بين الود والبغض: كيف تفضحنا نظراتنا؟
الود لا يخفى وإن أخفيته
والبغض تبديه لك العينان
هذا البيت الشعري هو قاعدة في علم النفس الاجتماعي صاغها العرب قديماً قبل أن يظهر علم لغة الجسد بقرون.
أولاً: من الفراسة إلى الحكمة
يُنسب هذا البيت في أغلب المصادر الأدبية إلى زهير بن أبي سلمى، وهو شاعر الحكمة في الجاهلية. عاش زهير في بيئة بدوية تعتمد بشكل كلي على "الفراسة" (وهي القدرة على معرفة بواطن الأمور من ظواهرها).
- ثقافة "العين مرآة القلب": في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، كان العرب يعتقدون أن العين لا تكذب أبداً. ففي مجتمع يسوده الصراع والقبائل، كان من الضروري جداً تمييز "الصديق من العدو" ليس من خلال الكلام (لأن اللسان قد ينافق)، بل من خلال نظرات العين.
- سياق السلام والحرب: قيلت هذه الحكمة في سياق محاولات الصلح بين القبائل. كان زهير يريد أن يقول إن الصلح الذي لا تنبض به القلوب وتصدقه العيون هو صلح "هش" وزائف، لأن الحقد الدفين سيظهر حتماً في نظرة العين (ما يسمى "لحظ العين").
ثانياً: المعنى الفلسفي
- "الود لا يخفى وإن أخفيته": الحب الصادق له "نور" وارتياح يظهر على تقاسيم الوجه، حتى لو حاول الشخص كتمانه خجلاً أو خوفاً، فإن لغة جسده الهادئة ونظراته الودودة تفضحه.
- "والبغض تبديه لك العينان": الكره طاقة سلبية عنيفة، ومن الصعب جداً السيطرة على "انقباض" حدقة العين أو "نظرة الازدراء" عند رؤية من نبغض. العين هنا تعمل كجهاز كشف كذب طبيعي.
ثالثاً: لماذا لا يزال حياً؟
على الرغم من مرور مئات السنين، لا يزال هذا البيت ينطبق على واقعنا للأسباب التالية:
1. علم لغة الجسد (Body Language): يثبت العلم الحديث أن عضلات العين هي الأصعب في التحكم الإرادي. نحن نستطيع تزييف ابتسامة بالفم (الابتسامة الاجتماعية)، لكننا لا نستطيع تزييف "ابتسامة العينين" (Duchenne Smile). هذا البيت هو ترجمة أدبية دقيقة لهذه الحقيقة العلمية.
2. العلاقات الإنسانية والمهنية: في زمننا الحالي، نحتاج لهذا البيت لفهم من حولنا. في العمل أو في الصداقات، غالباً ما نسمع كلمات معسولة، لكن "الحدس" الذي يترجم نظرات العيون يخبرنا بالحقيقة. إذا كانت العين لا تعكس بريق المودة، فإن الكلمات تفقد قيمتها.
3. الذكاء العاطفي: يعلمنا البيت أن نكون أكثر "ذكاءً عاطفياً"، فلا نعتمد على ما نسمعه فقط، بل نراقب "رسائل العيون". فالعيون تعطينا الانطباع الأول والأصدق الذي يساعدنا في بناء علاقات صحية وتجنب الشخصيات السامة.
البيت يقول لنا: "لا تنصت للسان فقط، بل اقرأ الوجوه". فالمشاعر الحقيقية (سواء كانت حباً أو كرهاً) هي طاقة لا يمكن حبسها خلف الجفون، فهي تتسرب دائماً عبر النظرات.


