صيدا سيتي

فتح طريق مكسر العبد في صيدا الحراك في صيدا اعلن التصعيد والنزول الى ساحة ايليا توقيف بائع قهوة متجول قرب ساحة الاعتصام! متطوعو جمعية نواة يحتلفون بالمولد النبوي الشريف، ويوزعون الحلوى احتفالاً بالذكرى - 48 صورة مطلوب موظف/ة صيدلي للعمل في صيدلية في الشرحبيل صيدا مطلوب موظف/ة صيدلي للعمل في صيدلية في الشرحبيل صيدا للبيع شقة طابق ثاني في عبرا حي التلة البيضاء مع مطل غربي وشرقي مكشوف - 37 صورة للبيع شقة طابق ثاني في عبرا حي التلة البيضاء مع مطل غربي وشرقي مكشوف - 37 صورة للإيجار شقة جديدة طابق ثاني في حي الوسطاني خلف حلويات السمرة بالقرب من المستشفى التركي - 13 صورة للإيجار شقة جديدة طابق ثاني في حي الوسطاني خلف حلويات السمرة بالقرب من المستشفى التركي - 13 صورة بيان توضيحي صادر عن مازن عاطف البساط نقلوا إلى قصر العدل في صيدا .. تأجيل استجواب موقوفي أحداث استراحة صور إلى الخميس السنيورة تحدث لقناة النيل عن الأوضاع الراهنة في لبنان وتصوره للخروج من المأزق السعودي أعطى توجيهاته للتجاوب الكامل مع المطالب الخدماتية لساحة الحراك المدني في صيدا - 4 صور ​بدء التسجيل لدورة التزيين والتجميل ودورة إدارة المكاتب ودورة تصوير خارجي في جمعية النجدة الاجتماعية ​بدء التسجيل لدورة التزيين والتجميل ودورة إدارة المكاتب ودورة تصوير خارجي في جمعية النجدة الاجتماعية المخيمات الفلسطينية .. حكاية ألم مستمر على درب العودة!! اقفال مصلحة تسجيل السيارات في صيدا القوى الإسلامية في عين الحلوة تحيي ذكرى المولد النبوي الشريف - 14 صورة الحالة اليوم بكلمات البارحة

مفتي صيدا وأقضيتها الشيخ أحمد نصار: رسالة شهر رمضان لعام 1434هـ - 2013م

أقلام صيداوية / جنوبية - الثلاثاء 09 تموز 2013 - [ عدد المشاهدة: 2118 ]
X
الإرسال لصديق:
إسم المُرسِل:

بريد المُرسَل إليه:


reload

المكتب الإعلامي لمفتي صيدا وأقضيتها الشيخ أحمد نصار:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الصَّومَ مِنْ أَعْظَمِ العِبَادَاتِ، وَخَصَّ شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَزِيدٍ مِنَ الخَيْرِ وَالبَرَكَاتِ، أَحْمَدُهُ تَعَالَى عَلَى تَوَالِي الهِبَاتِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى عَظِيمِ الفَضْـلِ وَجَزِيلِ العَطِيَّاتِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ خَالِقُ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَحْمَةُ اللهِ لِلبَرِيَّاتِ، وَصَفْوَتُهُ مِنْ جَمِيعِ الكَائِنَاتِ، r وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الهِمَمِ وَالكَمَالاتِ، وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ ظُهُورِ الأَسْرَارِ وَالخَفِيَّاتِ.
إِنَّ لِلْحَسَنَاتِ مَوَاسِمَ تَتَنَزَّلُ فِيهَا تَنَزُّلَ الأَمْطَارِ الهَاطِلَةِ، وَلَهَا نَفَحَاتٌ شَامِلَةٌ، وَبَرَكَاتٌ عَامَّةٌ مُتَوَالِيَةٌ، لَعَلَّ مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَشْمَلِهَا وَأَعَمِّهَا مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ المُبَارَكِ، الَّذِي أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النِّيرَانِ، وَقَدْ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ...(، وَاللهُ تَعَالَى قَدْ فَضَّـلَ بَعْضَ الأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا فَضَّـلَ بَعْضَ الأَمْكِنَةِ عَلَى بَعْضٍ، وَالأَزْمَانُ الفَاضِلَةُ كرَمَضَانَ وَلَيْـلَةِ القَدْرِ مَظِنَّةُ استِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَحَطِّ الخَطِيئَاتِ وَمُضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ، )سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ المُؤْمِنَ لَيَعْـلَمُ تَمَامَ العِلْمِ أَنَّ مَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ مِنَ اللهِ وَإِلَى اللهِ، فَإِنْ وَثَّقَ عَلاقَتَهُ بِاللهِ؛ وَجَدَ نُصْرَتَهُ وَتَفْرِيجَهُ فِي شَدَائِدِهِ وَكَرْبِهِ، فَهَذَا رَسُولُ اللهِ r عَلَّمَهُ رَبُّهُ أَنْ يَقُولَ: )قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعَلِّمُنَا مَعْـنَى اللُّجُوءِ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ قَبْـلَ الشِّدَّةِ، وَالفُسْحَةِ قَبْـلَ الضَّيْـقِ، فَمَنْ تَعَرَّفَ إِلَى رَبِّهِ فِي الرَّخَاءِ عَرَفَهُ فِي وَقْتِ الشِّدَّةِ، فيقول تعالى حكاية عن الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ وهو يخاطب قَوْمه )قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾، هَكَذَا تَكُونُ الصِّـلَةُ بِاللهِ تَعَالَى دَائِمَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ فِي كُلِّ أَحْوَالِ المُسلِمِ، فِي لَيْـلِهِ وَنَهَارِهِ، وَسَرَّائِهِ وَضَرَّائِهِ، وَفِي عَافِيَتِهِ وَشِدَّتِهِ وَبَلائِهِ. وَهكذا يعلمنا رسول الله r (تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا)، وَكَانَ r يُعَلِّمُ أمته أن تقول عند الهم والحزن (مَا أَصَابَ عَبْدًا هَمٌّ وَلا حُزْنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابنُ عَبْدِكَ وَابنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْـأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْـتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْـتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ استَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاءَ حُزنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، مَا قَالَهُنَّ مَهْمُومٌ قَطُّ إِلاَّ أَذْهَبَ اللهُ حُزنَهُ وَهَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا)، والفَزَعُ إِلَى اللهِ وَسِيلَة مِنْ وَسَائِلِ تَفْرِيجِ الهُمُومِ وَالكُرَبِ قال تَعَالَى ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
إِنَّ الفَزَعَ إِلَى اللهِ وَاللُّجُوءَ إِلَيْهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ يَكْفِي اللهُ بِهَا الإِنْسَانَ هَمَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَيُفَرِّجُ بِهَا ضَائِقَتَهُ وَكُرْبَتَهُ، ولِتَحْـقِيقِ ذَلِكَ لا بُدَّ من تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَنْ خَافَ اللهَ وَاتَّقَاهُ؛ كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ، يَقُولُ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، وقال رَسُول اللهِ r (مَنِ اتَّقَى اللهَ كَفَاهُ مَؤُونَةَ النَّاسِ، وَمَنِ اتَّقَى النَّاسَ وَلَمْ يَتَّقِ اللهَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِ النَّاسَ وَخَذَلَهُ)، وقال رَسُول اللهِ r (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْـتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ؛ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ)، حينها يصدق عليه قول الله تعالى ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ..﴾، وَمَنْ أَرَادَ تَفْرِيجَ الكَرْبِ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الاستِغْفَارِ، فَقَدْ حَكَى اللهُ عَنْ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾، وَمِنْ الوَسَائِلِ لِتَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ العَمَلِ الصَّالِحِ والتَّوَسُّـل به إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، كما ولا بُدَّ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ وَمِنْ حُسْن الظَّنِّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ويَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ)، وَبِقَدْرِ يَقِينِكم بِوَعْدِ اللهِ وَثِـقَتِكم بِهِ سُبْحَانَهُ يُفَرِّجُ عَنْكم كُلَّ كُرْبَةٍ، وَيُيَسِّرُ لَكم كُلَّ عَسِيرٍ، أما الانْقِطَاع وَالغَفْلَة عَنه سبحانه، وَسُوءَ الظَّنِّ بِوَعْدِه، وَضَعْـف التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، كُلُّهَا مِنْ أَسْبَابِ وُقُوعِ الأَزَمَاتِ، فهو سبحانه القَوِيُّ وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ لِمَنْ دُونَهُ، وَهُوَ النَّافِعُ وَالضَّارُّ وَمَا سِوَاهُ عَاجِزٌ، وَهُوَ المُعْطِي وَالنَّافِعُ، وَمَا سِوَاهُ لا يَمْـلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلا ضَرًّا، وَلا مَوتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا.
أيها المسلمون: إِنَّ الصِّيَامَ شَعِيرَةٌ مُبَارَكَةٌ طَيِّبَةٌ، تَكْتَمِلُ مِنْ خِلالِ أَدَائِهَا دِعَامَاتُ الأَمْنِ، مِنَ البَدْءِ بِالإِمْسَاكِ حَتَّى الخِتَامِ بِالإِفْطَارِ، وَمَا بَيْـنَهُمَا مِنَ استِبَاقٍ لِلْخَيْرَاتِ وَإِكْثَارٍ مِنَ الطَّاعَاتِ. وَمَنْ تَدَبَّرَ تَفَاصِيلَ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ أَدْرَكَ عُمْقَ مَأْخَذِهَا فِي تَعزِيزِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالأَمَانِ، وَجَلِيلَ أَثَرِهَا فِي بَسْطِ مِظَلَّةِ الإِيْمَانِ، وَنَشْرِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي النُّفُوسِ، وَتَعْزِيزِ استِقْرَارِ المُجتَمَعَاتِ، فَالصِّيَامُ مِنْ نِعَمِ اللهِ، وَمِنَنِهِ الكُبْرَى، وَالوَاجِبُ شُكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهَا، وَلْنَتَدَبَّرْ أَثَرَ ذَلِكَ وَعَاقِبَتَهُ فِي قَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، فَلَمَّا لَمْ يَشْكُرْ هَؤُلاءِ القَوْمُ نِعْمَةَ اللهِ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالمَعْصِيَةِ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عِقَابُهُ، وَلَوْ شَكَرُوا لَزَادَهُمْ مِنْ فَضْـلِهِ، وَتَابَعَ عَلَيْهِمْ مِنَنَهُ، وَزَادَهُمْ مِنْ كَرَمِهِ. وَمِنْ آثَارِ الصِّيَامِ فِي تَعْزِيزِ قِيَمِ الأَمَانِ فِي المُجتَمَعِ أَنَّ سُلُوكَ الصَّائِمِ قَائِمٌ عَلَى الأَخْلاقِ العَالِيَةِ، مِنَ الإِحْسَانِ وَالسَّـكِينَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الرَّسُولِ r (الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرفُثْ وَلا يَجْهَلْ، وَإِنِ امرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ)، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مَبْدَأَ الاعتِدَاءِ يَتَعَارَضُ مَعَ الصِّيَامِ، وَيُنَافِي الفَضَائِلَ الَّتِي يَغْرِسُهَا فِي النَّفْسِ، فَهُوَ جُنَّةٌ أَيْ وِقَايَةٌ وَحِمَايَةٌ مِنْ أَيِّ سُلُوكٍ ذَمِيمٍ. وَفِي الصِّيَامِ كَذَلِكَ إِكْثَارٌ مِنَ الذِّكْرِ وَالصَّـلَوَاتِ، آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، يَعْمِدُ إِلَيْهَا الصَّائِمُ رَغْبَةً فِي ثَوَابِ اللهِ وَجَزَائِهِ، وَقُرْبَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا الذِّكْرُ لَهُ عَمِيقُ الأَثَرِ فِي طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ وَأَمَانِهَا، وَفي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: تَتَعَدَّدُ حِكَمُ اللهِ تَعَالَى فِي شَعِيرَةِ الصِّيَامِ فَتَظْهَرُ فِي تَأْمِينِ الأَنْفُسِ، وَحِمَايَتِهَا مِنْ أَيِّ أَذًى قَدْ يُصِيبُهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ مَعنَوِيًّا أَمْ جَسَدِيًّا، يَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي التَّيْسِيرِ عَلَى غَيْرِ القَادِرِينَ عَلَى الصِّيَامِ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالمَرْضَى، وَأَهْـلِ السَّـفَرِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فَالأَمَانُ هَا هُنَا فِي عَدَمِ تَحْمِيلِ النَّفْسِ مَا لا تُطِيقُ، وَالتَّيْسِيرِ عَلَيْهَا عِنْدَ الحَرَجِ وَالضّـيـقِ، فَتَبْـقَى النُّفُوسُ عَلَى طُمَأْنِينَتِهَا، وَتَستَقِرُّ عَلَى سَكِينَتِهَا، ثَبَاتًا عَلَى نَهْجِ الدِّينِ الَّذِي قَرَّرَهُ المَوْلَى فِي قَوْلِهِ ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾.
عِبَادَ اللهِ: اعلَمُوا أَنَّ أَمَانَ المُجتَمَعَاتِ مَسْؤُولِيَّةُ أَهْـلِهَا، وَتَبْدَأُ بِالتَّحَلِّي بِخُلُقِ الأَمَانَةِ مَعَ اللهِ تَعَالَى، وَالأَمَانَةِ فِي القِيَامِ بِالوَاجِبِ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي آيَاتِهِ البَيِّنَاتِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وَوَصَفَ بِالأَمَانَةِ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ فَقَالَ عَنْهُمْ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، وَنَهَى سُبْحَانَهُ عَنِ الخِيَانَةِ وَحَرَّمَهَا إِذْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وَفِي فَرِيضَةِ الصِّيَامِ يَتَجَلَّى هَذَا الخُلُقُ الرَّفِيعُ فِي تَأْكِيدِ الرَّسُولِ r بِقَولِهِ (إِنَّمَا الصَّوْمُ أَمَانَةٌ، فَلْيَحْفَظْ أَحَدُكُمْ أَمَانَتَهُ)، فَالصَّائِمُ يَحْـفَظُ عَهْدَ اللهِ بِعَدَمِ الإِفْطَارِ أَوْ تَعْرِيضِ صَوْمِهِ لِلْفَسَادِ بِشَيْءٍ مِنَ المُفْطِرَاتِ، وَيَتَعَزَّزُ هَذَا الخُلُقُ بِالرِّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ، فَلا تَعَدِّيَ عَلَى حُرْمَةِ أَيٍّ كَانَ، لأَنَّ المُؤْمِنَ يَعلَمُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَقِيبُهُ، لا تَغِيبُ عَنْهُ أَفْعَالُهُ، وَلا تَخْفَى عَلَيْهِ حَرَكَةٌ فِي الكَوْنِ وَلا سُكُونٌ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فَالصِّيَامُ يُنَمِّي الشُّعُورَ بِالرِّقَابَةِ، الَّتِي تَجْعَلُ المُسلِمَ يَحْـفَظُ عَهْدَ المُجتَمَعِ وَعُهُودَ النَّاسِ، وَيَلْزَمُ نَهْجَ الأَمْنِ وَالأَمَانِ، فَلا يَعتَدِي عَلَى الحُقُوقِ، وَلا يَهتِكُ أَسْرَارَ الحُرُمَاتِ، وَلا يُضَيِّعُ مَا بَنَى المُجتَمَعُ مِنَ المُمتَلَكَاتِ.
أيُّهَا المسلمونَ: إنّ نِعْمَةَ الاستقرار هِيَ مَطْلَبُ كُلِّ مخلوقٍ علَى وجهِ هذهِ البسيطةِ، ورجاءُ كُلِّ حَيٍّ فِي هذهِ الخليقةِ، تلكَ النعمةُ التِي طلبَهَا إبراهيمُ عليهِ السلامُ لأهلِهِ وقومِهِ، كما قالَ تعالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. الأمن والأمان هو مطلب الشعوب كافّة، وهو هبة من الله لعباده ونعمة يغبط عليها كل من وهبها ولا عجب في ذلك فقد قال الله تعالى ﴿فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ وقال r (من أصبح آمناً في سربه معافاً في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بما فيها). ومِنْ أهمِّ عواملِ الاستقرارِ الإيمانُ باللهِ تعالَى واجتنابُ نواهيِهِ، قالَ سبحانَهُ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) فمَنْ حقَّقَ الإيمانَ، واجتنَبَ العِصيانَ، وهبَهُ اللهُ تعالَى الأمنَ ورزقَهُ الأمانَ. ومِنْ عواملِ الاستقرارِ إشاعةُ التآلُفِ بينَ الناسِ، قالَ r (المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ فالحذرَ الحذرَ مِنَ الخلافِ والنِّزاعِ، فإنَّهُ شرٌّ يَجُرُّ إلَى الْفُرْقَةِ والضياعِ، والحذرَ الحذرَ مِنَ عصبية الانتماءاتِ فإنَّهَا شَرٌّ يُؤدِّي بالمجتمعاتِ إلَى التفكُّكِ والشتاتِ، قالَ تعالَى ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
واعلمُوا عبادَ اللهِ أنَّ حُبَّ الوطَنِ مِنْ عواملِ الاستقرارِ الأساسيةِ لأيِّ مُجتمعٍ، فالإنسانُ إذَا أحبَّ وطنَهُ استشعَرَ مسؤوليةَ المحافظةِ علَى أمْنِ بلدِهِ واستقرارِهِ، ولذلكَ سألَ النبِيُّ r ربَّهُ أَنْ يهبَهُ محبةَ الوطنِ فِي المدينةِ تحقيقاً للاستقرارِ والطمأنينةِ، فقالَ (اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أشَدَّ) لأنَّ الإنسانَ إذَا اطمأَنَّ فِي موطنِهِ استقرَّتْ نفسُهُ وأبدَعَ فِي عملِهِ وعَظُمَ إنتاجُهُ وعطاؤُهُ.
أيها المسلمون: لقد دَعَا الإِسْلامُ إِلَى تَجَنُّبِ قَتْلِ النَّفْسِ وَإِزْهَاقِ الأَرْوَاحِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾، وَشَدَّدَ فِي التَّحْـذِيرِ مِنْ هَذِهِ الفِعْـلَةِ الشَّنِيعَةِ بِأُسلُوبٍ تَرْهِيبِيٍّ مُبَيِّـنًا الجَزَاءَ الأَوفَى لِكُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ فِعْـلَهَا، قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، ونَهَى الرَّسُول r عَنْ تَرْوِيعِ المُسْـلِمِ وَإِخَافَتِهِ وإفشاء سره وَهُوَ لا شَكَّ أَخَفُّ مِنَ القَتْـلِ، إِذْ يقول r (مَنْ رَوَّعَ مُسلِمًا رَوَّعَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ أَفْشَى سِرَّ أَخِيهِ أَفْشَى اللهُ سِرَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ). ودَعَا الإسلام إِلَى السَّمَاحَةِ وَنِسيَانِ أَخْطَاءِ الآخَرِينَ فقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وَمَعَ هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ يُبَيِّنُ الحَقُّ سُبْحَانَهُ مَنْبَعَ الشَّرِّ وَأَسَاسَ البَلاءِ بِأُسلُوبٍ تَحْذِيرِيٍّ مَنْعًا لِلْوُقُوعِ فِي حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ وَتَجَنُّبًا لِخُطُوَاتِهِ، قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[، فَالمُؤْمِنُونَ أَجْدَرُ النَّاسِ أَنْ يَنْفِرُوا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَيَسْـلُكُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ المَشْؤُومِ.
عبادَ اللهِ :لـمَّا كانَ الظُّلمُ والعُدوانُ مُنافِيَينِ للعدْلِ والحقِّ الذي اتَّصفَ بهِ الملِكُ الديَّانُ، ومنافِيَينِ للميزانِ؛ الذي قامتْ بهِ الأرضُ والسماواتُ، وحُكِمَ بهِ قِسطاً وعدلاً بيْنَ جميعِ المخلوقاتِ، كانَ الظُّلمُ والعُدوانُ عندَ اللهِ تعالى مِن ْأكبرِ الكبائرِ والـمُوبقاتِ، على حسب درَجته فِي الـجُرْمِ والإثمِ والمفسدةِ فِي الأفرادِ والمُجتمعاتِ، وقد قالَ تعالى في الحديثِ القدسيِّ (يَا عبادِي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفْسِي؛ وجعلتُهُ بينَكُم ْمُحرَّماً، فَلا تَظالَمُوا)، إنَّ مِنْ أشنعِ البريَّةِ ظُلماً وأَبْشعِها جُرْماً الحكّام بالظُّلمِ والبَغْيِ والضَّلالِ والجَوْرِ والبطْشِ والنَّكالِ، الذينَ رَوَّعُوا العبادَ، وهَتَكوا حرمةَ البُيوتِ والبلادِ، وأهدروا حقوقَ البهائمِ والجَمادِ، ونكَّسُوا راياتِ العدْلِ والرَّشادِ، هؤلاء كم استنصرَهمْ قويّ جائر فأعزُّوهُ، وكمْ استصرخَهمْ ضعيف حائر فأذلُّوهُ، قدْ سَامُوا شعوبَهُمْ سُوءَ العذابِ والبَلاءِ، فقتلُوا الرِّجالَ والوِلدانَ والنِّساءَ، هُمْ أبغضُ الخلقِ إلى اللهِ تعالى وأبعدُهُمْ مِنهُ منْـزِلــةً يومَ القيامـةِ، يومَ يَبْـدُو لهُمْ مِنَ اللهِ تعالى مَالا يَحتسـبونَ مِنَ الملامَةِ والنَّدامةِ، فهُمْ على مَافَرَّطُوا يَتحسَّـرونَ ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَــاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
والظَّلَمَةُ والطُّغاةُ؛ يلعنُهُمْ مَنْ فِي الأرضِ ومَنْ فِي السَّماواتِ، بَلْ تلعنُهُمْ جميعُ المخلوقاتِ، حتَّى الحيتانُ فِي البحارِ؛ والطيورُ فِي الأَوْكارِ، قدْ نَامَ الظالمُ وأعينُ العبادِ ساهرةٌ فِي جُنَحِ الأسحار، تدعُو عليهِ الواحدَ القهَّارَ، فإذا بدعوتِهِمْ تصعَدُ إلَى السَّماءِ قدْ كُشِفَ الحجابُ بينَها وبينَ العزيزِ الغفَّارِ، فيجيبهم الله بقوله: وعِزَّتِي وجلالِي لأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بعدَ حينٍ ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ للهِ ربِّ العَالمَيِنَ﴾. فهلْ عَمِيَتْ أبصارُ الظَّالمينَ؛ وطُمِسَتْ بصائِرُ المُجرمينَ؛ عنْ رُؤيةِ مَا فَعَلَهُ اللهُ تعالى بالأُمَمِ السَّالفينَ، وهلْ صُمَّتْ آذانُ الظلمة عَنْ معرفةِ مصيرِ الطُّغاةِ الوَخِيمِ، الذي أَخْبَرَ اللهُ تعالى عنهُ فِي مُحْكَمِ الذِّكرِ الحكيمِ ﴿فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَاعَلِيهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ ولَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. فاسْألِ النَّاسَ والأوطانَ، أينَ آثارُ المُلْكِ والسُّلطانِ، ألمْ يَسمعُوا إلَى قولِ ربِّ العالمينَ ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا ســــَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ*مُســَوَّمَةً عِنْـدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. فعزاءُ المظلومينَ؛ تعزيةُ ربِّ العالميـــنَ: ﴿َلاتَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُّهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: يُقْبِلُ عَلَى الطَّاعَةِ مَنْ عَرَفَ سِرَّ وُجُودِهِ فِي الحَيَاةِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ مُنْقَلَبَهُ إِلَى اللهِ، فَهُوَ يُهَيِّئُ زَادَهُ لِلِّقَاءِ المُرتَقَبِ، وَيُعِدُّ عُدَّتَهُ لِلْيَوْمِ المَوْعُودِ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وَمِنَ الوَسَائِلِ البَاعِثَةِ عَلى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ استِشْعَارُ عَظَمَةِ نِعَمِ اللهِ وَوَافِرِ كَرَمِهِ جَلَّ وَعَلا، فَمَنْ أَحَسَّ بِجَلالِ النِّعَمِ النَّازِلَةِ مِنَ اللهِ سَعَى إِلَى مُقَابَلَةِ نَعْمَاءِ اللهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ، وَالسَّعْيِ إِلَى مَا يُرْضِيهِ، وَالبُعْدِ عَنْ جَمِيعِ مَا يُسْخِطُهُ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، وَلَمَّا كَانَ الشُّكْرُ يَعْـنِي استِعْمَالَ النِّعَمِ فِيمَا خُلِقَتْ لأَجْـلِهِ؛ كَانَ وَاجِبًا عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَستَعْمِلَ جَوَارِحَهُ فِي خِدْمَةِ مَوْلاهُ، بِإِقَامَةِ جَمِيعِ أَرْكَانِ الدِّينِ وَمَنْدُوبَاتِهِ وَسُنَنِهِ. وَمِمَّا يَبْعَثُ الهِمَمَ فِي النُّفُوسِ كذلك ذِكْرُ مَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَمَا رَتَّبَهُ سُبْحَانَهُ مَعَ كُلِّ شَعِيرَةٍ أَوْ عَمَلٍ صَالِحٍ مِنْ ثَوَابٍ جَزِيلٍ، وَعَطَاءٍ بِلا حُدُودٍ، وَفِي ثَوَابِ الصَّوْمِ عَلَى العُمُومِ يَقُولُ الحَقُّ تَعَالَى لأَهْـلِ السَّلامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ المَحْرُومَ مِنْ خَيْرِ الشَّهْرِ الفَضِيلِ لَمَحْرُومٌ حَقًّا، فَلْيَحْرِصِ المُسلِمُ عَلَى أَلاَّ يَكُونَ حَظُّهُ مِنْ شَهْرِهِ كَثْرَةَ النَّوْمِ وَطُولَهُ، وَكَسَلَهُ وَخُمُولَهُ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى عَدَمِ إِضَاعَةِ الأَوقَاتِ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ، وَأَلاَّ يُضِيعَ مَالَهُ بِالإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ فِي شِرَاءِ الكَمَالِيَّاتِ، بَلْ يُحْسِنُ تَرشِيدَ المَصْرُوفَاتِ وَالنَّفَقَاتِ، وَلْيَجْعَلْ مِنْ وَقْفَةِ المُسَاءَلَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنِ العُمُرِ وَالعِلْمِ وَالمَالِ وَالعَافِيَةِ، دَافِعًا لَهُ إِلَى الأَعْمَالِ المَنْدُوبَةِ وَالوَاجِبَةِ.
أسأل الله لي ولكم العزة في الأرض والسلامة والرضى يوم العرض، أن يكشف عنا الغم والهم، ويرفع عنا جميعا الفقر والبلاء وتسلط الظالمين والأعداء، والحمد لله رب العالمين.


 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير و برمجة: شـركة التكنولوجـيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 917397760
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه. موقع صيداويات © 2019 جميع الحقوق محفوظة