فقه التقدير... وبناءُ السيادة النفسية
لقد طفنا في اللقاءات السابقة حول الحوار والسكينة، واليوم نغوص في جوهر القوة التي تحرك ساكني هذه البيوت. هل سألنا أنفسنا يوماً: لماذا يزدهرُ بعض الأبناء خارج بيوتهم ويذبلون داخلها؟ ولماذا يبحثُ المراهق عن "كلمة ثناء" من الغرباء بينما يفتقدها بين أهله؟
إن الطمأنينة الحقيقية تولد حين ننتقل في تعاملنا من (ثقافة التنقيب عن الأخطاء) إلى (فن استثمار الميزات). البيت المطمئن ليس بيتاً بلا عيوب، بل هو البيت الذي يملك فيه أفراده شجاعة "الامتنان" لبعضهم البعض؛ فالكلمة الطيبة والملاحظة الذكية لنقاط القوة في أبنائنا هي التي تبني لديهم "السيادة النفسية" التي تجعلهم يواجهون العالم بقلب ثابت.
نحن نحتاج اليوم إلى ممارسة "التخفف الواعي" من نقدنا الجارح وتوقعاتنا المرهقة، لنفتح مساحةً لنمو الثقة. حين يشعر الشاب أنَّ والديه يريان فيه "الجميل" قبل "القبيح"، وأنهما يثمنان "محاولاته" قبل "نتائجه"، فإنه يتحرر من قيود القلق ويبدأ في الإبداع. السيادة في بيوتنا تبدأ حين ندرك أنَّ الوضوح في توجيه الأبناء لا يعني قهر إرادتهم، بل يعني تسليط الضوء على مكامن التميز في أرواحهم ليُبصروا طريقهم بأنفسهم.
إن هذا التقدير ليس مجرد "مجاملة عابرة"، بل هو (استثمار استراتيجي) في هوية الجيل. البيت الذي يُقدر فيه الجهد الصغير، وتُحترم فيه المحاولة المتعثرة، هو بيتٌ يخرج منه قادةٌ لا ينكسرون أمام أول خيبة أمل. لنجعل من مجالسنا في هذه الأيام المباركة منصاتٍ لرفع المعنويات، ولنتذكر أنَّ بركة العمر تظهر على أطراف أصابعنا حين نجبر خاطر ابنٍ بكلمة تشجيع، أو نمسح تعب زوجةٍ بلفظ امتنان.
الخلاصة:
التقدير في البيت هو "الوقود" الذي يحول العقول من حالة الركود إلى حالة السعي. نحن لا نبني بيوتاً لنسكنها فقط، بل نبني نفوساً لتسكن إلينا وتستقوي بنا على مصاعب الحياة.
أبصروا الجمال فيمن حولكم.. يزهرُ الإتقان في أفعالهم.
المربي الدكتور عبد الكريم بكار


