كان يقيم فيه السيد أبو عدس ايضاً. وتُبين المعلومات المستمدة من التحقيق أن السيد أبو عدس كان يحتفظ بحاسوب في منزله صودر في إطار التحقيق. وكان من بين الأشياء التي جرت مصادرتها 11 شريط فيديو، و55 قرصاً مدمجاً، وقرص مرن واحد، ومحرك صلب حاسوبي. وفيما عدا المعلومات/البيانات التخريبية التي زُعم العثور عليها في المحرك الصلب، لا يوجد ما يدل دلالة تذكر على أن أحمد أبو عدس كانت له ميول تخريبية أو عنيفة.
43 ـ وقد أظهر التحقيق في هذا الجانب من الجريمة العيوب التالية:
(أ) أكد الضباط الذين يقودون التحقيق للبعثة أن السيد أبو عدس كانت لديه إمكانية الوصول الى الانترنت من منزله، وأن المعلومات المتضمنة في المحرك الصلب بالحاسوب نُزلت مباشرة في الحاسوب في منزل السيد أبو عدس. وأثبتت التحقيقات التي أجرتها البعثة انه لم تكن لديه إمكانية الوصول الى الانترنت من منزله ولا يمكن أن يكون قد دخل المواقع المشار اليها من حاسوبه الشخصي. وتدل التحقيقات التي أجرتها البعثة على أن سلطات الأمن القائمة بالتحقيق لم تقم بفحص أو تحري مقاهي الانترنت المحلية لتحديد مصدر البيانات المزعومة التي عثر عليها في حاسوب السيد أبو عدس.
(ب) لا يوجد دليل كافٍ لتأييد نظرية أن السيد أبو عدس كانت له ميول قتالية/متطرفة.
(ج) ليس هناك حجج تدل على أن السيد أبو عدس خطط للمغادرة، أو تفيد بأنه لن يعود، في الوقت الذي غادر فيه المنزل يوم 16 كانون الثاني/يناير 2005.
(د) لا تتوافر استخبارات بشأن وجود جماعة "النصرة والجهاد في بلاد الشام" قبل الانفجار أو بعده.
(هـ) أن تنفيذ هذا الاغتيال يتطلب الحصول على قدر كبير من التمويل والدقة العسكرية، وقدر هائل من الدعم اللوجيستي وهو أكبر من أن يقدر عليه شخص بمفرده أو جماعة إرهابية صغيرة. وليس ثمة من الأدلة ما يوحي بأن السيد أبو عدس يمكن أن تتوافر له القدرة على التخطيط لهذا الاغتيال والقيام بتنفيذه بنفسه، أو أن بحوزته القدرة المالية اللازمة.
المركبة المشتبه بها
44 ـ يقع فرع تابع لمصرف HSBC على مقربة من موقع الانفجار. ويُشغّل المصرف نظاماً أمنياً خاصاً مزوداً بدائرة تلفزيونية مغلقة سجلت تحركات موكب السيد الحريري قبيل الانفجار مباشرة، لكنها لم تسجل الأحداث التي جرت في مسرح الانفجار ذاته. وقد حصل عدد من أجهزة الأمن اللبنانية على نسخ من تسجيلات الدائرة المغلقة بعد فترة من بدء التحقيق. ويُظهر الفحص الدقيق للتسجيل شاحنة صغيرة بيضاء تدخل الى منطقة الانفجار قبل فترة وجيزة من موكب السيد الحريري. ويبين التسجيل بوضوح أن تلك الشاحنة كانت تسير بسرعة تقل ست مرات تقريباً عن سرعة جميع المركبات الاخرى التي كانت تعبر نفس الجانب من الطريق. ويُظهر تحليل التسجيل بحسب التسلسل الزمني، أن سيارة عادية تستغرق ما بين 3 و4 ثوان لقطع مسافة الطريق التي تغطيها الكاميرا التي تتراوح بين 50 و60 متراً، بينما تستغرق شاحنة كبيرة ما بين 5 و6 ثوان لعبور نفس المسافة. أما الشاحنة الصغيرة البيضاء المشتبه بها فاستغرقت 22 ثانية تقريباً لقطع المسافة، ودخلت منطقة الانفجار قبل دقيقة واحدة و49 ثانية قبل موكب الحريري. ويقدر انه لو أن الشاحنة الصغيرة واصلت سيرها بنفس السرعة، فإنها ستصل الى مركز الانفجار قبل دقيقة واحدة و9 ثوان بالضبط قبل موكب الحريري. ويقدر انه لو أن الشاحنة الصغيرة واصلت رحلتها بنفس السرعة دون توقف، فإنها ستتأثر رغم ذلك بقوة الانفجار وستكون على الأرجح قد بقيت في موقع الحادث بعد الانفجار. ولكي تتفادى تلك الشاحنة الصغيرة الانفجار، فإن عليها أن تزيد سرعتها بدرجة كبيرة مباشرة بعد خروجها من نطاق المسافة التي تغطيها كاميرا الدائرة التلفزيونية المغلقة للمصرف. غير انه لا توجد أدلة تؤيد هذا التحليل.
45 ـ واعتبر ضباط التحقيق اللبنانيون أن وجود هذه الشاحنة الصغيرة وتصرفها المشبوه مسألة تفسح المجال أمام أحد سبل التحقيق الرئيسية/الحاسمة. وحددوا المركبة المشتبه فيها بأنها شاحنة صغيرة من طراز ميتسوبيتشي كانتير (طراز 1995 ـ 1996 احتمالاً). وركزت التحقيقات التي أجرتها قوات الأمن اللبنانية بصورة مهيمنة على تحديد المالك الفعلي للشاحنة من خلال السعي الى تتبع تاريخ ملكيتها في ضوء سجلات رخص المركبات، وعمليات مراقبة الحدود، وسجلات الصنع أو الباعة. وأُدعي أن قوات الأمن عثرت، خلال عمليات التفتيش على الأدلة في موقع الانفجار على قطع من شاحنة صغيرة تضاهي المركبة المشبوهة، وتحمل آثاراً تدل على كونها ضالعة في انفجار. وادعي ايضاً أن الشرطة عثرت على ما يزيد على 21 قطعة من تلك الشاحنة المشبوهة داخل منطقة الانفجار وحولها. ويتركز التوجه الرئيسي لتحقيقات قوات الأمن على هذا السبيل الوحيد في التحقيق. وقد استنتجت البعثة أن هذه الشاحنة، بشكلها الذي شوهد في الدائرة التلفزيونية المغلقة للمصرف كانت موجودة فعلاً وكانت في موقع الحادث كما ذكر، قبيل الانفجار الذي أدوى بحياة السيد الحريري. وتقبل البعثة أيضاً النظرية القائلة بتورط تلك الشاحنة في عملية الاغتيال كنظرية موثوقة تتطلب تحقيقاً كاملاً ومستفيضاً. وقد استرجعت قوات الأمن اللبنانية قطعاً صغيرة من شاحنة طراز ميتسوبيتشي من حفرة الانفجار ومن المنطقة المحيطة بها. واسترجعت قطعاً صغيرة من شاحنة طراز ميتسوبيتشي من البحر القريب من الانفجار. والتقطت البعثة قطعة معدنية من حفرة الانفجار مشابهة لنوع المعدن المستخدم في أجزاء الشاحنات، وتحمل آثاراً تؤيد النظرية القائلة بوقوع انفجار سطحي/فوق الأرض.
46 ـ على أن التحقيق في هذا الجانب من القضية لم يكن كاملاً ولا مستفيضاً، وترى البعثة أنه جرى تقويضه بصورة خطيرة وجوهرية بسبب قيام، أو عدم قيام، قوات الأمن بأعمال في الميدان، وذلك على النحو المبين فيما يلي:
(أ) لم تقم قوات الأمن، بعد مضي فترة تصل الى الشهر تقريباً على عملية الاغتيال، ببذل أي مسعى يذكر أو لم تسعَ البتة الى تحديد تحركات تلك الشاحنة المشبوهة قبيل الانفجار أو بعد وقوعه مباشرة. فقد كان بوسع هذا الجانب من التحقيق أن يكشف أدلة حيوية تشمل الهوية المحتملة للجاني أو الجناة، ومكان وقوف الشاحنة قبل وقوع الانفجار مباشرة، وتحديد ما إذا كانت الشاحنة قد واصلت رحلتها ولم يكن لها ضلوع في عملية الاغتيال، وهو عنصر ذو أهمية حاسمة.
(ب) استنتجت البعثة انه لم يبذل جهد يذكر، أو لم يبذل أي جهد بالمرة، لتحديد ما إذا كانت الشاحنة المشبوهة قد واصلت رحلتها، وانه لم يبذل جهد يذكر، أو لم يبذل أي جهد بالمرة لتحديد مكان أي صور ملتقطة بدوائر تلفزيونية مغلقة أو التعرف على شهود كانوا مارين على الطريق بعد وقوع الانفجار.
(ج) يمكن للبعثة أن تقول وهي على يقين إن قطعاً من احدى الشاحنات جُلبت من قبل أحد أفراد قوات الأمن الى مكان الانفجار بعد فترة وجيزة من الاغتيال، ووضعت تلك القطع في الحفرة وجرى تصويرها فيها في وقت لاحق بأيدي أفراد قوات الأمن، الشيء الذي يحمل على الارتياب والتشكيك بدرجة خطيرة في التورط الفعلي لتلك الشاحنة في عملية الاغتيال، ويقوّض على نحو خطير مصداقية التوجه الرئيسي للتحقيق. وقد أصبح هذا التوجه في التحقيق معيباً بشكل جوهري، بما يثيره من مسائل تتعلق بالمصداقية وما يتيحه من مجال للطعن القانوني.
47 ـ وخلاصة القول إن الطريقة التي تم من خلالها إجراء هذا الجانب من التحقيق تنم عن درجة خطيرة من الإهمال على أقل تقدير، ويحتمل أن يكون ذلك الإهمال مصحوباً بأعمال إجرامية ينبغي أن يحاسب عليها الضالعون فيها.
التقييم العام للتحقيق
48 ـ بصرف النظر عن أوجه النقص التي سبق الإشارة اليها أعلاه، لاحظت البعثة أن عملية التحقيق اللبنانية كانت مشوبة بالعيوب التالية:
(أ) تقطُّع سبل الاتصال بشكل خطير بين كبار أفراد فريق لتحقيق التابع لسلطة الأمن المحلية.
(ب) نقص التنسيق بين فريق التحقيق التابع لسلطة الأمن وقضاة التحقيق.
(ج) نقص التركيز والمراقبة من قبل كبار المسؤولين الإداريين القائمين بالتحقيق العام في الجريمة.
(د) نقص الاحتراف المهني في التقنيات المستخدمة للتحقيق في الجريمة عموماً.
(هـ) الغياب المطلق لمعلومات الاستخبارات، وضعف أو عدم تبادل المعلومات فيما بين مختلف الأجهزة المشتركة في التحقيق.
(و) انعدام القدرات التقنية والمعدات الضرورية لإجراء مثل ذلك التحقيق.
49 ـ واستناداً الى كل ما سبق، تستنتج البعثة أنه كان ثمة غياب واضح للالتزام بإجراء تحقيق فعال في الجريمة، وان ذلك التحقيق لم يجرِ وفقاً للمعايير الدولية المقبولة. وترى البعثة أيضاً أن التحقيق المحلي تعوزه القدرة على النجاح أو الالتزام ببلوغه. كما تعوزه ثقة الناس الضرورية لقبول نتائجه.
جيم ـ العواقب
50 ـ كان لاغتيال السيد الحريري أثر كالزلزال على لبنان. وكانت الصدمة وعدم التصديق والقلق هي أكثر ردود الفعل المشتركة بين الذين تكلمنا معهم. الصدمة مما ظن كثير من الناس أنه أصبح من ممارسات الماضي حيث بدا وكأنه بسبيله للعودة، وعدم التصديق إزاء مقتل رجل اعتبره الناس شخصية "أكبر من الحياة"، والقلق من أن ينزلق لبنان عائداً الى الفوضى والمنازعات الأهلية نتيجة لهذا "الزلزال". وسرعان ما انصهرت هذه المشاعر معاً لتشكل صرخة قوية موحدة من أجل "الحقيقة". وقد ذكر كل من تكلم مع البعثة أن كشف الحقيقة حول اغتيال السيد الحريري أصبح في نظرهم أولى الأولويات، وأن السلام والهدوء في لبنان لا يمكن أن يستعادا من دون التوصل الى نتيجة مقبولة بشأن هذه الجريمة. وذكّر كثير منهم البعثة بالاغتيالات السياسية السابقة التي إما لم يحقق فيها على النحو الصحيح أو لم يؤدِ التحقيق فيها الى نتائج مقنعة. وأكد كل من اشترك معنا في الحوار أن هذا الاغتيال أكبر من أن يُسكت عليه، وأن ما وصفوه بأنه "ثقافة التخويف والاستعمال الوحشي للقوة" يجب أن يتوقف عند حد، وأن الشعب اللبناني وقادته السياسيين يستحقون العيش متحررين من الخوف والتهديد من خطر التعرض للإيذاء الجسدي.
51 ـ وكانت أسر الضحايا لا تزال بحق تشعر بثقل الصدمة عندما اجتمعت بهم البعثة. ولا تزال أسرة السيد الحريري لا تستطيع التصديق أن رجلاً نذر حياته لخدمة بلده يمكن ببساطة أن يُقضى عليه بينما تتوقف الحقيقة بشأن مقتله على تحقيق يشك في مصداقيته. أما أسر الضحايا الآخرون ـ الحراس، والعاملون في ذلك الموقع، والمارة، وكافة الذين لقوا حتفهم بالصدفة ـ فغير قادرين بعد على فهم ما حدث ولماذا. فبالنسبة لهؤلاء جميعاً، لا يؤدي الحديث عن قدرات أجهزة الأمن والتنسيق بينها، أو عن تكهنات الناس السياسية إلا الى ازدياد ألمهم. وكل ما يتوقون اليه الآن هو معرفة الحقيقة، كوسيلة لإقفال هذا الموضوع وتركهم يحزنون على موتاهم.
52 ـ لقد بيّنت أسر الضحايا وكذلك القادة السياسيون من مختلف الخلفيات السياسية والمجتمعية، بمن في ذلك الموظفون الرسميون وأعضاء الحكومة، أن تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة هو السبيل الوحيد لكشف الحقيقة حول اغتيال السيد الحريري. واتهم بعض الذين اشتركوا معنا في الحوار أجهزة الأمن اللبنانية والسورية بالتورط في الاغتيال، وتعمد إخراج التحقيق اللبناني عن مساره الصحيح بغرض التغطية على الجريمة. وأشار آخرون، من جانب الحكومة، الى ضرورة إجراء تحقيق دولي، خصوصاً لتبرئة أجهزة الأمن اللبنانية، غير أن هذه النتيجة لا يمكن أن تتحقق دون مساعدة خارجية، إذا أخذ في الاعتبار تناقص مصداقية أجهزة الأمن اللبنانية والمحققين اللبنانيين.
53 ـ وخلال إقامتنا في لبنان، كان الأشخاص العاديون يستوقفوننا في شوارع بيروت ويشكروننا على جهودنا المبذولة لكشف الحقيقة، ويحثوننا على عدم ترك هذه المسألة دون حل، ويذكروننا بأهمية تقديم المجرمين الى العدالة "من أجل لبنان". وتحمل اللافتات في شوارع بيروت كلمة واحدة بلغتين: "الحقيقة ـ The truth". وذكر لنا السياسيون، والموظفون في الحكومة على جميع المستويات، وحتى بعض مسؤولي الأمن، أن كشف الحقيقة "هذه المرة" ذو أهمية حاسمة لاستعادة السلم الأهلي في البلد، وتخفيف التوتر، وإتاحة الفرصة للبنان كي ينتقل الى الحالة السوية.
54 ـ وإضافة الى ذلك، يبدو أن اغتيال السيد الحريري قد فتح أبواب الاضطرابات السياسية التي كانت تجيش طيلة السنة الفائتة. فالاتهامات والاتهامات المضادة شائعة وتذكي حواراً سياسياً شديد الاستقطاب. والبعض يتهمون أجهزة الأمن والقيادة السورية باغتيال السيد الحريري لأنه أصبح عقبة كأداء في وجه نفوذها في لبنان. ويحتجون بأن إزالته أصبحت ضرورية بالنسبة للجمهورية العربية السورية لكي تحتفظ بسيطرتها على مؤسسة الحكم اللبنانية، لا سيما إذا اضطرت الجمهورية العربية السورية الى سحب قواتها. ويؤكد معتنقو هذه النظرية ان القيادة السورية لا تكترث إن كانت الطرف "المشتبه به بداهة" وانها في الماضي استعملت أساليب مماثلة دون اهتمام يذكر بشأن ما قد تخلف من آثار. ووفقاً لما ذكرته هذه المصادر، يمثل هذا الموقف جزءاً من نمط الجمهورية العربية السورية في مجال الإدارة القسرية للشؤون اللبنانية. ويدعي آخرون أن القيادة السورية لم تتوقع ردود فعل بهذه القوة من جانب الشعب اللبناني والمجتمع الدولي. ويرون أن قرار القضاء على السيد الحريري كان "خطأ استراتيجياً في التقدير"، لا يختلف عن الأخطاء الأخرى التي ارتكبتها الحكومة السورية.
55 ـ ويرد مؤيدو سوريا بالزعم بأن السيد الحريري اغتيل من قبل "أعداء سوريا"، أولئك الذين أرادوا أن يحدثوا ضغطاً دولياً على القيادة السورية للتعجيل في إنهاء النفوذ السوري في لبنان و/أو الشروع في سلسلة من ردود الفعل تفرض في نهاية المطاف "تغييراً في نظام الحكم" داخل الجمهورية العربية السورية نفسها. ووفقاً لمعتنقي هذه النظرية، يمثل اغتيال السيد الحريري خطأ فادحاً تنأى القيادة السورية بنفسها عنه. ولن تكون الجمهورية العربية السورية "المشتبه به بداهة" فحسب، بل ستكون أيضاً الطرف الخاسر بداهة. وقد ذكّر المؤيدون لهذه النظرية البعثة بأن الاغتيالات السياسية لا تنفذ انتقاماً، بل لتقود الى نتائج محددة. ونتائج اغتيال السيد الحريري برأيهم غير مواتية للجمهورية العربية السورية بداهة.
56 ـ وأدى الاغتيال بسرعة الى تعميق الهوة بين الاتجاهات السياسية اللبنانية وزاد من الاستقطاب في المشهد السياسي الى حد ينذر بالخطر. وعقب الاغتيال مباشرة، انقسم الطيف السياسي الى معسكري "المعارضة" و"الموالاة"، وتبلور حول الموقف إزاء الحكومة اللبنانية/الرئيس اللبناني في الوقت الراهن، والعلاقة السورية/اللبنانية القائمة. وبعد أسبوعين من الاغتيال، انطلقت أعداد كبيرة من اللبنانيين الى الشوارع لتعبر عن مزيج من الحزن والغضب والقلق والمعارضة السياسية للتدخل السوري في شؤون لبنان. واتهم المتظاهرون وقادة المعارضة أجهزة الأمن اللبنانية والسورية بالتورط في الاغتيال ودعوا الى استقالة الحكومة وانسحاب القوات السورية ومرافقها الأمنية من لبنان. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء كرامي يتمتع بأغلبية في البرلمان، وأنه متيقن من كسب التصويت بالثقة، إلا أنه أصغى الى صوت الشارع وأعلن استقالة حكومته بينما كان المتظاهرون لا يزالون مجتمعين على مسافة غير بعيدة من البرلمان.
57 ـ وواصل المحتجون وزعماء المعارضة حملتهم، فدعوا الى عزل جميع رؤساء الأجهزة الأمنية، وسحب سوريا لجيشها ومرافقها الأمنية، وتشكيل حكومة "محايدة" تركز على التحضير للانتخابات التشريعية المقبلة، وإجراء تحقيق دولي مستقل. وردت "الموالاة" بسرعة فنزلت الى الشارع في 8 آذار/مارس بما لا يقل عن نصف مليون شخص تظاهروا دعماً للحكومة وللجمهورية العربية السورية. وبعد ذلك مباشرة، أعلن الرئيس السوري عزم حكومته على سحب قواتها الى سهل البقاع تنفيذاً لاتفاق الطائف لعام 1989، وإجراء انسحابات أخرى حتى الحدود السورية. غير أن هذا الإعلان لم يضع حداً للجدل حول الوجود السوري. وواصل زعماء المعارضة إظهارشكوكهم في النوايا السورية وطالبوا بجدول زمني للانسحاب الكامل، ودعا بعضهم الى استكمال هذا الانسحاب قبل الانتخابات التشريعية.
58 ـ وفي 14 آذار/مارس، ووفقاً للتقديرات المتاحة، تجمع أكثر من مليون شخص في ساحة بيروت الرئيسية وهتفوا من أجل "استقلال" لبنان، وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، وعزل رؤساء الأجهزة الأمنية، وتشكيل حكومة "محايدة" تعد للانتخابات المقبلة. وجرى الإعراب للجنة عن مخاوف حدوث فراغ دستوري، ومخاوف من عدم القدرة على التصويت على قانون للانتخابات في الوقت المناسب أو الإعداد على نحو واف لانتخابات أيار/مايو التشريعية. واقترح كثيرون أن وجود إشراف دولي على الانتخابات ضروري لكفالة نزاهتها. وبيّنوا أن انتخابات موثوقاً بها ستسهم في استقرار الوضع السياسي. كما توجد مخاوف من حدوث نزاع أهلي نظراً لأن الانقسام بين المعارضة والموالاة معبأ بخلافات بين الطوائف الى حد يدعو للقلق. وتحمل هذه الاضطرابات السياسية في طياتها أخطاراً على سلم لبنان وأمنه، مع ما يترتب على ذلك من نتائج واضحة بالنسبة لاستقرار المنطقة ككل.
59 ـ وفضلاً عن ذلك، أعرب سياسيون لبنانيون من خلفيات وانتماءات مختلفة للبعثة عن مخاوفهم من أن تصبح لبنان مرة أخرى، ميداناً للمعارك بين القوى الأجنبية. وأشار العديد منهم الى الحرب الأهلية الطويلة المفجعة كمثال على صراع القوى الأجنبية على النفوذ من خلال المنفذين اللبنانيين. وأكدوا على ضعف مؤسسة الحكم في لبنان ومحدودية قدرتها على تحمّل الضغط. وأكد كثير من الشخصيات السياسية شعورهم بالقلق من أن لبنان سيزج به في مواجهة حاسمة بين الجمهورية العربية السورية والمجتمع الدولي، بما يحمل ذلك من نتائج مدمرة على سلم لبنان وأمنه. وألح زعماء سياسيون لبنانيون من كل الاتجاهات على البعثة بأن تناشد المجتمع الدولي عدم استعمال لبنان وسيلة للضغط. وحسبما قال أحد المتكلمين للجنة: "إن هذه الوسيلة ضعيفة جداً، وستتقوض بسهولة".
ثالثاً ـ ملاحظات ختامية وتوصيات
60 ـ ترى البعثة أن أجهزة الأمن اللبنانية والمخابرات العسكرية السورية تتحمل المسؤولية الأولى عن انعدام الأمن والحماية والقانون والنظام في لبنان. وقد ثبت وجود إهمال خطير ومطرد في أجهزة الأمن اللبنانية لدى اضطلاعها بالواجبات التي يؤديها عادة أي جهاز أمن وطني محترف. وبذلك فشلت على نحو ذريع في توفير مستوى مقبول من الأمن للمواطنين اللبنانيين، فأسهمت في إشاعة ثقافة التخويف والإفلات من العقوبة. وتشاطر المخابرات العسكرية السورية هذه المسؤولية بمقدار ما هي مشتركة في إدارة أجهزة الأمن في لبنان.
61 ـ ثانياً، ترى اللجنة أيضاً أن حكومة الجمهورية العربية السورية تتحمل المسؤولية الرئيسية عن التوتر السياسي الذي سبق اغتيال رئيس الوزراء السابق السيد الحريري. وقد مارست حكومة الجمهورية العربية السورية بوضوح نفوذاً تجاوز القدر المعقول في علاقات التعاون والجوار. وتدخلت في تفاصيل الحكم في لبنان بأسلوب جائر وعنيد كان السبب الرئيسي للاستقطاب السياسي الذي تلى. ودون الإضرار بنتائج التحقيق، من الواضح أن هذا الجو وفّر الخلفية لاغتيال السيد الحريري.
62 ـ ثالثاً، اتضح للبعثة أن عملية التحقيق اللبنانية تعاني عيوباً جسيمة. وبغض النظر عما إذا كان مرد ذلك الى انعدام القدرة أو الالتزام، فإنه من غير المحتمل أن تصل هذه العملية الى نتيجة مقنعة. وفضلاً عن ذلك، فإن مصداقية السلطات اللبنانية التي تجري التحقيق محل شك لدى عدد كبير من اللبنانيين، في المعارضة وفي الحكومة على السواء. ولذلك ترى اللجنة ضرورة إجراء تحقيق دولي مستقل من أجل كشف الحقيقة. ولإجراء هذا التحقيق، لا بد من وجود فريق مكتف ذاتياً، يضم مختلف ميادين الخبرة التي تفيد عادة لدى الاضطلاع بمثل هذه التحقيقات الكبيرة في النظم الوطنية، مع وجود ما يلزم من موظفي الدعم والموارد والمعرفة بالنظم القانونية اللازمة. وسيحتاج هذا الفريق الى سلط تنفيذية لإجراء الاستجوابات والتفتيشات وغير ذلك من المهام ذات الصلة. ويمكن مساعدة الفريق وإسداء المشورة له من قبل موارد قانونية لبنانية دون الإخلال باستقلاله. غير أنه من المشكوك فيه الى حد بعيد أن يضطلع فريق التحقيق هذا بمهامه على نحو يبعث على الرضى ـ وأن يحظى بالتعاون الفعال اللازم من السلطات المحلية ـ طالما بقيت القيادة الحالية للأجهزة الأمنية اللبنانية في مناصبها.
63 ـ رابعاً، تستنتج البعثة أن استعادة أجهزة الأمن اللبنانية لنزاهتها ومصداقيتها ذات أهمية حيوية لأمن البلد واستقراره. ولتحقيق هذه الغاية، لا بد من بذل مجهود متواصل لإعادة تشكيل دوائر الأمن اللبنانية وإصلاحها وتدريبها من جديد، وذلك يتطلب بالتأكيد مساعدة ومشاركة فعالة من جانب المجتمع الدولي. واستناداً الى استعراض البعثة للبنية الحالية لأجهزة الأمن اللبنانية، تم تحديد ستة مجالات رئيسية بوصفها أولويات لإصلاح الأمن وهي: (أ) فصل الأمن عن السياسة وإقامة خدمة أمن تتمتع بالاحتراف المهني، (ب) إضفاء الصبغة الوطنية على أجهزة الأمن بعزلها عن التأثير الأجنبي والنأي بها عن الطائفية، (ج) إقامة دائرة شرطة ديمقراطية، مع الاهتمام خاصة بحكم القانون وحقوق الإنسان، (د) وضع مسارات واضحة للإبلاغ، (هـ) بناء القدرات، (و) العمل بآليات واضحة للمساءلة والإشراف القضائي.
64 ـ وأخيراً، ترى البعثة أيضاً أن هناك ضرورة لوجود دعم سياسي دولي وإقليمي من أجل حماية وحدة لبنان الوطنية ووقاية مؤسسة الحكم الهشة فيه من الضغط الذي لا مبرر له.
كما ترى أن تحسين آفاق السلم والأمن في المنطقة سيوفر أساساً أكثر صلابة لاستعادة الحالة السوية في لبنان.
بيتر فيتزجيرالد
رئيس بعثة الأمم المتحدة
لتقصي الحقائق في لبنان
نيويورك 24 آذار/مارس 2005


 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير و برمجة: شـركة التكنولوجـيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 907795477
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه. موقع صيداويات © 2019 جميع الحقوق محفوظة