المُحامي محمد عاصي يعود إلى أنصار في رحلته الأخيرة

بقلم الإعلامي هيثم زعيتر
عاد المُحامي محمد عبد الرسول عاصي، يوم الجمعة في 17 نيسان/إبريل 2026، إلى مسقط رأسه بلدة أنصار في مُحافظة النبطية، مع العائدين من أبناء الجنوب الذين اضطروا للنزوح عنه بفعل العدوان الإسرائيلي المُتواصل.
لكن، هذه العودة كانت إلى البلدة، التي أبصر فيها النور قبل 90 عاماً، مُختلفة عن سابقاتها، فهي الرحلة الأخيرة، ليُوارى جثمانه الثرى، بعدما غيبه الموت، بعد مسيرة حافلة بمحطات نضالية على مُستويات مُتعددة، في طليعتها في المجال الحقوقي، الذي أمضى أكثر من ثلثي عمره - أكثر من 60 عاماً.
كان في كل المحطات مُدافعاً عن حقوق مُوكليه، والفقراء والمُحتاجين، وواقفاً إلى جانب المظلوم، في مهنة اختارها للدفاع عنهم بصلابة، مُتصدياً لكل المُداخلات أو التهديدات أو الإغراءات، ومُستجيباً إلى قناعاته وضميره ووجدانه.
مسيرة عقود عدة، استطاع خلالها أن يُنشئ أسرة لها مكانة مرموقة في المُجتمع، أسسها مع شريكة عمره المرحومة سميرة البيومي، التي طالها الحقد ضحيةً في العام 1989، وتابع رعاية العائلة الذين برز كلٌ في مجاله، وهم أصدقاء.
وفي المُحاماة لم يقتصر دوره في الدفاع عن المظلومين، بل فتح المجال أمام مئات المُتخرجين من "كلية الحقوق" للتدرج، وكثر منهم أصبحوا في مراكز مرموقة، مُحامين وقضاة، وفي مراكز هامة جداً، يُشار لهم بالبيان على النجاح الذي حققوه.
لقد شكل الراحل المُحامي محمد عاصي، نموذجاً مُميزاً في مُختلف مراحل مسيرته مُنذ التكوين الأول في العائلة، حين أرسل الوالد عبد الرسول عاصي، أولاده ليتعلموا في "كلية المقاصد الإسلامية" في صيدا، ما يُؤكد اختيارهم النموذج الفريد الذي تعيشه مدينة صيدا مع الجنوب بتواصل وعيش طبيعي، فكان الدخول إلى "المقاصد"، والانصهار في جو إسلامي وعروبي ووطني، بأساتذة يُشهد لهم العالم بأنهم خرجوا، ليس فقط مُتفوقين علمياً، بل وطنيين وقوميين ومُناضلين، من أجل القضايا الوطنية، وفي الطليعة القضية الفلسطينية.
الشاب الجنوبي، الذي برز في "المقاصد" مُتفوقاً استقر في مدينة صيدا، وما أن أنهى تخرجه من "المقاصد" في العام 1958، حتى عمل مُدرساً فيها، قبل الدخول إلى وظيفة مُساعد قضائي في قصر عدل صيدا في العام 1960، ومن ثم الانتساب إلى "كلية الحقوق" في "الجامعة اللبنانية" في بيروت، فكان يُواكب بين كل ذلك، إلى أن تخرج مُحامياً من "كلية الحقوق" في العام 1964، وانتسب إلى نقابة المُحامين، مُنطلقاً في مسيرته التي استمرت على مدى 61 عاماً.
ظروف مُتعددة مر بها المُحامي محمد عاصي، تحمل فيها الكثير:
- بدفع الضريبة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران/يونيو 1982، وقصف الطائرات الإسرائيلية "بناية جاد"، القريبة من مكان سكنه في صيدا، ما أدى إلى تضرر المنزل وما يحتويه من ذكريات وملفات.
- ومن ثم خسارة شريكة العمر المرحومة سميرة البيومي باغتيال جرائمي في العام 1989.
- لكن، أذكر تلك الصورة التي لا تغييب عن البال، بعد اغتيال القضاة الأربعة على قوس العدالة في صيدا: حسن عثمان، عاصم أبو ضاهر، عماد شهاب ووليد هرموش، يوم الثلاثاء في 8 حزيران/يونيو 1999.
ومن ثم تشييع الجثامين في اليوم التالي 9 حزيران/يونيو 1999، في موكب مهيب، يوم تقدم الأستاذ محمد عاصي، المُشيعين وأصروا على إدخال نعش رئيس محكمة جنايات لبنان الجنوبي الشهيد القاضي حسن عثمان، الصديق والقريب، والريس، إلى داخل المحكمة، ووضع النعش فوق قوس المحكمة، التي حكموا منه باسم الشعب، وبالعدل، لكن لم ينصفهم العدل حتى اليوم!
وكأن رحيل العم "أبو وائل"، فيه الكثير من المآثر والعبر:
- فقد كان مع عودة أهالي الجنوب لتفقد بلدتاهم، من الأضرار التي لحقت بهم جراء العدوان الإسرائيلي، الذي أدى إلى سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وما زال مُتواصلاً.
- كان من المُقرر أن يُصلى على جثمانه الطاهر ويُوارى الثرى "وديعةً" في جبانة صيدا الفوقا، مساء يوم الجمعة في 17 نيسان/إبريل 2026، لكن، مع وقف العدوان أُستبدل التشييع، ووري الثرى في الأرض الطاهرة التي أحب، مسقط رأسه، بلدته أنصار، مُرابطاً هُناك في ثرى أرض جبل عامل، الشاهدة على الاندحار الإسرائيلي بعد احتلاله لها، في حزيران/يونيو 1982، وتتويج الانتصار من تحرير تلك المنطقة، وإقفال "مُعتقل أنصار" في نيسان/إبريل 1985، بفعل المُقاومة، بكل انتماءاتها ومُسمياتها.
- ترافق التشييع مع عودة أبناء الجنوب إلى أرضهم، على الرغم من الدمار والغدر الإسرائيلي، ما يُؤكد تمسكهم بترابهم والدفاع عنه.
رحم الله الراحل المُحامي محمد عاصي، وأسكنه فسيح جناته، حيث تُحفظ سيرته العطرة، التي تفوح منه ومن عائلته، التي تحمل صداقات كبيرة ومُتنوعة.
العزاء لأسرته وعائلته، ولكل من عرفه، بفقدانهم والجسم الحقوقي في صيدا والجنوب ولبنان، علماً من أعلام الدفاع عن حقوق المظلومين والوطنيين.

