صيدا سيتي

بين الود والبغض: كيف تفضحنا نظراتنا؟ الحاج محمد صبحي السن في ذمة الله الحاجة جميلة محمد عاصي (أرملة المهندس الحاج عبد الله عاصي) في ذمة الله ​التخلف الحزبي في لبنان … أزمة تربية قبل أن تكون أزمة سياسة مصطفى بسام إبراهيم في ذمة الله وهم التطابق: لماذا لا نفهم بعضنا؟ نبض خلف القضبان أسامة توفيق حمادة شبلي في ذمة الله الذكرى السنوية الثانية لرحيل القائد المناضل محمود طرحة "أبو عباس" الحاج عبد الله حسين عويد (أبو محمد) في ذمة الله مشوارك بصيدا وضواحيها بـ 100 ألف وبس! جيلُ الحصول السهل.. كيف نقتلُ الإرادة في أبنائنا؟ عبد الرحمن عبد الله شحرور (أبو محمد) في ذمة الله مشروع الضم والفرز في منطقة شرق الوسطاني لمدينة صيدا يتفاعل استبدال ثقافة الدلال المطلق بثقافة الامتنان مواعيد الأطباء في مستوصف حكمت ورضا البزري الخيري (HRB) ليست كل الأخطاء تُعالج بـ "العقاب".. فمن أيّ الآباء أنت؟ فحص مجاني لمكونات الجسم في مركز الاستجابة الطبي بإشراف نوال غزاوي النهضة.. هل هي "بضاعة" نشتريها أو "إرادة" نبنيها؟ الانتهاء من صب السقف الأخير لمركز وقف الفرقان - الهلالية

سؤال يتكرر في بيوت كثيرة؟!

ركن المعرفة والفكر - السبت 03 كانون ثاني 2026 - [ عدد المشاهدة: 5271 ]

سؤال يتكرر في بيوت كثيرة، ويُطرح غالبًا بشيء من الاستغراب وربما الضيق: كيف يستطيع أبناؤنا أن يقضوا ساعات طويلة في تركيز عالٍ أثناء اللعب، بينما يعجزون عن التركيز لبضع دقائق في التعلّم، أو القراءة، أو أي نشاط ذهني جاد؟

هذا السؤال، إذا أُحسن التعامل معه، لا يقودنا إلى اتهام الأبناء، ولا إلى جلد الذات، بل يفتح لنا بابًا لفهم أعمق لطبيعة التركيز الإنساني، وكيف يُبنى، ولماذا يضعف، وما الشروط التي تجعله ممكنًا ومستدامًا. فالتركيز ليس موقفًا أخلاقيًا، ولا دليل كسل أو جدية، بل استجابة عقلية تتشكل وفق بيئة معينة، وطريقة عرض، وإحساس داخلي بالأمان والمعنى.

الألعاب - على اختلافنا الكبير حول آثارها - لم تنجح في جذب انتباه الأبناء مصادفة، بل لأنها بُنيت على فهم دقيق لكيفية عمل العقل البشري؛ فهي تقدّم هدفًا واضحًا منذ البداية، وتقسم الطريق إليه إلى مراحل قصيرة، وتمنح شعورًا متكررًا بالتقدم، وتكافئ الجهد فورًا، وتسمح بالفشل دون تكلفة نفسية عالية، ثم تفتح المجال لمحاولة جديدة أكثر وعيًا وأقل توترًا. في مثل هذا السياق، يبقى العقل حاضرًا ومنخرطًا، لا لأن المهمة سهلة، بل لأنها مصممة بما يتناسب مع طاقته الطبيعية على التركيز.

في المقابل، تُقدَّم كثير من المهام التعليمية لأبنائنا بصورة معاكسة تمامًا؛ أهداف بعيدة غير واضحة، جهد طويل غير مجزأ، تركيز مبالغ فيه على الخطأ، وضغط نفسي يجعل الطفل يشعر أنه تحت التقييم المستمر. في مثل هذه الأجواء، لا يكون ضعف التركيز أمرًا غريبًا، بل نتيجة متوقعة.

وحين نلاحظ أن الطفل قادر على التركيز في اللعب، فهذا يعني أن القدرة موجودة أصلًا، لكنها لم تُستثمر تربويًا. المشكلة ليست في غياب التركيز، بل في اختلاف الشروط التي يُستدعى فيها. العقل الذي اعتاد الإشباع السريع، والتنقل المتكرر، والنجاحات القصيرة، يحتاج إلى تدريب مختلف كي ينتقل إلى التركيز العميق طويل النفس.

ومن المفيد هنا أن نتأمل في المنهج القرآني نفسه، لا من زاوية التعبد فقط، بل من زاوية التربية وبناء النفس. فالقرآن الكريم، مع عظمته واتساعه، لم يُقدَّم للناس كتلة واحدة، بل قُسّم إلى ثلاثين جزءًا، وكل جزء يضم عددًا من الصفحات، وكل صفحة تحتوي مقاطع وآيات، بحيث يصبح التلقي ممكنًا، والاستمرار متاحًا، والشعور بالإنجاز حاضرًا.

هذا التقسيم لم يكن ترتيبًا شكليًا، بل يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الإنسان، وأن النفس تحتاج إلى محطات، وأن الطريق الطويل لا يُقطع إلا إذا جُزِّئ، وأن الاستمرار الهادئ أهم من الاندفاع المؤقت. ولو طُلب من الناس التعامل مع القرآن دون هذا التدرج، لتحول من مصدر هداية وبناء إلى عبء ثقيل، وهو ما يدلنا على أن التدرج ليس تيسيرًا زائدًا، بل حكمة تربوية.

وهذا المعنى لا يقتصر على القرآن، بل يشمل كل هدف تعليمي جاد. فالعقل لا يرفض الجهد في ذاته، لكنه يرفض الغموض، ولا يفر من الصعوبة، لكنه ينهار أمام الإحساس بالعجز. حين يشعر المتعلم أن الطريق مفهوم، وأن الخطوات واضحة، وأن التقدم يُلاحظ ويُعترف به، يصبح التركيز ممكنًا، بل مستقرًا.

ومن الأخطاء الشائعة مقارنة سياق اللعب بسياق التعلّم دون الانتباه إلى الفروق النفسية بينهما. في اللعب، لا يشعر الطفل أنه مهدد بالفشل، ولا يُوبَّخ عند الخطأ، ولا يُطالَب بالكمال، بينما في التعلّم كثيرًا ما يُحمَّل الخطأ فوق طاقته، فيرتبط الجهد الذهني لديه بالتوتر، ويضعف التركيز تلقائيًا.

التربية الواعية لا تكتفي بانتقاد الألعاب، بل تحاول أن تفهم لماذا تنجح في شد الانتباه، ثم تستثمر هذه المعرفة في بناء بيئات تعلم أكثر حكمة، دون أن تفرغ التعلم من قيمته أو عمقه. ومن هنا يمكن استخلاص مبادئ عامة تجعل أي هدف تعليمي هادف أقرب إلى عقل الطفل وقلبه.

أول هذه المبادئ أن يكون الهدف واضحًا، وأن يُقسَّم إلى وحدات صغيرة يمكن إنجازها، لأن العقل يتعامل براحة أكبر مع المهام المحددة ذات النهاية القريبة.

وثانيها أن يُربط الجهد بالشعور بالتقدم لا بالخوف من التقييم، بحيث يشعر المتعلم أن ما ينجزه له قيمة، وأن التقدم يُقاس بما تحقق لا بما فاته.

وثالثها أن يُعتمد التحدي الذاتي بدل المقارنة بالآخرين، لأن المقارنة تشتت الانتباه وتضعف الدافعية، بينما التحدي الشخصي يعزز التركيز ويغذي الاستمرارية.

ورابعها تنويع أساليب التعلم بما يخدم الفهم لا التشويش، لأن العقل يركز أكثر حين يفهم ما يفعل، وحين يرى علاقة واضحة بين الجهد والمعنى.

وخامسها بناء عادات ثابتة قصيرة الزمن واضحة الإطار، لأن الاستمرارية اليومية الهادئة تبني تركيزًا أعمق من الجلسات الطويلة المتقطعة التي تستنزف النفس ولا تُنشئ عادة.

التركيز لا يُفرض بالأوامر، ولا يُبنى بالضغط، بل يتشكل حين نحترم طبيعة العقل، ونصمم البيئة والمهام بما يتناسب معها. وحين ندرك ذلك، تتحول التربية من صراع يومي إلى مشروع طويل النفس، يثمر بهدوء، ويُخرج أجيالًا قادرة على التعلّم العميق، لا المرور السريع على الأشياء.

بقلم المربي الدكتور عبد الكريم بكار


 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير وبرمجة: شركة التكنولوجيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 1012188816
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه.
موقع صيداويات © 2026 جميع الحقوق محفوظة