الشباب: حالة استنزاف ذهني مستمر
من الظواهر الجديرة بالتأمل في هذا العصر أن كثيرًا من الشباب يعيشون حالة استنزاف ذهني مستمر، رغم أن أسباب الراحة والرفاهية أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
لم تعد الأزمة الحقيقية متعلقة بندرة الفرص أو صعوبة الوصول إلى المعرفة، بل تحولت إلى أزمة انتباه وتركيز. فالتدفق الهائل للمحتوى، وسرعة الإيقاع اليومي، وكثرة المثيرات، صنعت عقلًا سريع التشتت، معتادًا على الاستهلاك أكثر من البناء.
لقد أصبح من السهل قضاء ساعات طويلة في متابعة الأخبار والمقاطع والحوارات العابرة، دون أن يخرج الإنسان بفكرة عميقة واحدة أو مهارة حقيقية أو تقدم ملموس في حياته. ومع الوقت تتكون حالة خفية من التبعثر؛ انشغال دائم يقابله فراغ داخلي، وحركة مستمرة بلا اتجاه واضح.
المشكلة أن هذا الاستنزاف لا يحدث بصورة صاخبة، بل بطريقة ناعمة ومتدرجة، حتى يعتاد العقل على الانتقال السريع، ويصبح التركيز الطويل أمرًا مرهقًا، والتأمل العميق شيئًا نادرًا.
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد قيمة الإنسان تقاس فقط بما يعرفه، بل بقدرته على حماية وعيه من التشتيت. فالعقل الذي يتعرض يوميًا لكمّ هائل من المعلومات السطحية يفقد شيئًا فشيئًا قدرته على التحليل والتأمل والصبر المعرفي.
ومن هنا يمكن فهم سبب انتشار السطحية رغم وفرة المعرفة، وكثرة الآراء رغم قلة التفكير الحقيقي.
إن بناء الإنسان لا يتحقق عبر دفعات الحماس المؤقتة، وإنما من خلال التراكم الهادئ:
قراءة جادة،
تفكير متأنٍ،
عادات مستقرة،
وتقليل مستمر للفوضى الذهنية.
كما أن الانشغال بكل شيء يؤدي غالبًا إلى عدم الإنجاز في أي شيء. فالعقل يحتاج إلى قدر من السكون حتى ينتج، وإلى مساحة من العزلة الفكرية حتى يعيد ترتيب نفسه بعيدًا عن الضجيج المتواصل.
ولهذا فإن من أهم معارك العصر ليست معركة الوقت فحسب، بل معركة الانتباه. لأن ما يسيطر على انتباه الإنسان يشارك في تشكيل شخصيته وطريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لجيل كامل ليس الفقر المادي، بل الاعتياد على التشتت، وفقدان القدرة على التركيز العميق، والانشغال الدائم بما هو عاجل على حساب ما هو مهم.
وفي المقابل، فإن استعادة الوعي تبدأ غالبًا من أمور بسيطة:
تقليل المشتتات،
إبطاء الإيقاع قليلًا،
العودة إلى القراءة،
ومنح العقل فرصة للتفكير بدل الاستهلاك المستمر.
فالعقول لا تنضج وسط الضجيج الدائم، وإنما في المساحات التي تسمح بالتأمل، والتركيز، وإعادة النظر في الأشياء بعمق أكبر.
المربي د. عبد الكريم بكار


