صيدا سيتي

الشباب والقلق المستقبلي

ركن المعرفة والفكر - الأربعاء 08 نيسان 2026 - [ عدد المشاهدة: 143 ]

من أقوى المشاعر لدى الشباب، وأكثرها خفاءً الشعور بالقلق تجاه المستقبل، وليس المقصود هنا الخوف من الرسوب في امتحان قادم، وعدم العثور على الوظيفة المناسبة في المستقبل، وإنما المقصود ذلك القلق الوجودي المرتبط بالزمن، وبالتغيرات السريعة للعالم، وبالشعور بأن التعامل مع المستقبل سيحتاج إلى قدرات أكبر مما هو متوفر للناس اليوم.

الكل يعاني من نوع من الخوف من المستقبل لكن الشباب يعانون أكثر من غيرهم لأنهم على عتبة الحياة، وهم في حاجة إلى المال من أجل بناء أسرة، وفي حاجة إلى وظيفة، أو العمل في مشروع ناجح، وهذا ليس من هموم أبناء الأربعين والخمسين.

تشير دراسة عالمية واسعة لعام 2022 شملت أربعين دولة إلى أن الشباب بين سن (18-38) يسجلون أعلى مستويات (القلق المستقبلي) مقارنة بباقي الأعمار الأخرى. 

وقد ذكرت الدراسة أن أبرز أسباب هذا القلق هي: 
1- عدم الاستقرار الاقتصادي. 
2- التنافسية العالمية في سوق العمل. 
3- تسارع التغير التقني. 
4- الضبابية السياسية. 
5- تغير المناخ، والتحولات العالمية.
كل هذه العوامل تجعل الشباب يشعرون أن الزمن يجري بسرعة أكبر من قدرتهم على اللحاق به.

وتشير دراسة أخرى من جامعة أمستردام عام 2021 إلى أن الشباب يعيشون حالة تسمى حالة (الذات المثقلة بتوقعات المستقبل) إذ يتوقع المجتمع من الشاب أن:
- يختار تخصصاً مناسباً. 
- ينجح بسرعة دون تأخر. 
- يستقل مالياً. 
- يكون ناضجاً. 
- يعرف أهدافه. 
- يكون اجتماعياً. 
- يوازن حياته.

هذه المطالب تولّد ضغطاً نفسياً هائلاً على الشباب.

إن غموض المستقبل يولّد أكبر مصدر للضغط على الشباب لأنه يضعهم أمام ثلاث فجوات في آن واحد: 

فجوة المعرفة؛ فالشاب لا يعرف ما الذي سيحدث، وفجوة القدرة: هو لا يعرف هل يستطيع امتلاك الأدوات المطلوبة للنجاح. أما الفجوة الثالثة فهي فجوة الهوية، فهو لا يعرف بالضبط الوضعية الشعورية والفكرية التي ينبغي أن يكون عليها، وهذه الفجوات، وما تولده من أسئلة، وحيرة هي فوق طاقة معظم الشباب.

تُظهر دراسة حديثة عام 2023 من جامعة سيول أن الشباب الذين يعانون من القلق حيال المستقبل يزداد لديهم:
- التردد. 
- الخوف، والحساسية من الإخفاق. 
- الحاجة للمقارنة من أجل فهم الذات، والوضعية الخاصة. 
- الانسحاب من المنافسة. 
- الشعور بعدم الجدارة.

 ما العمل؟
 لن أقول ما سأقوله من باب تطييب الخواطر، أو رفع المعنويات، وإنما أقوله بناء على رؤية وحدس، وتجربة... إن القلق من المستقبل شعور طبيعي يرافق كل الأجيال، لكن لا يجوز أن يتحول إلى خوف يربكنا، ويشلّ إرادتنا.

المستقبل لم يكن في يوم من الأيام فضاء مغلقاً، بل كان ميداناً للفرص الجديدة، والتكيف، وتدوير الزوايا، وكما أن الأجيال الماضية استطاعت أن تتعامل مع تحولات كبرى - من الثورة الصناعية حتى ثورة الاتصالات - فإن الشباب اليوم قادرون بإذن الله تعالى على التعامل مع ثورة الذكاء الاصطناعي، والروبوتات.

تشير دراسات دولية حديثة إلى أن التقنية ستوجد عشرات ملايين الوظائف الجديدة خلال العقدين القادمين، وأن الوظائف التي ستظهر قد تكون أكثر تنوعاً، وابتكاراً، وقد يكون الحصول عليها يتطلب أهلية، وتعليماً أعمق مما تحتاجه الوظائف التي ستختفي إلا أن المستقبل لا يغلق الأبواب، بل يعيد فتحها بطرق مختلفة، ومع ذلك فإن أعظم أبواب الطمأنينة تجاه المستقبل لا تكمن في المعرفة، والتقنية، وإنما في الإيمان بمعونة الله تعالى، وتيسيره، وفيض كرمه: ((ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً)).

أي هو كافيه، لا يُسلْمه، ولا يضيِّعه. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته)) . 

المربي د. عبد الكريم بكار


 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير وبرمجة: شركة التكنولوجيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 1017624124
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه.
موقع صيداويات © 2026 جميع الحقوق محفوظة