الطبيعة الوجدانية لدى الشباب
الشباب يمتلك أعلى نقطة حرارة عاطفية في حياة الإنسان؛ فمرحلة الشباب هي الفترة التي يتقدم فيها الجسد بسرعة أكبر من سرعة تكوّن العقل، وتتكون فيها المشاعر قبل أن تتكون الحكمة.
إن القشرة الجبهية الأمامية، هي المركز الأعلى في الدماغ المسؤول عن التنظيم، والتخطيط، واتخاذ القرار، وضبط الانفعالات، والتفكير المنطقي، ورؤية العواقب، هذا الجزء لا يكتمل نموه الا في منتصف العشرينيات (حوالي 24 - 26 سنة) أما الجهاز الحوفي - ولاسيما اللوزة الدماغية - فهو مركز العاطفة، والاندفاع، والحساسية الانفعالية، وهو يبلغ ذروة نشاطه بين 15 - 25 سنة).
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة إلى الشاب؟
1- اختلال توازن طبيعي بين العقل والعاطفة، وذلك لأن الجهاز العاطفي يعمل بطاقته القصوى على حين أن مراكز الضبط العقلاني تكون في حالة نمو، واكتمال، وهذا يعني أن يكون لدى الشباب عاطفية قوية، واندفاع أكبر من قدرتهم على التنظيم والتحكم. هذا لا يعني أن الشباب غير عقلانيين، لكنه يعني أن قوة المحرك أكبر من قوة المكابح، وأن الصوت الانفعالي أعلى من صوت التخطيط.
2- إن زيادة نشاط الجهاز الحوفي تجعل المكافآت السريعة تبدو أكثر إغراء، والنتائج البعيدة أقل حضوراً وجاذبية، وهذا هو التفسير المنطقي لعدد من الأمور، منها الميل إلى التجارب الجديدة، المغامرة، اتخاذ القرارات السريعة، عدم حساب المخاطر بالقدر الكافي.
3- لدى الشباب قوة في المشاعر يصعب ضبطها، وذلك بسبب النشاط الكبير للعاطفة - كما ذكرنا - ولهذا فإن الغضب لديهم يكون أسرع، والفرح أقل انضباطاً، والحزن أعمق، ويكون الحب مشحوناً بعاطفة جياشة، ويكون الخوف أكبر من حجمه الحقيقي أحياناً، وإلى أن يكتمل نمو القشرة الجبهية سيكون من الصعب على الشاب تهدئة نفسه، أو تنظيم انفعالاته على نحو جيد.
4- في هذه المرحلة يكون التخطيط طويل المدى ضعيفاً نسبياً، وبما أن الجهة المسؤولة عن تقدير العواقب، والحدس بالمستقبل لم تكتمل بعد فإن تركيز الشباب يكون على الحاضر و(الآن) وليس على السنوات العشر القادمة.
5- الشباب يكونون حسّاسين جداً للنقد، والرفض، فالجهاز الحوفي يتفاعل بقوة مع الإحساس بالتهديد، والإهانة في حين أن العقل الجبهي الذي يوازن بين هذه الانفعالات لم ينضج بعد. لكن عليّ بعد هذا أن أقول: إن للبيئة والتجربة الشخصية دوراً لا ينكر في المساعدة على الموقف المتوازن والمنضبط، وذلك عبر التدريب العقلي، ومحاولة ضبط النفس، والتجارب الحياتية، وما يتلقاه الشاب من إرشاد، وتوجيه جيد، بالإضافة إلى الالتزام الروحي، والأخلاقي، فهذه الأمور تسرّع من نضج القشرة الجبهية، ليكون هناك توازن مبكر بين العقل والعاطفة.
إن العاطفة التي يكتنز الشاب قدراً كبيراً منها هي الوقود الذهبي لكل اندفاع نحو الحياة، وهي ما يفتح القلب للتجارب، ويزرع فيه الشغف والطموح، لكن هذه القوة تحتاج إلى عقل يوجهها، وإلى وعي يضبط إيقاعها لذلك كان اللجوء إلى المختصين، والإصغاء إلى المرشدين، وأهل الخبرة من الأمور التي على الشاب استحضارها عند اتخاذ أي قرار مفصلي. التأني في القرارات، ووزن الأمور قبل الإقدام عليها يحمي الشاب من مخاطر الاندفاع، والتسرع، والندم بعد ذلك.
المربي د. عبد الكريم بكار



