تملك فيلا بسعر شقة ... قسط واسكن فوراً - 5 صور
منتج Line-X للعزل والحماية لجميع أنواع السيارات والأبنية والأسطح - 37 صورة
مشروع ناي السكني NAY RESIDENCE في الشرحبيل (أبو عيد للتطوير العقاري)
هل ترغب في استلام النعوات (الوفيات) على الواتساب؟ للبيع / للإيجار: شقق - فلل - محلات - مكاتب - مستودعات - صالات - أراضي - مشاريع عقارية V VIP تاكسي صيدا والمطار ولبنان - تاكسي خاص بالنساء - رحلات سياحية - خدمة ديليفري مطلوب موظفين شاهد غروب صيدا في مشهد يمثل الحنين إلى مدينة الحياة - 5 صور شاهد ابن صيدا الأصيل أبو مصعب الأرناؤوط مع عربته على الكورنيش البحري - 5 صور اللجنة العليا المنظمة لدورة حسام الحريري الدولية بكرة السلة تشكر كل من ساهم بإنجاح البطولة الـ27 ​Ziad Kiwan won the 1st place in Cisco Academy Netriders competition 2017 الإجتماع الدوري للجنة قوة الرمي لجنة محافظة الجنوب مطلوب مربية لحضانة Good Morning Nursery المستقبل الجنوب استقبل وفدا أهليا من مخيم عين الحلوة - 6 صور حزب الله استقبل وفدا فلسطينيا من مخيم عين الحلوة - 4 صور المريض أحمد صادق بحاجة ماسة إلى وحدات دم من فئة +A في مستشفى حمود عطلة الصحافة في عيد رأس السنة الهجرية لجنة كي لا ننسي صبرا وشاتيلا الدولية تجدد تضامنها مع كفاح الشعبين اللبناني والفلسطيني - 10 صور الشيخ ماهر حمود: يؤكد على صوابية خيار المقاومة..ويبارك المصالحة بين فتح وحماس - 6 صور الجماعة الإسلامية في صيدا تستقبل وفداً أهلياً من مخيم عين الحلوة - 5 صور جمعية قل لا للعنف منحت الجائزة العربية للإنجاز والإبداع الشبابي للفنانة فاطمة سامي - 3 صور مدارس رسمية ترفض تسجيل الطلاب الفلسطينيين!؟ الطريق إلى قلب الزوج الأمن العام أوقف مطلوبين في صيدا الشباب.. نبع العطاء الإنساني فوج الإنقاذ الشعبي يختتم مخيمه التدريبي السنوي - 16 صورة دعوة الإتحاد العام للمرأة الفلسطينية لحفل إختتام العام الدراسي والأنشطة الصيفية - صورتان حطين- عين الحلوة بطل منطقة صيدا في لعبة Mini Football في بطولة الأندية الفلسطينية على صعيد لبنان - 18 صورة التعبئة التربوية لحزب الله نظمت الورشة التدريبية الرابعة للمعلمين في صيدا - 5 صور مسؤول مكتب شؤون اللاجئين في حماس يزور جامعة AUL وكلية سبلين - صورتان حملة يدا بيد لجمعية فلسطينيي فرنسا والكشاف المسلم - مفوضية الجنوب - 10 صور Babyland Daycare Center ارهابيّو «عين الحلوة» قرّروا الانتقال الى الهجوم عين الحلوة من عاصمة للشتات الى «مخيم للايجار»
للبيع شقة مع حديقة في الشرحبيل - 5 صورجديد مشاريع الأمل السكنية ( الأمل4 و 5 ) أسعار مميزة وتقسيط مريح، شقق سوبر ديلوكس فخمةبلشت الصيفية في مسبح Voile Sur Mer الرائع للسيدات في الرميلة - بجانب مطعم الكرم - 80 صورةمبروك عليك! دفعة أولى بس 10,000 دولار - شو ما كان وضعك فيك تقسط شقتك!DonnaSaida Country Club / قياس 100-200شقق للبيع وللإيجار + مكاتب ومحلات ومستودعات عند شركة جنرال اليكو للتجارةمبارك افتتاح مطعم مندي النعيمي – 1 - على الأوتوستراد الشرقي في صيدا - 33 صورةمؤسسة حبلي: مبيع وصيانة جميع الأدوات المنزلية/ عروضات خاصة لتركيب وصيانة جميع أنواع المكيفاتمؤسسة مارس / قياس 210-200جديد حلويات الحصان - تأمين مناسف رز ومعجنات وحلويات على أنواعها بانتظاركم - 46 صورةللبيع شقق جاهزة للسكن مع سند وإمكانية التقسيط لـ 60 شهراً في صيدا، خلف نادي الضباط - 26 صورةللبيع شقق 2 نوم - 3 نوم في شرحبيل مع تقسيط حتى 75 شهراً، سعر المتر ابتداء من 850 $ - 4 صورللبيع شقق مفرزة بمساحات مختلفة مع مطل رائع في الشرحبيل FLORENCE BUILDING ـ 24 صورةPain & Spine Center مركز علاج الألم والعامود الفقري (أحدث أجهزة في العالم) - 21 صورةقسط سيارتك بمعدل 8 أو 10 دولار باليوم شاملة TVA والتسجيل والتأمينللبيع شقق مفرزة في مشروع الإفراز العراقي، بقسطا - 14 صورةالـ Kayan High School - الأقساط ابتداء من 850 ألف! No Homeworkمجموعة MJ Services لخدمات التنظيف ورش المبيدات - 56 صورة + فيديوشقق فخمة للبيع في منطقة شواليق على مسافة 8 كيلومتر من ساحة النجمة في صيدا - 14 صورةبرادات حجازي - تجهيز مطاعم - سوبر ماركت - أشغال ستانلس ستيل - 8 صورللبيع شقق فخمة بأسعار مميزة ومواصفات عالية في مشاريع الغانم - 20 صورةمشروع قرية بانوراما السكني - فرصة العمر لتملك شقة العمر
4B Academy Arts

ذكرى رحيل حسن صعب رسالة الريادة الفكرية والثقافية من لبنان إلى العروبة والعالم والمستقبل - 25 صورة

مقالات/ تحقيقات/ دراسات - الإثنين 24 تموز 2017 - [ عدد المشاهدة: 302 ]
X
الإرسال لصديق:
إسم المُرسِل:

بريد المُرسَل إليه:


reload
1/25
2/25
3/25
4/25
5/25
6/25
7/25
8/25
9/25
10/25
11/25
12/25
13/25
14/25
15/25
16/25
17/25
18/25
19/25
20/25
21/25
22/25
23/25
24/25
25/25

المصدر/ مؤسسة حسن صعب للدراسات والأبحاث - محمد ع.درويش:  

الذكرى السابعة والعشرين لرحيل حسن صعب. تكريمنا اليوم للراحل المفكر الدكتور حسن صعب  يكون باستلهام فكره واحياء تراثه.

مات حسن صعب قبل أن يرى ثمرات بعض ما كافح وعمل من اجله. أنصفه علمه ولم تنصفه السياسة. والحديث الشريف يقول : "اذا مات ابن آدم انقطع ذكره الا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد يدعو له"، حسبه أنه ترك علماً ينتفع به. 

‏ ‏في الخامس والعشرين من شهر تموز عام 1990 رحل حسن صعب عن هذه الفانية بجسده الواهن لكن روحه المعطاءة وعزيمته الصلبة ما زالتا بيننا تواكبان تحركنا وتهديان خطواتنا في سبيل تحقيق المثل النبيلة التي آمن بها وناضل في سبيل تحقيقها ألا وهي "إنماء الإنسان ، كل إنسان وكل الإنسان" كان هذا هو شعاره الدائم وهاجسه الأوحد ومعزوفته الفريدة.

‏عاش حسن صعب حياة غنية غزيرة ، أمضاها متنقلاً في مجالات متعددة ، بدأها بالدراسة الدينية تم انتقل منها إلى الآداب فالدبلوماسية فعلم السياسة فالإعلام فالإنماء.

مارس السياسة كعالم منظر وباحث متخصص ولم يمارسها كممتهن محترف.

تعاطى شؤون الإنماء ودفع عجلته قدماً ولم يتبوأ أي مركز إنمائي تنفيذي سوى تأسيسه ندوة الدراسات الإنمائية مع نفر من أصدقائه في العام 1964 .

‏وحده الإعلام مارسه نظريا وعملياً، فقد كان رحمه الله عميداً لكلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية ، ‏ونشر العشرات من المصنفات والمقالات والأبحاث الصحفية التي أظهرت نكهة حسن صعب الخاصة وأسلوبه في الصياغة بما يمكن تسميته بالسهل الممتنع.

‏هكذا كان حسن صعب ، ‏فكلمات موجزة لا تفيه حقه ، هكذا كان الرجل الإنسان الذي نود الحديث عنه اليوم في الذكرى ال 27 لرحيله.

د. محيي الدين القيسي : نجتمع اليوم وفاءً وتكريماً، لرجلٍ عالم غادرنا و هو في قمة عطائه وفي قمة إبداعه. رجل عرف قيمة العقل في تطور الانسان و انمائه فدعا الى لبنان العقل لا لبنان العنف.

حسن صعب في مدرسته السياسية العقلانية كان يقول دائماً و يكتب ان استقلال لبنان الحقيقي هو في انمائه وتطويره من دولة متخلفة الى دولة متقدمة. آمن بالحوار و بالتوحيد وعمل من اجلهما.

نبذ التباعد والتقسيم وناضل ضدهما. آمن بلبنان الحرية والفكر والانفتاح ونبذ العبودية والكبت والتعصب.

حسن صعب ترك لنا نتاجاً غزيراً و مكتبة غنية تقدر بعشرات الكتب والمحاضرات والمقالات تشهد لفكره المستنير ولجرأته النادرة ولعقلانيته المبدعة.

حسن صعب، أنت في ضمير لبنان وفي عقول أبنائه.

أ. ادمون رزق : الى الأهل، و الصحب، و الرفاق، الى العارفين، حافظي المأثرة والمحبين، في مناسبة اليوم، تجاوز التعاطي مع الغيبة العادية، لأن الذي على ذكره نجتمع، كان من المميزين حضوراً، بين أهل زمانه. متعدد المواهب، متنوع النفحات، رأياً ودفق ذات، رجل، بذل عمره نفساً نفساً، نزفه قطرات وآهات. إنسانُ التزم عصره، وطناً وعالماً، قضية قضية، فصح نعته بالشخصية الرمز. تخطى العادي من الدلالات، و شارف الاستثنائي. إنه لواحد من رواد الشمل الجامع، و نماذج الأيمان المنيع، و ضحايا القلب الوجيع، لا لقلة في الانجاز، بل لطموح يواكب الاعجاز. واحد من صناع الوطن، وفعله العودة إلى المناهل، والالتحام بالجذور. ولئن فاته موعدها ، ‏فقد أدركه وعدها لا يحنث، وتحقق له عهدها، لا ينكث، ما دام إنسان يتوج رأس المال، ونخبة تستشف روءى المستقبل ، ‏ونهج الإنماء.

‏من صفاته ، ‏أنه كان ينتمي إلى مضمون حضاريه  تأكيدا لنسب في الروح والفكر، وتجسيداً لنوعية متقدمة من شراك الانسانية. ولئن صلي عليه في مسجد، او تليت على روحه الفاتحة، وبالتجوهد قرآنا، فإنه من اولئك الذين اسلموا بالروح ، حتى اسلموها. والإسلام سلام ومسالمة، جوهرٌ لا شكل، واندماج كوني يستعصي على الانفصالية، فكل اجتهاد مخالف، نوع من الردة.

‏وعندنا أن التصنيف الطائفي او المذهبي، ليس من الدين في شيء، وأن الايمان هو جامع المؤمنين من اي دين. فنحن نستوحى نظرتنا من مثال حسن صعب، انسان على تخوم الكونيه.

‏نلتقي، و بيننا، اكثر حضوراً منه غياباً، لأنه في اللحظة والكلمة، كما في الموضع. روحه مرفة بيننا، تجاور المقاعد ، ‏وتكاد تلامس الوجوه. لا نفتقد منه الا شيئا من المحسوس ‏والملموس، وربما، ظاهرياً فقط، غير الطلة والبسمة والصوت ، وكلها في القلوب محفوظة، وبادية امام الاعين، لا تسجى في نعش، ولا يهال فوقها تراب ، بل اقصى ما يمكن ان يلقى عليها، ضمائم زهر، وباقات رياحين، وانسام لطافٌ، وصلوات.

‏سؤال عفوي تبادر الي، ويقيناً أننا نتشارك في الرد عليه : أليس أن طاقة المحبة، والثقة، والمتابعة ، ‏واثراء التجربة، معه، باتت بحجم إبطال الغيبة، والغاء معنى الرحيل؟ وهل أغالي تعبيراً اذا قلت، إن انتقاله هو اقتراب من الكينونة الحصرية، اكثر مه ابتعاداً عن مجالات الوجود المطلق ؟

‏من عمق ايماني بأن الموت حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن حبه الحنطة إن لم تقع وتمت في الارض تبق مفردة، وإن هي ماتت تأتي بثمار كثيرة، أجرؤ، تعبيراً عن رجاء بما أنزل، وبما أوحي، وتسليماً للذي منه كان الصدع ، وكان الرجع، الواحد الأحد، الضابط الكل، الرحمن الرحيم ، اقول يقيناً، إننا، اللحظة، في موعد من تجليات الاتصال ، ولسنا فى ‏نوبة من ظاهر الانفصال.

‏شعوري الغامر الآن، أنماء محيين ذكرى غيابه، نحتفل فعلاً باحدى كرامات إيابه.

‏أليس أن الكون، ذرات ومجرات ، وحدة من صنع ربك ، منها ما يظهر للعينين ، ومنها، ما ينبض بين العطفين؟

‏أليس ان الكون روح العلي، ترف فوق الغمر، وتجنح على الاثير، او هي اضواء تشع منائر، وقامات تطل منابر، وكلام يسيل محابر، ومجالس تلتئم للأحبة عناقاً ؟

‏ثم ، ولفاصلة، في وصلة العشية، استميحكم هذا البواح.

‏ في موعدنا مع حسن صعب، ما كان لي الا ان أدلي بشهادة الحياة، التي مهرت كل لحظة من عمره، رافضاً فكرة تحويل الاحتفال بذكرى الحبيب، الى مجرد تسجيل لوثيقة وفاة، ‏وحصر ارث، لاننا قوم نوءمن بالحياة اسمراراً، وبالوجود انتقالاً، ونعترف بالذي وطىء الموت بالموت، واعطى الحياه للذين في القبور، مترجين قيامة الموتى، والحياة في الدهر ‏العتيد.

‏هنيهة تركيز بعد، ونجده حدنا، يحتفل معنا، بعودة لبنان الدولة والوطن، لبنان الوحدة والقيمة، لبنان الحضارة، الذي قعر الردة الهمجية الى الأبد، وعاد يضارب على المجد، ‏يبدع الجهد، لا برمي النرد.

د. انطوان سيف: ثمة في بعض الرجال ما ينسحب على سيرتهم المديدة والصاخبة يرسم لها خطاً لا يتخلى عن استقامته الكامنة والخفية في شتى الارتجاجات والانعطافات. 

في الانماء اكتشف حسن صعب بوصلته المشيرة دوماً الى قطب زاهر، حولها تلقاء الى تعويذة لطرد كل عصور الانحطاط ، وبرء أمراض التخلف الموروثة والمستجدة. وفي هذه الرؤية الانمائية ذات الوعود المغدقة باسراف تتحول ، المعرفة المغتبطة - على حد تعبير نيتشه - الى ورشة أنشطة علمية مكثفة بالمشاريع الكبرى، تتهيأ الظروف الفضلى لمصالحة التاريخ مع المستقبل، وتمحي حدود كثيرة بين الخيال الخلاق والوهم. بين التفاؤلية الواعية والتمنيات الشاردة. بين الارادة الطيبة والرغبات الجامحة، وبين العلم والسحر. هذه الحدود المنهارة تنحو هي بدورها باتجاه رؤية كونية انسانية تستهين بالخصوصيات الوطنية، انها تقتبس ركيزتها الفلسفية من شمولية التواصل الحضاري ووحدته النابعة من وحدة العقل البشري هذا التواصل الذي يسير قدماً على سطح هذا الكوكب بسياسة  الأبواب المفتوحة على عدوى التقدم و هكذا تكون الانسانية المطلقة هي الخلفية الحقيقة للانسانية.

وحسن صعب لم يكن ليخطىء مطلقاً هذه القاعدة على ضوئها أكد ان النزعة العقلية كالنزعة الى التدين ء لا يمكن أن تكون غربية أو شرقية ، بل هي نزعة انسانية.

‏وعلى ضوء فهمه لجدية الترابط بين الهوية اللبنانية والهوية العربية، اكد أهمية تواصل الاسلام والمسيحية في نشأة لبنان الوطن الفريد، كما قال ، الوطن القدوة . . . المصغر الابداعي للوحدة من التنوع، في التمدن العربي، والتحضر الانساني . وكل ذلك ضمن بنائه الفكري الكبير بعنوانه: " الاسلام وتحديات العصر" . وعلى ضوئها ايضا حث اللبنانيين على " الأجماع على ان الهوية العربية - كما قال - هي هويتنا الذاتية الاختيارية ، وعلى أن الثقافة العربية المنفتحة على سائر الثقافات الانسانية انفتاحاً ابداعياً هي ثقافتنا الذاتية الأصيلة".

ضوئها حذر من الخطر الصهيوني على لبنان والمنطقة العربية برمتها وعلى مستقبل العلاقات الاسلامية - المسيحية التي ان اصيبت في لبنان بالذات ستنعكس آثار اصابتها في كل انحاء العالم. . .

‏وعلى ضوئها حمل لواء الحوار والتوحيد والتعاون والعقلانية والانفتاح ، وجمع ممثلي الاحزاب السياسية في لبنان المختلفة الاتجاهات وتم التوصل الى مشروع موحد لقانون الانتخابات النيابية عام 1971 تجاوز الاقطاعية والطائفية باتجاه الديمقراطية اللبنانية الحقيقية.

فالمؤلفات الاحصائية والعلمية والاقتراحات حول انماء المحافظات اللبنانية لم تكن عنده من أجل ادخال الانماء الى المناطق اكثر مما كانت من اجل ادخال مقولة الانماء الى الفكر السياسي وكفى الانماء ان يشهد صراحة على العقل السياسي العربي المسحر في الانحطاط. حارب الايديولوجيات السياسية والحزبية بتكنوقراطية الانماء. ولكنه لم يلبث ان حول هذا الانماء الى ايديولوجيا نخبوية. استقرب الوصول الى السلطان متوهماً بذلك الوصول الى السلطة نفسها، وآلت مشاريعه الهدايا تلقى الى خزائن السرايات المظلمة وأرشيفها، وكان ذلك جزاء من يكابر بالتوهم بأن ثوب السلطة القديم قادر أن يحمل بكل بساطة مشاريع جديدة.

‏لا يعرف اين زرت الحرب رماد العدد من مقالاته حول العلمنة ، والاصلاح ...

‏آمن بعمل المؤسسات والمجموعات، ولكنه انتهى الى مؤسسة الرجل الواحد.

‏ماذا نكتب على شاهد ضريحه ؟

‏هنا يرقد من زرع الارض كلاماً على فوائد الانماء، وكدس اخلاصاً وطنية فردوسية في أطنان من الورق ، ‏وكتب وصفات لكل أمراض العصر، وناقش وقارع وأرسل مذكرات واصدر توصيات وحضر مؤتمرات وأسس هيئات وجمعيات "في سن الرابعة عشرة فقط يؤسس جمعية متخرجي مدرسة ابي بكر الصديق ، وفي السن المبكرة ذاتها يرئس ايضاً تحرير مجلة مدرسة عمر الفاروق في بيروت" وشارك في لقاءات لبنانية وعربية واسلامية و دولية . . .

ولكن في عقر معركته الاساسية الانمائية التطورية ، حمل مع ذلك الوية خفاقة من الهزائم والخيبة.

‏اية ابحازات له ، حسية معبرة ، يمكنها أن تحمل صدقية تخليده؟ السخرية من تراثه سيبقى له أربابه وأزلامه. وكذلك العاملون بالثقافة الملتزمة وبجذورها.

‏الكثير من سيرته تأريخ للنزاعات المحبطة التي يرميها التاريخ على فارعته. أهي خيباته هو أم خيبات أجيال. وخيبات عصر عربي وثقافة مهزومة ؟

كبرياء حسن صعب انه صفع وجه بحيرة شبه راكدة، وهز بعنف ابواباً موصدة باقفال صدئة، ورفع التحدي ضد التخلف الى مستوى الرسالة والمعركة اليومية.

‏ورغم كل قساوة المرحلة ظل يروج لفضاء لانهائي الامل ، ومن غير ضجيج، اودعنا سماءه و رحل.

د. أحمد عمر يوسف : في هذه اللحظة التي نقف فيها بخشوع وفاءً للرجل الفكر وللرجل الموقف وللرجل الرؤية وللرجل الانتماء الرجل الانتمائي الى الامة العربية العظيمة. اعبر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الكسو". وبإسمي عن الاعتزاز للمشاركة في هذه المناسبة تقديراً وتكريماً لذكرى فقيد الفكر والثقافة. المرحوم الاستاذ الدكتور حسن صعب الذي ظل رحمه الله مدداً وعطاءً انسانياً لا ينطفىء عاملاً في سبيل اعلاء الفكر والثقافة العربية وتأصيل كيان ‏فكر الامة وهويتها.

فلقد كان رحمه الله يجسد قيماً متميزة، قلماً وسلوكاً وموقفاً...

‏وان المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لتذكر بتأثير بالغ نضاله من اجل التحاق لبنان العزيز بالاسرة العربية الكبرى تحت لواء المنظمة.

وقد تم ذلك وكان المرحوم العزيز اول عضو في المجلس التنفيذي للمنظمة وطالما ‏اثرى المرحوم اعمال المجلس بآرائه العديدة ومداخلاته القيمة. فقد كان مدافعاً اميناً عن قيم الامة وتراثها منادياً بضرورة اسهامها في الحضارة المعاصرة رافضاً لكل انماط التبعية والاستيلاب.

‏اما الاجيال العربية التي نهلت من فكره وعطائه وانتفعت بمؤلفاته المتنوعة ستظل تذكره بوفاء استاذاً ومناضلاً ومحاضراً بليغاً ومفكراً قومياً وعالماً جليلاً.

‏وان اعمال فقيدنا الغالي على تنوعها وغزارتها ستبقى في المكتبة العربية من الذخائر الحضارية في تاريخ الامة والانسانية وستظل كما هي مشاعل معرفة في اصقاع الوطن العربي. وفي اوطان شتى في الارض لما تستحق من تكريم وعناية.

‏إن المنظمة لتعتبر هذه المناسبة اسهاماً قوميا فمن تكريم العلماء والحكماء من ابناء الامة كما تعتبر بكل اعتزاز بأن لبنان الشقيق قد قدم بالدكتور حسن صعب مساهمة حضارية متميزة في صرح الثقافة والفكر العربيين.

د. رفيق عيدو : الحديث عن حسن صعب كبير بقدر صاحبه، حسن صعب المدافع عن شرعة حقوق ‏الانسان كل الانسان في أي مكان من العالم.  فالانسان هو الانسان ، ولا فرق بين الناس من اية طينة كانوا، وهذا هو التكافل الاجتماعي الذي نشأ عليه حسن صعب في دراسته الأزهرية، واتخذه مبدأ له في مسيرته الفكرية و السياسية و في تعلمه الجامعي. فكانت اتجاهاته مناهج قويمةٍ لابنائه الذين حالفهم حظ وافر فنهلوا من ينابيع ايمانه بالانسان اساساً للكون وبالوطن واحداً موحداً و سيداً مستقلاً.  

‏وفي السنوات العجاف التي عصفت بلبنان كان له دور توافقي، فكان همزة وصل بين ‏الفرق من كل المعتقدات والتوجهات، فما انحاز الى فريق ، بل كان همه ان يجتمع اللبنانيون على كلمة سواء بينهم : هي بقاء لبنان وطناً للجميع.

‏ولقد آمن حسن صعب بتكامل وطنه لبنان مع محيطه العربي فجاهد في هذا المجال الى ابعد ‏الحدود، فكان له الدور البارز في انضمام لبنان الى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وحسب حسن صعب ان انسانيته تجاوزت حدود الوطن العربي لتعم العا لم ، وتتردد كلماته على كل لسان من خلال ندواته ومحاضراته التي لا تحصى.. فكان شعاره "انماء الانسان كل انسان وكل الانسان" يجعلنا ندرك الابعاد التي كان يهدف اليها، وهي قيمة الفرد في تكوين المجتمع وتكامله ، وقيمة المجتمعات في تكوين العالم الانساني.

‏فالذات الانسانية هي المحور وهي القاعدة التي بيني عليها هرم حياة الشعوب ، وما دونها مسخرٌ لخدمة الانسان. وانماء الانسان الفرد في اية بقعة من الارض يعني انماء البشرية‏ بكل طاقاتها وقدراتها. واهمال الانسان الفرد بعيداً عن اكتفاء مجتمع ما يعنى انهيار هذا المجتمع وانسلاخه من اطر التحضر والانسانية .

أ. محمد قباني : الحديث عن حسن صعب كالحديث عن امثاله من الشخصيات الفكرية او النضالية الغنية المتنوعة الكفاءات والاهتمامات، يجب ان ينطلق من معرفة الجانب الانساني في الشخص المعني.

‏وحسن صعب المفكر الاسلامي والدبلوماسي وأستاذ علم السياسة ورائد الانماء في لبنان والمبشر بمعجزات الثورة العلمية والتكنولوجية وطليعتها ثورة المواصلات الاعلامية والمناضل اللبناني العربي، والمنادي بحتمية التواصل الانساني.

حسن صعب هذا هو قبل كل شىء الانسان الذي حقق الابداع في كل هذه الحقول والمجالات. الانسان بكل ما فيه من عناصر وراثية وتجربة حياة. والانسان عنده محور كل شيء. فهو الرأسمال الأول لأي شعب حي. وهو محور الانماء الذي خصص له ربع القرن الاخير من حياته. ألم يكن شعاره الدائم انماء الانسان ، كل إنسان وكل الإنسان.

‏وقد اتاحت لي صلة قربى تطورت الى صداقة فيما بعد، أن أعرف حسن صعب الانسان منذ طفولتي، وأتعلم منه ، ومن تجربته الغنية، وسيرة حياته التي تميزت بالنضال المستمر منذ أتى الحياة الدنيا يتيم الاب حتى الساعات الاخيرة قبل مغادرتها وهو على فراش الموت، فاقدا القدرة على الكلام ، ملوحا بقبضة يده اليمنى للأحبة الهلعين حول فراشه، شادا من ‏عزيمتهم ، وكأن المريض سواه.

مرحلة الطفولة

ولد عام 1922 وحيدا من زواج أبيه وأمه القصير العمر. فوالده حسن صعب الذي حمل اسمه توفي قبل ولادته بثلاثة اشهر، وكان عائدا من مصر بطريق البحر فدفن في فلسطين ، ووالدته حفصة نعماني. وكانت جدته هند نعماني مربيته الاولى وهو رضيع. ثم تعهدته أخته منتهى دوغان مع ابنتها سامية (أي والدتي) التي كانت تكبره بستة أشهر. فكان خالا لها وأخ رضاعة في آن. وكانت أخوة وصداقة  استمرت طوال ‏حياتهما، اذ غادرت الحياة كما أتت اليها، ‏قبله بعدة أشهر.

‏سيرة حياته منذ طفولته ترسم صورة الانسان العصامي المكافح.                                                                         ~

بدأ دراسته في ابتدائية أبي بكر الصديق ، من مدارس جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في ‏بيروت ، وكان يعمل أحياناً منذ كان في الثانية عشرة ليؤمن دخلا اضافيا.

‏الدراسة في الكلية الشرعية ثم في القاهرة

‏عام 1935 اختار المفتي الشيخ محمد توفيق خالد مجموعة من طلبة المقاصد للدراسة في الكلية الشرعية في بيروت (المعروفة بذكرى خالد والحوت) (عرفت لاحقا بثانوية أزهر لبنان) وضمت الى حسن صعب ، محمد البعلبكي، بهيج عثمان ، رمضان لاوند، شفيق يموت ، محي الدين العربي العزوري، عبد الله المغربل ، زين العابدين عيتاني، ابراهيم نحاس، ابراهيم زين، رؤوف كزكزك (من حماه). أحمد يوسف حمود، محي الدين خالد وعباس ‏خليفة.

‏ثم اختار بعد سنتين دفعة ثانية أبرز من فيها حسن خالد (مفتي الجمهورية اللبنانية لاحقا) ‏سهيل ادريس، طه الولي ، عبد الحفيظ سلام ومختار الجندي. بعض هؤلاء التلامذة انتقل الى الدراسة المدنية باكرا كمحمد البعلبكي الذي تابع دراسته في الجامعة الاميركية في بيروت. والبعض الآخر انتقل ال الازهر الشريف في القاهرة، ثم انتقل الى كلية الآداب بجامعة القاهرة ومنهم حسن صعب وبهيج عثمان حيث نال شهادة الليسانس عام 1942.

‏في جامعة القاهرة كان حسن صعب لولب الحركات الطالبية وقائد المظاهرات المطالبة بالاستقلال والحرية. وعندما قاد تظاهرات الترحيب بأول وفد استقلالي لبناني يزور القاهرة برئاسة رياض الصلح عام 1943 ، طلب منه رياض العودة الى لبنان للالتحاق بوزارة الخارجية.

المرحلة الدبلوماسية الاولى 1944 – 1960

وفي طريق عودته برا ال بيروت اعتقلته السلطات البريطانية في فلسطين عقابا على نضاله الطالبي العربي في مصر. و لم يفرج عنه الا بعد ضغوط كبيرة مارسها أصدقاؤه في بيروت. بدأ حياته الدبلوماسية مع أول مباراة في وزارة الخارجية عام 1944 فألحق بمفوضية لبنان في باريس عامي 1945 – 1946 ضمن البعثة الدبلوماسية التي يرأسها أحمد الداعوق، ثم كنائب قنصل في اسطنبول ( 1946 – 1947)، فرئيس لدائرتي الصحافة الثقافية في الادارة المركزية لوزارة الخارجية اللبنانية (1947 - 1950) ثم عين سكرتيرا للسفارة اللبنانية في واشنطن وقائما بالاعمال بالوكالة (1950 - 1956) وكان السفير يومها، شارل مالك. وفي واشنطن أنهى دراساته العليا ونال الدكتوراه في علم السياسة عام  1956 من جامعة جورج تاون.

‏وعاد الى الادارة المركزية لوزارة الخارجية عام 1956 ليصبح مستشارا ومديرا للشؤون السياسية بالوكالة. عام 1957 وكان استاذا في الجامعة الاميركية في بيروت، تعرف الى نعمت حبيب غندور، فتزوجها، وانجب منها ولداه حسان ومروان. وأسس عام 1958 الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية وكان أول رئيس لها.

‏استقال من وزارة الخارجية عام 1960 ليخوض معترك الحياة السياسية العملية بعد أن درس علم السياسة في مختلف الجامعات في لبنان. وكانت تجربة انتخابات دائرة بيروت الثانية مريرة بالنسبة له.

فالبلاد كانت خارجة من أحداث 1958 تعيش مناخاتها السياسية المتطرفة وكان الفوز في معظم مناطق لبنان لرموز ما عرف "بالثورة" و "الثورة المضادة" . وحورب الدبلوماسي المثقف والعصامي ابن مدارس المقاصد والازهر الشريف بأنه غربي الميول السياسية. والحقيقة أنه كان منفتحا ومطلعا على الثقافة الغربية مع التزام بجذوره الثقافية العربية - الاسلامية، ومع التزام بتوازن دقيق يجمع بين القومية العربية ‏والوطنية اللبناية بصيغة كامل لا تناقض.

المرحلة الدبلوماسية الثانية 1961 - 1964

عاد الى العمل الدبلوماسي عام 1961 كمستشار ثقافي لبناني في أميركا الشمالية. وفي الفترة بين 1961 و 1964 قام حسن صعب بنشاط خارق زار جميع الولايات الاميركية بالاضافة الى كندا، وألقى محاضرات في مئة وثمان وعشرين جامعة تناولت مختلف القضايا ‏اللبنانية والعربية مع تركيز خاص على القضية الفلسطينية والتواصل الاسلامي المسيحي. كما اتصل شخصيا بكل طالب لبناني في الولايات المتحدة وكندا حاثا إياه على العودة ‏الى الوطن.

بيروت اولاً و اخيراً مرحلة العطاء الكبير 1964 – 1990

‏كان هوى حسن صعب يبقى في لبنان ، في العاصمة بيروت، وفي منطقة رمل الظريف - الزيدانية بشكل خاص. فاتخذ عام 1964 قرار الاستقرار النهائي في بيروت. استقال من السلك الدبلوماسي نهائيا وانصرف الى التدريس الجامعي والكتابة. وأسس مع زكي مزبودي وشارل رزق " ندوة الدراسات الانمائية" التي قام لها الجزء الأكبر من حياته وأطلق مع رفاقه، ومن خلالها، بداية الوعي الانمائي، وضرورة تحقيق ثورة انمائية أرادها ‏شاملة وفي مختلف الحقول. ربع القرن الاخير من حياة حسن صعب وفي بيروت وخارجها تميز بالعطاء اللامحدود. تدريس في الجامعات : اللبنانية والقديس يوسف والروح القدس في الكسليك والجامعة الاميركية والاكاديمية اللبناية والمدرسة الحربية بالاضافة الى المعاهد العليا في القاهرة وجامعة الكويت وجامعة الرياض فضلا عن جامعة اوتاوا في الولايات المتحدة الاميركية. وعمادة لكلية الاعلام والتوثيق في الجامعة اللبناية، وتأسيس لهيئة التعبئة الوطنية في بيروت اثر نكسة حزيران 1967، والتي نشط فيها برئاسته نخبة المثقفين والقياديين اللبنانيين في مختلف الحقول في تجربة تعبوية فريدة. واذا كان البعض قد انتقد تلك التجربة في حينه واعتبرها تنفيسا للطاقات التي  تفجرت ما بعد النكسة ، ‏فان الاكثرية اعتبرتها تعبئة حقيقية في مجال ايجابي، وان كان نظريا، لطاقات لم يكن متاحا لها أصلا ان تشارك في الحرب على الجبهات. وأبرز ما فيها أنها شملت مختلف الاتجاهات السياسية في عمل موحد من أجل قضية قومية : قضية الصراع العربي - الاسرائيلي ومن منطلق يعتبر الصراع حضاريا بالدرجة الأولى ويعمل على هذا الاساس .

‏وتحقيق لمشروع قانون انتخابي موحد شاركت في وضعه جميع الاحزاب اللبنانية عام 1973 بعد اجتماعات متواصلة استمرت عدة أشهر في ندوة الدراسات الانمائية وهو ما اعتبر في حينه انجازا كبيرا لا يستطيع تحقيقه سوى حسن صعب.

‏وتنظيم أو ترؤس او مشاركة في عشرات المؤتمرات والندوات والمحاضرات بينها 14 مؤتمراً انمائياً في بيروت وحدها بين اعوام 1964 و 1990 فضلا عن تأسيس معهد الانماء العربي في طرابلس الغرب 1972، وهو المؤسسة التي ارادها موقعا للعلماء العرب المنتشرين في العالم، وحلم  بمدينة للعلماء تحضنهم، وهو حلو لم يتحقق لانقطاع علاقته بالمعهد بعد فترة قصيرة من تأسيسه. وعشرات المؤلفات في مختلف الحقول ومئات المحاضرات في مختلف بقاع الارض.

‏وانجاز لبناني تاريخي لحسن صعب لعله انجازه الاكبر كما يقول الرئيس سليم الحص وهو ادخال لبنان في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الكسو) بعد غياب لبناني استمر عشرين عاماً ، ‏وانتخابه عضوا في مجلسها التنفيذي ونائبا لرئيس مؤتمرها العام سنة 1985، قبل خمس سنوات من اقرار مجلسي الوزراء والنواب لانضمام لبنان للمنظمة المذكورة. وكان يوم الثاني والعشرين من تموز 1990 ينوي السفر الى تونس للشماركة في اجتماع المجلس التنفيذي وليزف للعرب بشرى قرار مجلس الوزراء بتصديق انضمام لبنان الى "الكسو" عندما فاجأته النوبة القلبية الاخيرة.

نظرة الى الانسان

لو كان علي أن اختصر نظرتي الى حسن صعب الانسان الذي كان لقلت: كان عقلا وكان ارادة. كان عقلا نيراً وارادة صلبة. العقل عنده برأي هو عقل الفيلسوف المنفتح على مختلف العلوم والثقافات والتجارب الانسانية، الحالم بمستقبل أفضل لأمته وللإنسانية. وهو العقل الذي جعل منه في آن المفكر الاسلامي والدبلوماسي واستاذ في علم السياسة ورائد الانماء وسوى ذلك. هو العقل الذي ينهل من تراثه العربي والاسلامي ويتكيف مع آخر الانجازات العلمية والتكنولوجية.

‏هكذا كان طفلا في الكلية الشرعية عندما اعتبر أن غايتها : (الكلام له) "أن تجمع في ‏تعليم الطالب بين علوم الدين وعلوم الدنيا ، ‏لتهيء المتخرج لأن يعلم الانسان علوم الدين بلغة دنيوية، أي علوم السلف بلغة العصر. فعُمدنا ونحن نكاد نتجاوز الثانية عشرة من عمرنا "مشايخ عصريين".

‏وهكذا كان عندما ألف كتابه الرائد "الاسلام وتحديات الحياة العصريية" الذي دفع ببعض السياسيين لترشيحه لمنصب الافتاء لكنه اعتذر.

‏كان يؤمن بقدرة العقل البشري على صنع التقدم ، وكان يؤمن بأن للعقل العربي دورا يجب أن يلعبه في الحضارة الانسانية ، وان الشعب الذي ابرز يوماً "ابن خلدون" و "ابن ‏رشد" وسواهم قادر أن يلعب الدور الرائد في العالم من جديد. وكان يعتقد أن التواصل الحضاري بين الامم هو الطريق الى المستقبل. وطريق العرب بشكل خاص. وفي هذا المجال قدم كتابه "تحديث العقل العربي".

واذا كان لحسن صعب عقل الفيلسوف العصري، فقد كانت له ارادة حديدية جعلت البعض يشبهه بالجرافة البشرية. وصفه البعض بأنه ليس حسن صعب بل "حسن مستحيل". و كان يضحك لهذه التسمية. والحقيقة أنه كان طوال حياته يقهر الصعاب ولا ‏يعرف المستحيل.

‏عندما ساءت صحته وهو في الخامسة عشرة قضى قرابة عام كامل في بحمدون الضيعة ‏برعاية الشيخ يوسف الهبري. وقد أكمل في المنزل دروسه كاملة ورفع الى الصف الاعلى دون أن يؤثر وضعه الصحي على تقدمه الدراسي.

‏وكانت ارادته تدفعه دائماً لتحقيق ما يعجز عنه غيره. وهل حقق سواه مشروع قانون موحد للانتخابات النيابية شاركت في وضعه جميع الاحزاب ؟

‏وهل يستطيع غير حسن صعب أن يدخل بلاده في منظمة عربية اقليمية (السكو) وينتخب عضوا في مجلسها التنفيذي قبل ان تقر حكومة بلاده أو مجلسها التشريعي الانضمام اليها بخمس سنوات.

‏وحسن صعب دائم التجدد، دائم الشباب، صديق مختلف الاجيال. فهو صديق احمد الداعوق، وزكي النقاش وعبد الله اليافي الذين يكبرونه بحوالي ربع قرن، وصديق عبد الله المشنوق، وصبحي المحمصاني، وحميد فرنجية، وجميل مكاوي، وقسطنطين زريق ، ‏وادمون رباط، وعبد الله العلايلي ومحمد علي حماده، الذين يكبرونه بعشر سنوات أو أكثر ومنير غندور الذي يكبره بثمان سنوات. وصديق الشيخ حسن خالد والشيخ صبحي الصالح ، وبهيج عثمان ، وجوزيف مغيزل وزكي مزبودي الذين تتقارب أعمارهم مع عمره. وصديق عصام خليفة والهام كلاب ، ‏وروحي بعلبكي، وسواهم ممن يصغرونه بجيل كامل. ونقرأه في كتابه " شخصيات عرفتها وأحببتها´´ يقول : " ان كل انسان منا يتعلم من الانسان الآخر، طفلا كان هذا الانسان أم شيخاً، ويتعلم منه من طور الطفولة حتى طور الشيخوخة. وبوسعي أن أقول بأنني لم أقابل أي انسان الا واغتنيت بمعرفته.  فكل انسان هو ثروة مكنونة في ذاته".

وأذكر في هذا المجال قوله في حزيران الماضي عندما سألته عن مشاريعه بعد التقاعد وكنت اتوقع مشاريع راحة مع الاسرة في الولايات المتحدة فاذ به يحدثني عن مشاريع عمل جديدة في لبنان. وضحك قائلاً :"انني أشعر أنه لا عمر لي أي انني لا أشيخ".

‏وقد أساء البعض تفسير بعده عن زوجته وولديه طوال سنوات الحرب، وربما اعتقد هذا البعض أن السبب خلاف ما. والحقيقة أنه أصر على سفر ولديه لاكمال الدراسة في الولايات المتحدة وعلى مرافقة والدتهما لهما بسبب صغر سنهما. وبقي هو على ارتباطه بأرض الوطن فظلم نفسه من اجل بلاده بعيدا عن عائلته. وكان ينتظر الفرص بفارغ الصبر ليكون ال جانب زوجته وولديه. ليكون أباً وهو الذي حرم من ان يكون له أب ولو ليوم واحد.

‏حسن صعب الانسان هو رجل الحوار الدائم والمؤمن بحرية الرأي وبالديمقراطية يمارسها ويبشر بها. نراه يحاور في بيروت ويحاور في انطلياس وفي طرابلس وزحلة ويحاور الاشقاء العرب والاجانب في المؤتمرات الدولية في شتى أنحاء المعمورة. لم يكن يعترف بباب موصد أمام الحوار بين اللبنانيين، وبالتال اخترق كل حواجز الحرب النفسية والأمنية وزار معظم المناطق اللبنانية وكان لولب الكثير من مؤتمرات الحوار الوطني، ولعل من أبرزها الحوار الذي قادته ندوة الدراسات الانمائية بشخصه مع نقابة الصحافة بشخص نقيبها رياض طه في مطلع الحرب عام 1975 .

‏وشارك في العديد من مؤتمرات الحوار الاسلامي المسيحي في سائر أنحاء العالم وأبرزها هيئة الحوار الاسلامي المسيحي للندوة اللبنانية في بيروت 1967 – 1968  وحلقات الحوار الاسلامي - المسيحي لمجلس اتحاد الكنائس المسيحية 1970 - 1976 .

‏وكان لولب النشاطات الثقافية ليس فقط من خلال الجمعيات التي أسسها منذ كان طالباً في مدرسة أبي بكر الصديق بل من خلال التجمعات الثقافية التي شارك بها مع أبرز الهيئات الثقافية اللبنانية في السنوات الثلاث الاخيرة.

وفي كل حياته الحوارية والفكرية كان حسن صعب ثورة مستمرة من اجل العقل والاعتدال وصنع التقدم. وجسد حسن صعب، التكامل الدقيق بين الايمان بالله، والثقة ‏الكبيرة بقدرة العقل البشري على صنع التقدم.

‏قليلون هم الحياديون او اللامبالون في نظرتهم لحسن صعب ، فمعظم الناس معه أو ضده كما الحال بالنسبة لأصحاب الفعل والموقف في شتى المجالات. والرجل مقاتل مدني يقاتل بالكلمة والموقف من اجل كل ما يؤمن أو يقتنع به. لايهادن ولا يجامل. لا يهمه من يرضى ومن يغضب. المهم أن تسير جرافته البشرية لتحقيق أهدافها، تقتحم الصعب وتتحدى المستحيل.

لهذا نجح كأبرز اساتذة السياسة وعلمائها و لم ينجح كسياسي محلي. نعم، مقاتل مدني ومناضل من اجل الحياة ومن أجل التقدم من البداية حتى النهاية. أو لم يناضل منذ يومه الاول ضد اليتم والفقر والمرض والجهل. أو لم يكتب في مذكرات اليوم الأخير وكانت الأزمة القلبية قد داهمته :

‏"خلقنا لنحيا، الحياة وحدها تستحق أن نكونها، وأنا أريد أن أكون ، أريد أن أحياء أريد أن أتحرك، أريد أن أخلق، أريد أن أذهب الى تونس لأحارب من أحارب في "السكو" ولأسالم من أسالم. هكذا كان وجودي في هذه المنظمة بعد ان اقتحمت لبنان فيها عام 1985 بعد مقاطعة خمسة عشر عاما. لماذا فعلت ذلك، لأن لبنان عربي، بل رائد في منظمة الثقافة العربية".

والرجل الذي لم يتوقف عن الكتابة أثناء نوبته القلبية الاخيرة ، حسن صعب العقل النير والارادة الجبارة ، لم يتوقف عن العمل المتواصل ليل نهار. لم تثنه عملية القلب المفتوح في لندن عام 1974، ولا نصائح الاطباء في السنوات الاخيرة بعد نكستين صحيتين في القلب عامي 1986 و 1987  فنشر في العام الاخير ثلاثة كتب وترك عدة مخطوطات غير منشورة و كأنه يسابق القدر.

حسن صعب لم يحاول يوماً أن يجمع مالاً، لكنه ترك ثروة ‏ضخمة من الكتب والمقالات والانجازات العلمية، وعائلة صغيرة، العلم محورها : حسان الدكتور في الهندسة الكيمائية، ومروان الد كتور في طب الاشعة، والزوجة نعمت الدكتورة في علم المكتبات.

في الساعات الاخيرة وفي رواق مستشفى الجامعة الاميركية المجاور لغرفته سألت ابن خالته، وفيق العجوز، هل أنتما من عمر واحد، الثامنة والستين؟ فأجابني : عمر حسن صعب الحقيقي ليس المذكور في هويته الشخصية، لقد عاش حسن خمسماية سنة. فعطاء كل سنة من حياته يوازي عدة سنوات.

‏وبجوارنا على فراش الوداع كان حسن صعب في ساعاته الاخيرة قلبه ورئتاه يشغلهما جهاز التنفس الآلي. فاقدا القدرة على الكلام. العقل والارادة سليمان ، يرفع يده اليمنى، شادا قبضته لدى دخول أحد الاحبة غرفته، فهو يريد ان يؤكد ويقول، ما زلت أناضل.

د. روحي البعلبكي : إذا كان لكل عبقري في ميزان التاريخ ثقل نوعي تختصر به طاقاته، وتحد أبعاده، فإن لحسن صعب، المتعدد الجوانب، المتنور المواهب، فوق الثقل المميز، بصمات خالدة، وأصداءٌ مدوية، وشعلات باهرة، ومحطاتٌ - معالم، ومواقف حواسم، ودروس هي للناس عِبَرٌ وفِكرَ.

مهما حاولت أن تختصر حسن صعب في سجلات هيرودوتوس وأمام بوابة التاريخ وفي حضرة مطرقته الكبرى، فإنك لا بد عاجز عن أن تغفل أياً من تلك الجوانب - الآثار. فحسن صعب، بما سطّر وبشّر، يتحداك أن تكون منصفاً ، وأن تنسى، مع ذلك، واحداً من ينابيع عطائه المتدفق. ولذلك ، فأنت لن تنسى مدرسته الإنمائية، ولن يفوتك فكره الديني، ولا السياسي أو الفلسفي أو الإعلامي أو التربوي أو الاجتماعي، ولن تغيب عن بالك نظراته وآراؤه في الحضارة والثقافة والعروبة والاسلام والانسان والكون والمستقبل.

ويخلبك في حسن صعب أنه خاض الكتابة في كل هذه الميادين، بل واكثر، فأبدع في كل جملة دبجها وفكرة صنفها. وهو، الى ذلك، مطبق لما يعلن، ممارس لما يلقن. وهو محب اليك قوله، مقنع إياك بكلمته. شامخ كالطود، ومتواضع كالنهر. يستشرف آفاق المستقبل، وينطلق بك مسرعاً الى أقصى المدى. الانهزامية أولى ضحاياه، والوعي ضالته ‏المنشودة.

‏وعليه، فلعل اقل ما يقال في حسن صعب هو أنه كاتب، مع أن اعظم ما في حسن صعب هو أنه كاتب.

أولاً      : موضوعاته

ما ترك حسن صعب موضوعاً فكرياً إلا وطرقه.

‏1 -  كتب في علم السياسة، فردم الهوة ما بين الفكر السياسي والحياة السياسية. وشرح البعد الوظيفي لعلاقة الحاكم بالمحكوم ، معتبراً أنها تقوم على أساس الثقة والاحترام والتكافل والتضامن ، لا التأليه ولا الازدراء. ولخص علم السياسة بأربع كلمات ، إذ قال " موضوعه القدرة و غايته الحرية".

واستخلص في كتابة "علم السياسة" قواعد علمية، بعضها ثابت والآخر متحرك ، مستقرئاً إياها من نزعة الإنسان إل تجسيد تطلعاته السياسية المثالية في النظم السياسية والسلوك السياسي والقيادة السياسية. وهو القائل : "إن تحسين الحكم رهن بفقه السياسة، أي بفهم حقيقتها وقوانينها وحركياتها فهماً وضعياً مستقيماً ". وهو الملقن دارسي علم السياسة أن يحققوا غاية السياسة الحقيقة وهي رد الاعتبار الإنساني لكل إنسان.

‏وترجم كتاب "تكوين الدولة" لروبرت ماكيفر، لأنه لمس أنه بالرغم من تعمق مؤلفه في استكناه الظاهرة السلطوية المكيافيلية، فإن هذا التعمق لم يفقده مثاليته الإنسانية، وشغفه بالحرية ، وحبه البحث عن الحقيقة على هدي العلم. وفي هذا الكتاب يقول حسن صعب إن العرب لم يدرسوا بعد تجاربهم السياسية الماضية والراهنة دراسة علمية، وهو يسأل أن تسهم تربته هذه في تعزيز الاهتمام العربي بدرس الظاهرة السياسية درساً منهجياً.

2 -  وكتب في الإسلام خصوصا، والدين عموما، ولا سيما في كتبه الثلاثة "إسلام الحرية لا إسلام العبودية"، و "الإسلام وتحديات العصر"، و "الإسلام والإنسان".

‏آمن حسن صعب با لله إيماناً عميقاً، ورأى وحدانية الإسلام أهم عقيدة لترقي الإنسان وتقدمه ، ووعى ان القرآن الكريم أقوم منهاج لمعراج الكمال الذاتي. ولأن توحيد الله هو تحرير للبشر من كل ما يفرقهم ، فا لله سبحانه هو المحرر الأول والآخر، وهو الموحد الأول والآخر. والله هو مقياس كل وجود، وهو سبحانه مقياس كل موجود. وغاية القرآن هي أن يحرك في الانسان وعيه الأعلى بعلاقته با لله وبالكون. وإن المفهوم القرآني الكلي للعمل وللإنسان وللحرية يتلازم مع مفهومه للحكم وللتنظيم الإنساني المستقبلي الأفضل.

‏إن إعجاز الإسلام الأكبر، كما يراه حسن صعب، هو أنه يمثل البعد الأزلي فى نفس الإنسان وحياته. والإنسان الذي يفرض علينا القرآن أن ننشده ، هو إنسان يؤمن با لله ‏إيماناً عميقاً وخلاقاً؛ إنسان مؤمن بالحقيقة ، باحثاً عنها بحثاً لا نهائياً؛ إنسان تغمر المحبة علاقته بالكون وبكل إنسان آخر؛ إنسان مؤمن بحرية كل إنسان ، ويصون كرامته وكرامة كل إنسان ، ويقدس حقه فى الحياة وحق كل إنسان؛ إنسان يؤمن بالعقل؛ إنسان يؤمن بأن الانسانيه كلها هي ديمقراطية روحية كبرى تسودها المحبة والحريه والعدالة. إن هذا الإنسان الكامل هو ضاله الإسلام المنشوده.

‏والإسلام ، بمفهوم الدكتور حسن ، ثورة اجتهادية دائمة ، عمادها العمل الفاضل الذى يشكل أساس سُلم القيم فى المجتمع. وحكم الإسلام هو حكم الحرية، لأن سياسة الإسلام هي صناعه الحرية ، ولأن الاسلام كدين ما هو إلا دين الحريه. وينبني على هذا أن كل ما أتى به الإسلام من فكر ومؤسسات هو (أولاً) تطوري، (ثانياً)انفتاحي، (ثالثاً) إبداعي،(رابعاً) مستقبلي.

ولا ينسى الدكتور حسن، بنظرته التوفيقية التحاورية الشمولية أن يلاشئ ما بين الديانتين العظيمتين، من منطلق أن المؤسسة الإسلامية حوارية، بدليل مجادلتها أهل الأديان والفلسفات والإيديولوجيات بالتي هي أحسن. وكان يعلن أن رسالة المسيحية والإسلام غايتها إيقاظ وعي الإنسانية بالخالق العظيم المتجلي في نظامية الكون وغائيته، وتحرير الإنسان تحريراً شاملاً. ولبنان، الملتقى الفريد للمسيحية والإسلام، هو التجسيد الحياتي الخلاق لتلك الرسالة.

3 ‏- وكتب في العروبة والعرب وثقافة العرب : "العرب يبدعون مستقبلهم"، "نظرة جديدة إلى الاتحاد العربي"، الإنسان العربي وتحدي الثورة العلمية والتكنولوجية"، ‏"تحديث العقل العربي" إلخ......

‏يعتبر الدكتور حسن أن العرب هم رواد الحضارة عبر التاريخ الإنساني، وأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن إبداعهم الحضاري لأنه سيكون طريقهم الأقوم من التحرر إلى التحضر، ومن التخلف إلى التقدم، ومن التجزؤ إلى التوحد، ومن الاجترار إلى الإبداع. وبذلك سوف يثبتون أنهم أمة الإعجاز لا أمة العجزى لأن العرب، ما هم، في حقيقة الأمر، إلأ أمة مأزومة لا أمة مهزومة .

إن مستقبل الأمة العربية يتوثف على أهليتها للانفتاح والتطور والإبداع. وإن في تواصلها مع سائر الأمم انتصاراً لها، وأي انتصار. ولا بد للعرب من توليد رؤية تاريخية تصل ما ‏بين حاضرهم وماضيهم ومستقبلهم وصلاً خلاقاً . وعليهم القيام بعملية تحول يستبدلون ‏فيها أربعة أزرار قديمة بأربعة جديدة :

‏اولاً استبدال الزر الكلامي بالزر العلمي ، ثانياً استبدال الزر الماضوي بالزر المستقبلي، ثالثاً استبدال الزر الاجتراري بالزر الإبداعي، رابعاً استبدال الزر الارتجالى بالزر ‏التخطيطي .

لم ييأس الدكتور حسن صعب من مستقبل العرب. في كتاباته تشرئب معارضته للقائلين بنهاية الأمة العربية، و يسطع تصديه للزاعمين أن الفكرة العربية قد أفلت.

هذه الثمة التامة بالأمة العربية وبمستقبلها تنبع، لدى حسن صعب ، من موقف إيماني ملتزم. وهو يرى أن موقفه لا يتنافى في شيء مع المناهج العلمية للبحث المستقبلي. فإسرائيل ليست سوى عرض زائل، في حين أن الأمة العربية جوهر خالد. وإسرائيل تقوم على أكذوبة استراتيجية، وأكذوبة دينية، وأكذوبة حضارية.

‏ويعتبر حسن صعب أن انتفاضة الحجارة التي يقوم بها شعب فلسطين هي أروع ما عرف تاريخ الإنسان من ثورات ، ‏وأن أمام العرب اليوم فرصة تاريخية نادرة لتحرير الأراضي ‏الفلسطينية المحتلة.

وبكلمه، إن قدر العرب أنهم هم حملة رسالة الكلمة. وهم - إذاً - رواد الثقافة الإنسانية والحضارة الإنسانية. وإن انطلاقتهم الجامدة انطلاقة حتمية. ولبنان بالذات مدعوٌ، ‏بفضل عبقرية شعبه وتمسكه بالديمقراطية، لأن يكون رائداً نهضوياً يقوم في تلك الانطلاقة العربية العارمة بدور طليعي.

4 ‏- وكتب فى السياسة، متوجاً كتاباته بكتاب "لبنان العقل لا لبنان العنف" حيث أعلن مبدأ "هويتي هي حريتي". وفيه درس السياسة اللبنانية القائمة على توحيد لبنان، ورسم نظاما جامداً للبنان جامد، جوهره الديمقراطية ومضمونه الفكر. ورأى أن الحروب الضاريه على أرض لبنان تعطي الدليل الحاسم على أن العنف ليس حلاً ، ‏وأن لبنان إما أن يكون بلد العقل أو لا يكون. ولأن لبنان هو الوجه الحضارى الذى يطل به العرب على العالم، فإن إسرائيل هي صاحبة المصلحة الأولى بهدم الكيان اللبنانى التعايشي.

المطلوب من لبنان أن يعي حقيقة ذاته وعياً تكاملياً، لا وعياً تجزيئياً تفتيتياً. ولا بد من سيادة عقلية وسياسة في الحكم، وقيم في المجتمع ، غير تلك التي سادت حتى الآن.

‏إلا أن إشكالية السياسة ليست ، عند حسن صعب ، سوى إشكالية صناعة الحضارة. وإن فهم هذا التوجه يفسر، بعامةٍ ، كتاباته السياسية المختلفة.

5 ‏- وكتب في الثقافة والإعلام والتربية. فاعتبر أن الثقافة هي المميز الأول لحياة الإنسان. ورأى في مؤلفاته الأولى أن الثقافة نتاج فكر، وأن الحضارة نتاج سلوك. ولكنه اعتمد، في مؤلفاته الأخيرة ، المفهوم الأنتروبولوجي الموسع للثقافة الذي يمتد إلى السلوك والعادات الناشئة عن تأثير المفاهيم والتصورات والقيم المنبثقة من النتاج الفكري ، فيقترب بذلك مفهوم الثقافة من مفهوم الحضارة. وبذلك يصبح التزام الأمة بثقافتها التزاماً بنمط تفكيرها ونسق حياتها، أي بمعنى وجودها.

دعا حسن صعب إلى التواصل والتفاعل بين مختلف الثقافات ، مع المحافظة على الاستقلال والتكافؤ فيما بينها. وآمن بأن أمتنا العربية هي أمة الثقافة ، وحدد مصير ثقافتنا العربية بأنه هو مصير أمتنا العربية.

‏ولفت إلى ضرورة اصطناع سياسة إعلامية ثقافية تستند إلى استراتيجية تخطيطية تنشيطية، تقضي على التخلف وتنمي الإبداع الثقافي الذي هو حق كل إنسان ، وإمكان كل إنسان بالقوة حتى نؤهله لإنجازه بالفعل. وتاق إلى إرساء قواعد التلازم بين الإعلام والثقافة، انطلاقاً من قناعته بأن الإعلام هو عملية تثقيف. وألح على أن تلتزم ثقافتنا المعاصرة الجدية المنهجية، لأن المستلزمات الأهم لتقدمنا فكرياً ومعرفياً وحضارياً وإنمائياً هو المستلزم المنهجي. وأكد على أن حرية الخلق والإبداع هي أعمق وأسمى تحديات عصرنا الحديث.

‏ورأى في التربية عاملا أولياً حاسماً في إنماء الموارد الإنساية كافة. وخطط لصيرورة الجامعة مصنعاً خلاقاً لجيل الغد وقادة الغد، في إطار نظام تربوي مستقيم المراحل، ابتداء من روضة الأطفال وحتى الجامعة. وأوضح الأسس التي ينبغي اعتمادها في مراجعة النظام التربوي مراجعة كلية. وربط تقدم المعرفة بالبحث العلمي، واشترط في الصروح الجامعية العصرية توفر روح الابداع، والرياضة المنهجية، والخيال الباحث عن الحقيقة ، والعمل على ردم الهوة القائمة بين القيم والمعارف. عندئذ تتحول جامعاتنا من مجرد مصانع شهادات الى منبثقات عبقريات ودوحات قيادات.

6 ‏- وكتب في الإنماء كتباً عدة. في "المقاوبة المستقبلية للإنماء العربي" يستخدم الدكتور حسن منهجية البحث المستقبلي لاستخلاص توقعات مستقبلية علمية متبلورة ومنمذجة. وهو يبني كتابه على فكرة أن الإنسان هو غاية الإنماء ورأسماله الأول، ويحدد آفاق النمذجة الإنمائية الشاملة، مع تطوير لبنان الإنمائي كنموذج للمقارنة. ويختتم بحثه برسم النموذج الإنمائي العربي لعام 2000.

أما في كتابه "إعجاز التواصل الحضاري الإعلامي "،  فيعالج علاقة التواصل الإعلامي بالإنماء، ويؤطر مشروع الوكالة العربية الدولية للأنباء، الذي لا بد أن تنفذه المؤسسات العامة والخاصة، توصلا إلى تحريك الفكر الإعلامي العربي تحريكاً إبداعياً.

الإنماء ، ‏بمفهومه، جهد متواصل ينكب على توعية عقلانية وتعبئة إبداعية لكل إنسان من أجل العمل الخلاق الهادف إلى تطوير كل إنسان، أي في سبيل تقدمه وتحرره. لقد تحرى ‏دواخل الإنماء كعلم وممارسة، وكوسيلة إنسانية مستقبلية لإحياء الإنسان ولاستمرار الحياة. وقرر أن نسغ الإنماء هو رفاه الإنسان أينما كان. ورأى أن للإنماء معايير قيمية تفوق في أهميتها القيم الحسابية. ورسم آفاق، العمل الإنمائي ، ‏وحدد خريطة البرامج الانمائية المؤدية إلى مدينة الغد، المدينة الكونية لحقول الانسان ، ‏التي طالما تطلع إليها و اعتبرها مدينة رؤيته الإنسانية المستقبلية.

7 ‏- وكتب عن معاناته الكتابية وعن نفسه ككاتب ، ولا سيما من خلال رائعته "أنا أكتب فإذا أنا موجود". في هذه المقالة يقول : "الفكر والكلمة ملازمان لوجودي الإنساني.أنا أفكر وأكتب لأقهر الزمان والمكانن وأنتصر عليهما بالأزل -! ولكنني أكتب أيضاً لأعيش ! فمهنتي هي أن أفكر وأن أكتب! وقد أولعت بها أنبل المهن !  ولكنني رفضتها مهنة وفضلتها رسالة! فعانيتها أسمى وأقسى مهنة !"

8 ‏- ومن كتبه أيضاً وأيضاً :

‏- المفهوم الحديث لرجل الدولة

- ثورة الطلاب في العالم

‏- الوعي العقائدي

‏- اليونسكو

‏- مقدمة لدراسة علم السياسة

‏- الدبلوماسي العربي : ممثل دولة أم حامل رسالة ؟

‏- شخصيات عرفتها وأحببتها

9 ‏- ومن مؤلفاته بالانكليزية :

‏­- الفدراليون العرب في السلطنة العثمانية

الصهيونية والعنصرية

‏10-  ومن ترجماته إلى العربية :

‏- الديمقراطية ، للرئيس بنيش

‏- الأمم المتحدة، للدكتور بارين

‏- مناهج الدراسة الخارجية، لمكريديس

‏- أوروبا الجديدة ، لستيفن جرو بارد

11-  من مشاركته في تأليف الكتب التالية :

- حركيات الحياد العربي (بالانكليزية)

- سياسات لبنان (بالانكليزية)

- النهضة العربية (بالفرنسية)

12 ‏- كما أشرف على "وساهم في تحرير" ما لا يقل عن أربعين كتاباً إنمائياً أعدتها ندوة اللدراسات الإنمائية التي أسسها وكان أمينها العام طوال ربع قرن.

13 - وله، إلى جانب كل هذه ‏المؤلفات ، مئات المقالات المبثوثة في الصحف والدوريات العربية والأجنبية. و كانت آخرها مقالته المنشورة في جريدة "النهار" اللبنانية قبل أيام قلائل من وفاته، وعنوانها "لما الحرب بعد الآن". هذه ‏المقالة تختزن خلاصة خبرته ، وتختزل زبدة نظرياته.

14 - وبالإضافة إلى مئات المحاضرات التي  ألقاها في لبنان والخارج ، اشتهر بقدرته الفذة على صياغة بيانات توفيقية جامعة وتوصيات توازنية رائعة للعديد من المؤتمرات والندوات.

15 - و لم تغب عن باله إعلانات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، فكانت آخر وثيقة حررها هي "إعلان حقوق الانسان وواجباته الإنمائية " قبل ثلاثة أشهر من رحيله.

ثانياً       : مميزاته الأسلوبية والفكرية

1 - حسن صعب كاتب غزير الإنتاج، متدفق العطاء، سيال اليراع.

2 - أسلوبه رقراق متماوج، و ذو كيمياء خاصة. و لذلك، فعلى الرغم من تعدد أنماطه الكتابية، فإنك تدرك من الجملة الأولى من كتابته أنه كلام حسن صعب و أسلوب حسن صعب.

3  ‏- النص الكتابي عنده بناء متماسك، ذو مداميك مرصوصة، وفقاً لهندسة محكمة. وهو يدير موضوعه حول فكرة محورية يوسعها ويطورها حتى يقتلها توسيعا وتطويراً. ولكنه يفاجئك أحياناً بنزعة تجنح به نحو الاستطراد. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنه لا يجد حرجاً في الانتقال من فكرة إلى أخرى بسرعة صاروخية ليربط بين متناقضين ، أو ليمزج بين متنافرين ، أو ليوحد بين متمايزين.

4  ‏- عبارته انسيابية مصقولة، وجمله مقتضبة ، قصيرة، مباشرة، صاعقة، هادرة. يعشق ‏الفقرات القصيرة المتلاحقة التي تتكون كل فقرة منها من جملة واحدة فحسب.

5  ‏- له جرس كتابي خاص يتبدى لك وقع حوافر خيل تتناهب أرضاً فرشت ناراً.

6 - معجمي النفس، يصوغ تحديدات مباشرة لمعظم مفرداته وأفكاره، ويكثر من التعريفات المتنوعة لمفردة واحدة أو لفكرة واحدة. وقد تختلط تعريفاته، وتتشابك تحديداته، فتخلق شيئاً من تعقد في المفاهيم والصيغ.

7  ‏- ولكن تبقى فصاحته إبلاغية ، انسجاماً مع قول العرب إن أفصح الكلام أصدقه في الإبلاغ والإبانة.

8 ‏ - حسن صعب الكاتب صياد أفكار، وصائغ أحلام، وحافز همم. يغوص في يم الأفكار غوص الصيادين وراء اللؤلؤ، ولا يعود إلا بالطريف النادر. وهو يقلب الفكرة التي طلع بها، ثم يسلكها في سلسلة آرائه ، محاولا أن يرفق بين وجهات نظر متبانية ، صاهراً للتناقضات، ومعقلناً للرؤى، ومعصرناً للاتجاه.

9 -  يهوى ابتكار المصطلحات، ونحت التراكيب، وتوليد المفردات. وهو أول من استعمل كلمة "مقاربة" في اللغة العربية كمقابل لكلمة approach الانكليزية ، وأول من أدخل الى العربية كلمة "تنظير" مقابل كلمة theorization  الانكليزية أي وضع النظريات. ولا تخلو تسمياته من طرافة مقصودة :

"ثقافية" (التي أصر على إطلاقها اسماً للحركات الثقافية في انطلياس)، كما أن اشتقاقاته قد لا تخلو أحياناً من غرابة: "دمغنة"، "لحظنة"، "تعبقر"، "تصير"، إلخ...

10 - و هو مولع باستعمال باء النسبة: "لحظوي"، "ذاكري"، "تلكراسي"، "ماكروكوسمي"، "حريوي"، "ركودي"، "اغتياليون" إلخ ...

11 - كما بكثر من استعمال أنواع الاستفهام المختلفة، كالاستفهام التقريري، والاستفهام النفيي، والاستفهام الإنكاري، والاستفهام التحريضي، وذلك تبطيناً لغاية استنهاض قارئه للارتقاء إلى الأفضل. والحق أنه لاتكاد تخلو قطعة واحدة مما كتبه من ‏ذلك الاستفهام.

12 ‏- وحسن صعب الكاتب مشغوف بالتعميم. تسود إنتاجه نزعة تعميمية ، إطلاقية. ولعل مرد ذلك إلى أنه يكره أنصاف الحلول، فهو غالباً ما يعلن أن مسألة من المسائل إما أن تكون كما يجب لها أن تكون، أو أن لا تكون.

13 - وهو ينظر إلى معظم القضايا نظرة شمولية، كلية ، كونية ، إنسانية، توحيدية، جامعة. كما يخالجه تطلع دائم نحو الوحدانية في جل الأمور، يتجمعد في محاولته إخضاع كل وجه وشأن الى المبدأ الواحد الموحد. فإنماؤه إنماء كل إنسان وكل الإنسان. والثقافة المرجوة لديه هي ثقافة الإنسانية الواحدة، في إطار الحاضرة الكونية الواحدة ، حيث تسود رؤية وحدانية الله، ووحدانية الحقيقة، ووحدانية القيم العلوية، ووحدانية الإنسانية.

14 - ويندرج في هذا السياق ميله إلى التجريد، أي استخراج الماهيات ذهنياً من الموجودات والارتقاء بها من المحسوسات والجزئيات إلى الكليات العامة. على أنه يظل متحرياً الدقة، ومتقصياً التفاصيل ، تجنبا للغموض.

15 - وحسن صعب الكاتب موثق لكل ما يكتب. فقلما خلت كتاباته من لائحة ‏طويلة بالمصادر والمراجع التي استند إليها، وهي غالباً ما تضم عناوين كتب ودراسات لمؤلفين عرب وأحانب، بالعربية والإنكليزية والفرنسية (وهي لغات أتقنها جميعها وكتب بها شخصياً ). ومعظم مراجعه كانت متوفرة في مكتبته المنزلية الثرية التي كانت تغنيه عن الا ستعانة بالمكتبات العامة. وكان يقرأ ذخائر مكتبته الخاصة باستمرار.

16 - وهذا ما أعانه على أن يكون د‏ائم الاستشهاد ‏بمقولات كبار المفكرين وإجراء ‏المقارنة بين آرائهم. وهو غالباً ما يقرن بين هذه الاستشهادات والمقارنات من جهة، وبين الأمثلة والحجج المنتزعة من الواقع والتي يسوقها إقامة للدليل من جهة ثانية. وفي ذلك كله، يكشف عن صفاء في الرؤية، ونفاذ في البصرة، وشدة ملاحظة، وعمق تحليل.

17 ‏- تأثر بأفلاطون ، واقتدى بأرسطو، وأعجب إعجابا عظيما بابن خلدون ، وراقه ابن رشد، واستلهم الفارابي، واستهواه توينبي، واستقى من هيغل وكانت وانجلز وديكارت ومونتسكيو وأوغست كونت. وهاجم أرثر كوستلر.

18 - حسن صعب الكاتب مستقبلي بقدر ما هو تاريخي. لكنه لم يكن لا ماضوياً ولا كلاسيكياً. أليس هو القائل : " إن صناعة النموذج المستقبلي الأفضل هي مسؤوليتنا "؟. أما اعتباره الأصالة قناة تحقق الربط بين ماضي الأمة وحاضرها، فإنما ينم عن اتساع أفقه ، و حسن  معالجته. فمثلما رفض التقوقم في الماضي، رفض أيضاً الانسلاخ عن جذور الذات وأصول التاريخ ، خشيةً من فقدان الهوية والوقوع في الغربة. احداثه لايجوز أن تتنكر للتراث، وإلا انقلبت الحداثة اغتراباً عن الذات.

‏ والمنطق عينه بألا نتكبل بالتراث، وإلا أمست التراثية انكفاء عن المعاصرة.

19 - وعلى المنوال ذاته، استطاع أن يزاوج بين عراقة الشرق وتكنولوجية الغرب في انفتاح مدهش ورهافة صادقة.

‏20- على أن كل كتابات حسن صعب قد استهدفت غايتين إنسانيتين أساسيتين، شكلتا المحورين الدائمين لإبداعه : العقل والحرية.

‏فيما يخص غايته الأول، آمن حسن صعب بالعقل هادياً ومميزاً وقيمة لجميع بنى البشر. وعندما دعا إلى ثورة منهجية في نظرة الناس إلى السياسة ، اختار منطلقاً لثورته تحكيم العقل المرتاب في مسلماته الخاطئة، لأننا إذا أحسنا استعمال العقل استطاع أن يحررنا من سلاسلنا. ولذلك، فإنه كان يعتبر كتابه "تحديث العقل العربي" أهم كتبه على الإطلاق. ولذلك أيضاً، أوجز قضية إنماء الإنسان بأنها إنماء وعيه الذاتي. ومن ناحية ثانية، رأى أن ‏الطموح الأعظم والأقصى للعقل هو الله سبحانه وتعالى.

أما غايته الثانية - الحرية-، فقد جعلته يعتبر أن الكينونة الإنسانية هي ليست إنسانية إلا بقدر ما هي حرية. فإما أن يكون الإنسان حراً ، أو لا يكون. هذا هو معنى وصفه الكينونة بالصيرورة. وهذا معنى قوله إن الحرية هي الاسم الآخر للإنسان. وبالتالي ، فلا إنماء حقيقياً بدون تحرر حقيقي. فالحرية هي مبدأ الوجود الإنساني، وقاعدة التشريع البنائي السياسي. وإن تطور الإنسان في طريق الحرية هو تطوره الروحي نحو الكمال الذاتي.

‏21 ‏- عاب عليه البعض إغراقه في المثالية التفاؤلية الطوباوية ، وبروز سمة الرغبة المفرطة والتفكير بالأماني في الكثير من كتاباته؛ وانتقد البعض الآخر استرساله في مط الأفكار وتحميلها أكثر مما تحتمل؛ في حين هاجم سواهم إيغاله في الترداد والتكرار. وكأني بحسن صعب يجيب : إن مثاليتي هدف أسمى لعملانيتي، فما دامت اليوتوبيا معلمة وغير موهمة، فهي التي تدفع حركة التاريخ لتحقيق يوتوبيا بعد أخرى؛ وإن نمط الافكار وسيلة لإرسالها حتى تبلغ آخر النفق وتنهي المطاف؛ وإن التكرار ترسيخ وتقعيد وتحذير.

‏22 - لقد تسنى لي أن أطلع على طريقته في الكتابة والتأليف، نظراً إلى أنه كان يعرض علي، بالإضافة إلى مشروعات كتبه، أفكاراً وموضوعات لنتدارس مدى صلاحيتها للنشر في حلة كتاب. كان يضع تصميماً أولياً من نقاط مقتضبة، ثم يوسعها في فروع متنافسة بنى عليها هيكل مخطوطته الجديدة. وكان يتردد أحياناً في اختيار العنوان، فكنا نتساعد في وضع عناوين كتبه، ولا سيما الأخيرة منها، كما أننا غالباً ما كنا نعدل ونبدل في العنوان إلى أن يقر رأينا على عنوان مناسب قبيل دفع الكتاب إلى المطبعة بساعات قلائل.

‏23 - إن قراءة معمقة لحسن صعب تدل على حقيقة ناصعة : الكتابة لديه فعل إيمان متجدد، والتزام غير محدد، وانعتاق لا يتبدد. الكلمة جنته ، والكتاب جنته.

‏سلاحه قلمه. امتشقه منذ الثانية عشرة حتى الممات. وعلى فراش الموت كتب كلمات تشجيع ، وحب، ومزاح، ثم كلمات شكوى، واختناق، ووداع.

24 ‏- ما بارحه هاجس القرطاس والقلم حتى الرمق الأخير. وقد تساءل قبل ساعات من وفاته : ترى هل سيكتبون عني ما أستحقه كماً ونوعاً ؟

‏وكانت آخر مشروعاته إعداد برنامج تلفزيوني يبلور فيه حبه للكتاب ، ويبرز دور الثقافة من خلال لقاءات مع الناشرين والمؤلفين. ولكن الأجل لم يتح له تحقيق  ذاك المشروع.

‏25 - وبعد رحيله، تبين لنا أن حسن صعب كاتب مذكرات يومية من الطراز الأول. ‏تنم مذكراته، كما كُتُبه، عن وفاء نادر لزوجته وولديه وأصدقائه ، وعن انسجام تام مع ذاته وطروحاته ، وعن تفان في سبيل خالقه ووطنه وأمته وإنسانيته.

‏وله آثار عديدة غير منشورة، هي عبارة عن دراسات ، ‏ومحاضرات، ومقالات، ومشروعات كتب.

26 ‏- وأخيراً، لئن كنت أخشى، يا صديقي الدكتور حسن ، أن يغمطك بعض مؤرخيك حقك، كما غمطك بعض معاصريك حقك ، فإني أقول : حسبك أنك كنت نبراساً هاديا في كلماتك وأفعالك، نبراساً ستستضيء به أجيال وأمم من بعدك. وحسبك أنك جعلت همك صناعة الإنسان المتحضر، الوثاب ، المترقي إلى أعلى مرتبة. وحسبك أنك ما مالأت ولا حابيت، ولا تزلفت ولا داجيت. وحسبك أنك اجتهدت لكي تجعل أمل اليوم حقيقة الغد. وحسبك أنك أطهر الإيثاريين اللاسوداويين. ألست أنت الذي لخصت الدنيا بكلمة "المحبة"، إذ قلت :"إن المحبة هي اسم الأسماء كلها، وهي الاسم الآخر  للكون، لأجلها و بها أحيا و أموت"؟‍!

‏ولعل أروع ما فيك أنك كتبت لتقِنن. ما كتبت، يا دكتور حسن، كتابة هامشية ظرفية عابرة. بل كتبت كتابة أبدية سرمدية باقية، بدأت تتشكل منذ الآن، أحافير ومستحثات ‏في أخاديد الزمن الآتي .

 

أ. صلاح مطر : كتب حسن صعب، قبل سنة من غيابه، مقالا بعنوان : "حوار الانداد"، جاء فيه:

‏"يصف الكاتب الفرنسي جان دولا كروا في كتابه "معنى الحوار" كل فاعلية انسانية اصلية بانها حوار".

فهي حوار مع العالم ينظم شعرا" .

‏وهي حوار مع الآخرين يتجلى حباً".

وهي حوار مع الله تعالى يوجه اليه صلاة.

والنفس امارة بالمناجاة مع الأنا.

‏لكن الانسان الذي ينطوي على نفسه ويرفض الآخر يلغي وجوده!

‏والفكر الحقيقي هو حوار . . .

‏انه تحاور الروح مع ذاتها . . .

ولا تستطيع الروح أن تحاور ذاتها الا اذا رحبت بالآخر، واستوعبته في هذه الذات.

وما أندر مثل هذا الحوار في زماننا.

‏وما أندر مثل هذا الحوار بيننا.

‏الآخر الذي نحاور هو منا ونحن منه.

‏انه منا ونحن منه في انسانيتنا الواحدة.

‏وانه منا ونحن منه في عقلانيتنا الواحدة.

‏وانه منا ونحن منه في حريتنا الواحدة.

‏وما دمنا أبناء امة واحدة ودولة واحدة فانه منا ونحن منه في مواطنية واحدة...

‏فهل اعتمدنا هذه الأوليات الحوارية ، في ما دار بيننا من حوارات على الصعيد الرسمي، لنسوي أزمتنا المستفحلة، منذ عام 1975 حتى الآن ؟ (1)

‏وهكذا تصبح انسانية الانسان ، وقفاً "على الآخر وعلى تواجدكَ فيه أي على طرفي أو أطراف الحوار ومفاعيل الحوار حتى ليصح أن نتوسع في معادلة "ديكارت" فلا تعود المعادلة: "أنا افكر اذن أنا موجود"، بل "أنا احاور اذن أنا موجود".

وهذا الوجود هو الوجود الراقي المسؤول المبدع الذي يجعل الحوار يستقيم بين الانداد ولا يصح بين الاسياد والاتباع.

‏وهو بالتال حوار العقل والحرية والحب والعدل والجمال، وبالتالي فان أعلى مراتبه تكمن في نبذ العنف والارتقاء بالعقل الى الفلسفة وبالتالي الى الشمولية والانسانية ،

‏وهنا يتدخل صديقنا حسن بسخريته الشفافة غير الجارحة ليقول :

‏" لسنا هنا مع أفلاطون في تفضيله الامراء الفلاسفة أو الفلاسفة الامرا،

 فنحن لا نحرج امراء السياسة والحرب في لبنان ال هذا الحد (2) ".

 ويكمل الدكتور حسن :

‏" فاذا حملنا أربعة عشر عاماً من العذاب على أن نقارب الحقيقة بهذا التواضع وعلى أن نجري الحوار بيننا بروح الخشوع، وباقرار كل منا بأنه مواطن يحاور مواطناً آخر، وبأنه انسان يحاور انساناً آخر، بمساواة تامة في الحقوق والواجبات ، استطعنا بالتعاون مع أشقائنا وأصدقائنا، أن نتجاوز صعوبات الحوار الهدامة الى امكاناته الخلاقة ، واستطعنا أن نستولد لبناناً جديداً أفضل من كل ما عرفناه حتى  الآن (3) ".

‏ان حسن صعب أقام من الحوار مذهبا فلسفياً وفكرياً واجتماعيا اذا جاز التعبير. به يكتشف الانسان ربه وذاته وجوهره ورسالته وانسانيته، وهكذا الحوار هو السبيل الى كل شيء.

فالحوار طريقك الى ربك، عز وجل، فمو الصلاة وما بعد الصلاة.
 والحوار لبنانياً هو سبيلنا الأوحد الى حل مشاكلنا اللبنانية.
و الحوار عربياً هو سبيلنا من أجل عروبة حضارية عصرية تليق بانسان القرن العشرين أو الحادي والعشرين.
‏والحوار دولياً عبر المؤسسات الدولية وخارجها، سبيل الدول لبناء عالم السلام والحرية والعدل والتضامن الكوني المصيري ضد آفات الحرب ووسائل الدمار النووي وغير النووي الشامل التي من شأنها تدمير العالم مرات عدة. اذ ان الطاقة الذرية في العالم اليوم تتجاوز بأكثر من مليون مرة طاقة قنبلة هيروشيما أو ناكازاكي، فضلاً عن آفات التلوث والأمراض والأوبئة الفتاكة والمجاعات وخطر موت الحياة. اذ ان المعلومات العلمية التي لست خبيراً فيها، ولكن عرفنا من فيلم "A day after " "في اليوم التالي" ان الحياة نفسها، لا تنبت حيث تنفجر القنبلة الذرية وما شابهها الا بعد آلاف السنين.

أيها السادة ،

‏كم نحن سعداء أن يكون لبنان رائد مثل صديقنا حسن صعب "رحمات الله عليه" ‏فلسف الحوار وكوننه ليعالج به القلق الكوني على البشرية وعلى المصير. وها أنا أدعي، بتأثير من ثقافتنا اللبنانية والعربية والانسانية ان قضايا الفكر والحوار وحتى الشعر هي قضايا كونية لان القلق على الانسان والكون والمصير قلق كوني.

‏هذا هو مفهوم الحوار،

‏فما هي منابع الحوار ومستلزماته ومؤسساته ؟

‏طبعا لسنا في حاجة الى تعداد المستلزمات الاساسية لكل حوار : كالانفتاح على الآخر، ‏والمحبة والتسامح وروح السلام واحترام الحقيقة والجرأة في قول الحق، والهدفية أي النية والعمل للوصول الى تفاهم أو حل اخ. . . وكلها كانت راجحة عند أبي حسان ومروان ، بل كان فارسا مجلياً فيها جميعاً،

‏نتطرق اذن الى القضايا الاساسية الاخرى وهي تختصر بست :

الحرية
الهوية، اللبنانية، العروبة، و الانسانية
الدين و الاخوة البشرية
الديمقراطية المتجددة
الانماء
العالمية و المستقبلية الخ ...
أي حوار غير ممكن بدون الحرية، لذلك يصرخ حسن:"هويتي هي حريتي" .

‏"حرمت حرية الاختيار بين أن أكون أو أن لا أكون، ولكنني أختار أنا بنفسي من أكون واختار انا بنفسي كيف أصير.

وهويتي هي حريتي لأن هويتي هي في كينونتي وصيرورتي الانسانية،

‏وحريتي هي انسانيتي،

والحرية والانسانية متلازمتان

أنا كائن حر فأنا اذاً انسان

و أنا انسان فأنا اذاً كائن حر"

بالاستناد الى هذا المفهوم الانساني الرائع للحرية ، يعود بنا الدكتور حسن الى المؤتمر العام الثالث لليونسكو الذي انعقد في 17 تشرين الثاني 1948 حيث استهل الرئيس الشيخ بشاره الخوري مخاطبة نخبة مفكري العالم الذين حضروا المؤتمر بقول لشاعر قديم من أصل ‏لبناني "أنا انسان وليس بغريب عني كل ما هو انساني". بهذا، يكمل حسن،" عرف أبو ‏الاستقلال هويته اللبنانية للأمس واليوم والغد (4)" .

ويستطرد حسن بالقول : ان هويته هى الهوية اللبنانية، هوية جبران خليل جبران وأمين الريحاني وعمر فاخوري وذلك لأن " ثقافة لبنان هي المثلى ورسالته في الدنيا هي الفضلى، ‏ثقافة تمازج "رسالة تواصل" (5)

قد يسأل من لم يعرف الدكتور حسن صعب، هل هو اممي يقول بالعالمية الاشتراكية ‏العالمية أو غيرها، وما دور الدين وتحديدا الاسلام في كل هذه القضايا الرئيسية من وجود الانسان و هويته و مصيره؟

يجيب الدكتور حسن، وهنا نصل الى النقطتين الثانية والثالثة : "اما الاسلام فانه فطرتي وقدري وليس هويتي، لأنه في روحي، والروح لا هوية لها لكنها، كما علمني القرآن الكريم، من أمر ربي، وهي تعلو أية هوية لانها تصلني بالله تعالى ، وبكل انسان أخ لي . روحي الاسلامية هي كروح محمد عبده، وهو يعلمنا رسالة التوحيد. ان كل ما يتفق مع ‏العقل فهو من الاسلام، وكل ما يتنافى مع العقل فليس من الاسلام.

‏وروحي الاسلامية روح تواصل مع جميع البشر لأنها تكرمني بالاخوة مع جميع أبناء آدم وحواء، ‏(6)"

انطلاقاً من هذا الايمان العميق والعظيم بالاسلام وبالعقل قال حسن صعب في معظم كتاباته لا سيما في كتابه "الاسلام وتحديات العصر" (7) ما يلي :

‏ بثورة اجتهادية دائمة في الاسلام
 وبالانتقال من الثورية السياسية الى الثورية الروحية
 وبكون الديمقراطية الحقيقة تجسيم لقيد الاسلام الروحية
 وبالثورة المنشودة في العلاقات المسيحية الاسلامية
 وبكون كل مسلم رسول
 وبأن الاسلام حوار خلال بين ا لله والانسان وبين الانسان والانسان
 وبأن الاسلام انسانية روحية متجددة

و لكن حسن صعب لم يكتف بهذا، على عظمته، بل قال :

ان المؤمنين موحدون با لله
 والمسيحيون والمسلمون مؤمنون وموحدون با لله
 ا لله وحدنا والتاريخ فرقنا

‏فهل نتحرر با لله أو نتشيأ بالتاريخ

‏وهل نفضل شيئية الماضي على انسانية السمتقبل؟!

‏" الاسرائيليات ما تزال تلاحقنا لتفسد صورة اسلامنا ومسيحيتنا، ولتشوه علاقتنا الاسلامية المسيحية. نقاوم اسرائيل على الارض ونتقبلها في النفس. فأي تناقض هو أخطر علينا من هذا التناقض الهلاكي ؟ (8)"

‏وحسن صعب هو القائل :

‏لكل لبناني رسالتان : المسيحية والاسلام

‏وهو القائل أيضاً :

‏" يتجدد الاسلام بتجدد المسيحية، وتتجدد المسيحية بتجدد الاسلام

‏والتحدي الاول هو لبنان الديمقراطية لا لبنان الثيوقراطية، مسيحية كانت أم اسلامية، والتحدي الثاني هو تحدي استرجاع دور الدين في لبنان، دين الوحدانية لا الطائفية ولا

‏المذهبية (9) .

‏و أخيراً،

حسن صعب هو الداعي الى موقف مسيحي اسلامي من العروبة يقوم على التقدمية والانماء والعصرنة، "فنعبىء أنفسنا تعبئة شاملة، لنحرر جميع اللبنانيين ولنحرر جميع العرب بل ولنحرر جميع البشر من التخلف ولنحقق انماء الانسان وتقدمه كل انسان وكل الانسان (10).

ولأن سحر الفكر عنده وسحر البيان، يدفعان بك، الى المزيد والاستطراد، نختصر كل هذه المنابع والمستلزمات للحوار بما اختصره مفكرنا الرائد حين قال :

‏للبنان القاعدة الحريوية الانسانية لهويتنا اللبنانية العربية تهيب بنا أن نطفر من لبنان العنف للبنان العقل، أي من حالنا البهيمية الى حالنا الانسانية.

‏واذا كانت الحرية هويتنا، وكانت الانسانية هويتنا وكانت لبنانيتنا العربية هويتنا، واذا كان الاسلام والمسيحية علويتنا، فأي خير من هذه الثروة الفريدة، ان لم يكن منهج العقل منهج هويتنا ومنهجاً لعلويتنا؟ أو لم ينسب الغزالي الى رسولنا محمد صلى الله عليه و سلم قوله: ان أول ما خلق الله العقل؟ أو لا يعني هذا، أن يكون العقل هوية الانسان الأولى أو أن لا يكون انساناً؟

‏اللهم أعد لنا نعمة العقل ، لنطوي لبنان الغابة بلبنان الحضارة ، ولبنان العبودية بلبنان الحرية . ‏ولبنان الجاهلية بلبنان الهداية ، ولبنان الامية بلبنان المعرفة . ‏ولبنان الاجترار بلبنان الابداع، ولبنان المليشيوي بلبنان جبران والفاخوري والريحاني" (11) .

‏ان الحوار لا يستمر ويصبح اطاراً لحياة الشعوب والدول وهيكلية لمستقبلها بدون مؤسساته، والمقصود هنا المؤسسات الديموقراطية ،

‏لسنا هنا لنستوعب مؤلفات الدكتور حسن صعب في "علم السياسة"، و"رجل الدولة"، وفي "تكوين الدولة" وفي "اعجاز التواصل الحضاري الاعلامي" وفي "تحديث العقل العربي" اخ ، وكم أغنت هذه المؤلفات القيمة أساتذتنا وطلابنا وسائر الناس. لبنانيين وعرباً، وفي غير كلية ومكتب ومجال الا اننا نتوقف لحظة عند رأيه بضرورة التجدد الدائم للديموقراطية لانها ليست حالة بل حركة كما يقول الاستاذ جورج بيردو (12) .

والديموقراطية يجب اعادة صنعها La démocratie à refaire لأنها حضارة الكلمة، حيث يجب أن يغلب العقل المبدع الغرائز والانتهازية كما ينتصر التنظيم المؤسسي على اللقاءات الظرفية أو الموسمية. وهكذا لا ديموقراطية بدون أحزاب سياسية يقول الاستاذ فيديل، ‏وعلى السياسي في الديموقراطية أن يكون مفكراً بقدر ما يكون المفكر فيها سياسياً (13). عسى أن يقرأ الجميع ما كتبه مفكرنا الرائد وأن نقتدي به فيكون لا ديموقراطية حقيقية وعصرية وجمهورية ثانية حقيقية نصنعها جميعاً بايمان حسن صعب ونضاليته ومثاليته.

التحدي الرابع في أبعاد الحوار أو وسائله أو هدفه اذا شئتم هو الانماء، الانماء الانساني الشامل كل الانسان وكل انسان،

‏هل لي أن احدثكم عن الانماء عند الدكتور حسن صعب، في ندوة الدراسات الانمائية، ‏ندوتكم الكريمة والرائدة ؟!

‏حسبي شهادة واحدة : أن لنشاطات ومنشورات مؤسستكم الغراء الأثر الابلغ موضوع الانماء بل ستبقى أغنى المراجع الشاملة في موضوع الانماء، خصوصاً في دولة تتحين الفرص المناسبة للانماء الشامل.

‏التحدي الخامس : العالمية والمستقبلية.

‏أستطيع هنا أن ادلي فقط بشهادة حق ثانية ، لا أعرف أحداً في لبنان ترسل أكثر من حسن صعب لشؤون العقل الحضاري المعاصر، في محاولات رائعة ورائدة للتوفيق بين الدين والعلم. بين اللبنانية الرائدة والعروبة الرائدة ، وهذا الامر مسلمة أساسية عنده وعندي وكذلك بين هاتين والعالمية والمستقبلية.

‏ألم يقل حسن صعب : "لبنان المنعكس الحر والباهر للوحدة في التنوع بين البشر سكون كوننا المفضل، كون الحب والابداع والسلام" (14) .

‏لقد كان حسن صعب بحق مواطناً عالمياً ومستقبلياً بل أحد رواد هاتين العالمية والمستقبلية في آن. اذ كان يعلمنا ، ان العقود المقبلة ستشهد في العالم نوعاً من مدينة كونية واحدة! ولكن صديقنا حسن كان يريدها، على غرار القديس اوغسطينوس، اللبناني الاصل برأي البعض وعلى غرار الفارابي. مدينة الهية أسمى من فاضلة، أو على الاقل وبشيء من التسامح اللبناني اذا شئتم ، مدينة كونية فاضلة!

لن احدثكم هنا عن نشاطات الدكتور حسن صعب العربية في جلسات ومؤتمرات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (السكو) والجميح يعرف فضله في هذا المضمار، ولا عن مرحلة الدبلوماسية وحصافته ولباقته في الامم المتحدة الخ، ولا عن سائر نشاطاته الاكاديمية في غير جامعة ومنبر وصحافة في العالم العربي أو في العالم الأوسع ، و كان فيها جميعاً رائداً أغر من رواد الكلمة والثقافة والروحانية اللبنانية والمشرقية ورسول سلام وكوسموبوليتية وانفتاح على الامم.

‏سأقصر حديثي على بعض الذكريات الحوارية التي كنت فيها شاهداً، وذلك لا لقيمتها الصداقية فحسب بل لنكهتها أو عبقها الفكري أو الوطني اذا جاز التعبير، واني لأشكر لكم هذه المناسبة التي  أتاحت لي البوح بهذه الذكريات معتذراً عن "الأنا" التي لا تعود

بفيضة عندما تذوب في " النحن ".

‏1-   في أوائل السبعينات ذهب الدكتور صعب الى قيود وزارة الداخلية وعاد منها بلائحة أكثر من ثلاثين حزباً سياسياً ودعاها جميعاً الى الاجتماع في دار " ندوة الدراسات الانمائية" كان الهدف "حوار بين الاحزاب من أجل لبنان أفضل". وعلى جدول الأعمال:

انشاء لجنة دائمة للأحزاب السياسية،
وضع مشروع قانون انتخابات نيابية عصري
تطوير النظام السياسي اللبناني
معالجة السياسية الخ ...

في الجلسة الاولى كاد الفراق أن يقع ، إذ اختلف المجتمعون على مفهوم العروبة.

‏أنقذ حسن، بلباقته المعهودة، الموقف بتأليف لجنة منه ومني مهمتها وضع نص يلتقي عليه الكل حول العروبة. بعدها طلب مني أن أضع النص المطلوب. تشاورت معه وبعد اسبوع عدنا ال الجلسة ومعي هذا النص بعنوان " لبنان والعروبة الحضارية "، جاء في لسان العرب ": عرب، يعرب عرباً وعروباً وعروبية وعروبة، فصح لسانه "أي كان فصيح اللسان وأجاد اللغة العربية.

‏اذا كانت العروبة فصاحة اللسان. والعروبة الحديثة نهضة اللغة العربية والعقل العربي والانفتاح على الثقافات والحضارات وبالتالى الحرية والتحرير من الاستعمار وبناء الاستقلال والسيادة والديموقراطية وحقوق الانسان والتضامن العربي من أجل السيادة والحرية والكرامة والمصالح المشتركة ومجابهة التحديات التي تواجه العرب ،

‏اذا كانت العروبة الحضارية هذا، فنحن اللبنانيون أعرب العرب ، أي أشد العرب عروبة.

أما اذا كانت العروبة ، لدى البعض، نزعة أو دعوة عرقية أو دينية أو سياسية تطمع باستقلال لبنان وسيادته فهذه مقولات خطرة على العروبة نفسها بل هي تخدم أعداء العرب ، ولبنان براء منها، لذلك سيتصدى لها باسم العروبة الحضارية التي كان رائدها وباسم الحرية والسيادة والاستقلال وحقوق الانسان وهي قيم مقدسة عندنا نرفض أن يزايد أحد علينا بها".

‏تلي النص مرتين، و بعد بعض الايضاحات و الملاحظات الشكلية، صاح حسن و هو يشع بابتسامته العذبة، من منكم ليس مع العربوبة الحضارية و ضد هذا التحرير الرائع من الاخ صلاح؟... و كانت موافقة شبه اجماعية عليه.

في الاجتماعات اللاحقه تمكنت لجنة الاحزاب وبعد زيارات لرؤساء الاحزاب من وضع "مشروع قانون للانتخابات النيابية العامة" وصف بأنه الأكثر تقدمية، وقد نال موافقة مبدئية من رؤساء الأحزاب المغفور لهم الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والاستاذ كمال جنبلاط

2 ‏-  في صيف 1982 وبعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت استطعت الوصول اليه باكراً، بادرته بالكلام : "نذهب معاً ال كسروان فتنورين".

‏أجاب بابتسام ومحبة : "سأبقى هنا مع الصامدين".

‏قلت :

‏"منزل صديقك الراحل أسعد داغر أحد رواد العروبة. مجاور لمنزلي في تنورين ولك فيها أصدقاء وطلاب كثر، من هناك سنخطط معاً لتحرير بيروت ولبنان.

‏تبسم طويلاً وبكى . . . وبشيء من الاكراه المحب أخذته معي الى تنورين :

‏هناك ومعه ، كانت الايام الأكثر تأثيراً في حياتي تأملياً ووجدانياً وفكرياً وشعوراً وطنياً.

3 ‏- المرة الاولى حيث قدمني الى سماحة المفتي الشيخ حسن خالد، سقى ا لله ترابه، قال بلمعته المثقفة الطيبة "الأخ صلاح لبناني أصيل وعربي أصيل. في أحد أجداده قال الشاعر :

          " سلام الله يا "مطر" عليها                 و ليس عليكَ يا "مطر" السلامُ"

ولكن الأخ صلاح هو القائل :

‏" أفدي شموخ الاولى لولا يراعتهم تتركت لغة القرآن والعَرَب"

‏ومنذ ذلك الحين. ومع حسن. ومع سماحة المفتي الراحل، وأصدقاء حسن ، صرت أشعر بلبنانيتي تتعمق كما ان قناعتي بالعروبة الحضارية راحت تترسخ بأنه لا بديل منها لرسالة لبنان بل لحياته ومستقبله.

4 ‏- في زيارات الدكتور حسن لغبطة البطريرك صفير كنا دائماً معاً. على مدخل الصرح كثيراً ما كان يردد أية كريمة كهذه: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة" أو "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وانهم لا يستكبرون. واذا سمعوا ما أنزل ال الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين".

‏في معظم الزيارات الهدية من حسن كانت كتاباً جديداً مع تقديم : " الى أبينا الروحي غبطة البطريرك صفير . . . " وكان غبطته ينشرح لمجلس الدكتور حسن ويعتز به قائلاً: "ليت كل اللبنانيين يقرأون بل يحفظون ويعلمون أولادهم كل ما يكتبه الدكتور حسن، فهو اللبناني المسلم - المسيحي بل اللبناني وكفى . . ."ولا أعتقد اني اذيع اليوم سراً اذا أعلنت ان الدكتور حسن كان يقول بتفاهم مسيحي - سوري اساسي للانقاذ.

5 - كثيراً ما كنا، حسن وأنا. نتشاور في الهاتف ، حين يتعذر اللقاء. في امور سياسية

‏ووطنية وأحياناً شخصية وعائلية. وكثيراً ما كنت أقرأ له بعض ما أكتب ويقرأ لي، وفى الاحايين نعدل ونبدل ...

‏وأذكر انني قرأت له بعض أبيات من قصيدتي في الامام علي "عليه السلام" ... توقف عند هذا البيت : تتلاقى الاديانُ في الله والأكوان فيه، فكيف يبقى العداء ؟! أكد لي مجدداً نظريته في تجديد الاديان وفي الانماء الروحي والشامل للانسان.

بعد هذا،

‏كانت آخر قراءة له علي بالهاتف من مقطعين :

‏المقطع الاول من مقال كتبه سنة 1987 بعنوان، "لبناننا لنا لا لاخواننا ولا لأعدائنا" وفي المقطع ما يلي :

‏"وارادة شعب لبنان هي التي ستصنع مستقبل لبنان لا ارادات أعدائنا الالداء".

‏وسنتابع مسيرة الانقاذ مع الشقيقة سوريا. وسنبلغ بها الشاطىء الامين في الوقت القريب. فلبناننا هو لنا.

‏لبناننا هو لنا. وهذا ما يقره لنا اخواننا .

ولبناننا هو لنا. وسننتصر بوحدته على أعدائنا.

 ‏ولن يكون لبنان الا للبنانيين . ‏اذا عرف اللبنانيون كيف يكونون هم أيضاً للبنان.(15)

أما المقطع الثاني فهو: "تكون الحرية حيث يكون لبنان، و يكون لبنان حيث تكون الحرية، ويكون الابداع حيث تكون الحرية. و تكون الثقافة حيث تكون الحرية و يكون الابداع."(16)

قرأ حسن، رحمة الله، هذين المقطعين و أنهى كلامه:"أخي صلاح لست أدري ما دفعني بالحاح لكي أقرأ لك هذين المقطعين دون غيرهما". تودعنا و سكت صوت حسن عني الى الأبد!

أخيراً،

يا أصدقاء حسن في ندوة الدراسات الانمائية و الانماء و الجامعة و في كل مجال و مكان أيها اللبنانيون،

أيها العرب

حسن، كوكبة رواد في رائد!

وحسن، منارة على طريق البحر و الجبل!

‏وحسن ، رسالة الريادة الفكرية والثقافية من لبنان الى العروبة والعالم والمستقبل

وحسن الجسد الجسد استقر في ثرى لبنان، طيب ا لله ثراه،

‏ولكن حسن الروح والفكر

والابداع والريادة

‏والشهادة والرسالة

باقٍ

‏أمانة في وجدانكم والوفاء

ومشعلاً على طريق المستقبل.

في مثل هذين الامانة والمشعل صدمة المستقبل وقيامة لبنان.

د.هشام نشابة : لو اردنا ان نصنف حسن صعب بين الناس لما اختلف اثنان على اعتباره انساناً يفيض حيوية ونشاطاً وحباً للناس وللعمل ، ‏مع قدرة فائقة على التنظيم والانتاج حتى في أعسر الظروق.

ولو اردنا ان نصنفه بين المفكرين لما حصلنا على الاجماع الذي نتوصل اليه في التصنيف الاول. اذ قد يعتبره البعض مفكراً سياسياً بالدرجة الاولى. فقد كتب اول ما كتب عن القومية العربية والديمقراطية. ولم تفارقه هموم السياسة المحلية والدولية حتى آخر ايام حياته. ويغريني الحديث عن الفكر السياسي عند حسن صعب خاصة ما كتبه في موضوع القضية الفلسطينية ونظام الحكم في لبنان وبعض رجال السياسة فيه. ورب قائل بأن حسن صعب هو بالدرجة الاولى مفكر تربوي فقد كتب عن ثورة الطلاب في العالم ، وعن الطالب الجامعي في لبنان، وعن اليونسكو والالكسو وعن الابداع في التربية و الانماء، و كأن الشأن التربوي هو شغله الذى لا شاغل  له غيره.

ثم كتب حسن صعب في الثورة الاعلامية المعاصرة و كتب في الانماء، فكانت له جولات موفقة تجعله مفكراً اعلامياً و انمائياً متميزاً.

ولكن حسن صعب نشأ نشأة اسلامية وبقي متأثراً بهذه النشأة طوال حياته فهو مسلم بحكم التنشئة والتربية والاعتقاد. وهو مسلم بعد ذلك يحكم التفكير الواعي، واعمال العقل والمنطق والفلسفة والشريعة، وهو في ذلك على مذهب ابن رشد الذي طالما استشهد بآرائه في كتاباته المتأخرة عن الاسلام.

‏وحسن صعب مسلم عربي يعتز بتراثه العربي ونتاج الحضارة العربية في الشرق كما في الغرب. ولكن هذا الاعتزاز لا يقف عند تمجيد التراث والتغني به. بل انه يرى في مجرد التمجيد والتغني بالتراث هروباً انهزامياً من الحاضر المتردي الى الماضي. وهو لذلك يدعو الى توظيف الماضي العربي في سبيل صياغة المستقبل العربي لا على شكل الماضي بالضرورة وانما ليكون المستقبل العربي جديراً بماضيه المجيد.

ثم يتعرض البناء الفكري عند حسن صعب الى التأثيرات الغربية فيحيط الفكر الغربي - السياسي والفلسفي منه بوجه خاص، والحضارة التكنولوجية الحديثة بوجه عام بفكر حسن صعب حتى يكاد يطغى تأثيرهما (أي الفكر الغربي والحضارة والتكنولوجية) على ‏كل أثر سابق. فيعجب حسن بهذه الحضارة وذاك الفكر ايما اعجاب وترى ذلك واضحاً في جميع كتاباته. ثم تأتي كارثة فلسطين وخيبة الامل المريرة التي أصيب بها كل مثقف عربي فيرى كيف أن هذه الحضارة الغربية يمكن أن تكون ظالمة طاغية لا تقيم للقيم أو للمواثيق والعهود وزناً امام المصاح.

‏ومنذ 1948 تكثر في كتابات حسن صعب الدعوة للثورة الفكرية الضرورية - ثورة الطلاب والثورة الثقافية، وتحديث العقل العربي، وثورة في المفاهيم الدينية، والثورة الانمائية للانسان العربي ثم لكل انسان وكل الانسان. ويتلازم فكر حسن صعب مع الثورة اللازمة حتى آخر عمره.

‏هذه في نظري العناصر الاساسية التي يتكون منها فكر حسن صعب عموماً: الاسلام، العروبة، الفكر الغربى، كارثة فلسطين ثم الثورة اللازمة. ولا ممكن تحليل الفكر الديني عند حسن صعب دون أخذ هذه العناصر المكونة لفكره عموماً في الاعتبار.

فكيف ظهر تأثير هذه العناصر الفكرية في الفكر الديني عند حسن صعب؟

يرتكز الفكر الديني أو الاسلامي عند حسن صعب على المحاور التالية:

‏الحرية ، الحوار، العقلانية المتدينة ، الثورية الاجتهادية.

الحرية

الدين، يعني الاسلام ، هو دين الحرية وكل ما يقيد الحرية ليس من الاسلام في شيء.  والحرية هي بالضرورة حرية مسوؤلة لا حرية الفوضى. لقد خص حسن صعب هذا المحور الاساسي من تفكيره بكتاب سماه اسلام الحرية لا اسلام العبودية يبين فيه أن حرية المسلم تنبع من عبوديته لله وحده.

‏وكل دين أو مبدأ لا يضمن الحرية فهو بالضرورة دين أو مبدأ أو عقيدة فاسدة. هنا تصبح الحرية هي المعيار الذي توزن على أساسه الأديان والمباديء. وهذا موقف لا يقره عليه الفكر الديني التقليدي لان المعيار الذي يقاس به صلاح الأمور أو فسادها هو مطابقة الأمور للشرع أو خروجها عنه. فالصالح هو ما أقره الشرع والفاسد هو ما يعارض الشرع. الحرية في نظر الفكر الديني التقليدي هي "الحرية الشرعية" أي التي تتحرك في حدود الشرع فان خرجت عنه باتت زندقة أوكفراً أو الحاداً. لذلك فان تأكيد حسن صعب على اعتبار الحرية معياراً أسمى هو ما جعل حسن صعب يختلف مع المتدينين التقليديين والفقهاء.

‏وفي اعتقادي أن الخلاف ظاهري وليس خلافاً في العمق. لأن حسن صعب انسان مؤمن ولذلك فهو حتماً مقر بمرجعية النص الالهي الذي يستمد منه مفهوم الحرية التي خص الله بها الانسان. ولكنه انسان يرفض أن يتحكم بحريته ويفرض عليها القيود مرجع انساني مهما علت منزلته.

النص الالهي وحده المحدد للمفاهيم والقيم. والعقل الانساني وحده هو القادر على وعي مفهوم النص. وان النص والعقل كلاهما، عند حسن صعب ، يضمنان الحرية باعتبارها أعظم ما أنعم به ا لله على الانسان يوم جعله في الأرض خليفة وسخر له ‏ما عليها من حيوان ونبات ورزق حلال.

‏والحرية هي التي جعلت الانسان يرى ا لله المثل الأعلى للحق والخير والجمال ، فيظل دائماً ‏وأبداً المجاهد الانهائي لتصيير الكون وجعل المجتمع المتجسد الحي لهذا المثل الأعلى".(اسلام الحرية).ص 14 - 15)

ان هذا الموقف يترك المجال واسعاً للجدل مع التوجه العام للفكر الاسلامي. فالله "ليس كمثله شيء" (الشورى/11) و هو لا يتجسد بل انه سبحانه و تعالى أكثر من مثل أعلى انه الله و حسب.

‏ولكن مفهوم الحرية عند حسن صعب مرتبط غالبا بالمعنى السياسي - أي الاجتماعي لهذه الحرية. فهو يريد للمجتمع الاسلامي أن يكون ضامناً للحرية لكي يتمكن الفكر فيه من أن يتحرر من الخوف والاضطهاد ومن طغيان السلطة لتقوم "ثورة اسلامية جديدة". (اسلام الحرية).ص 16) هذه الثورة التي تحقق للانسان جميع حقوقه كاملة في داره ودار الانسان. وهكذا تكون الثورة الاسلامية ثورة انسانية شاملة.ان الخطورة في هذا التفكير - ولا اقول الخطر - ان الانسان الحر لا يؤمن الا بما يؤمن الا بالفضيلة التي يقتنع بها.

‏وقد وقف عدد من فلاسفة الغرب هذا الموقف من الفضيلة ، أولهم سبينوزا ومن بعده هيكل وماركس وأوغست كونت وكانت من نتيجة فكر هؤلاء وغيرهم أن اكتنف معنى الفضيلة عند هؤلاء جميعاً ابهام كبير. هذا الابهام في مفهوم الفضيلة ومن ثم في مفهوم الخير ومفهوم الجمال نتجت عنه فوضى فكرية خطيرة ، فأجيزت أفعال واستحسنت أمور لأن العقل الانساني استساغها في ظرف معين ولغرض معين.

‏وتحت تأثير هذا الاتجاه العقلاني قال هامنغواي أن العمل الفاضل هو ما أشعر بالراحة بعد القيام به، والرذيلة هي ما يورث عندي الشعور بالندم.

Morality is what you feel good after

Immorality is what you feel bad after

وهذا التوجه الفكري وصل الى ذروته عند نيتشه الذي رفع العقل الانساني الى درجة ان الايمان با لله غير ضروري أو غير ذي موضوع ، ولذلك قال نيتشه في آخر أيام حياته بأن الانسان العقلاني قتل فكرة ا لله.

‏استنتج مما تقدم أن العقلانية الحديثة لا تتفق مع الدين الا اذا تلازمت مع تواضع العقل أمام الحقيقة المطلقة ، واقراراه بحدوده وامكانية وقوعه في الخطأ ، ‏وان فوق كل ذي علم عليم. وان الانسان الفاضل لا يكون فاضلا عن طريق الاهتداء بعقله وحسب، وانما يحتاج الى هدي الهي ايضاً بل انه يحتاج أيضاً الى مجتمع ليمارس فيه الفضيلة. فكما قال دوريكهايم لا توجد الفضيلة الا في المجتمع.

الحوار

آمن حسن صعب بالحوار من منطلق ايمانه بأن المؤمنين أخوة، وبأن هذه "الاخوانية" في الايمان لا تقتصر على المسلمين وحدهم وانما تشمل كل المؤمنين با لله الواحد الذي لا شريك له، أي أخوة المسلمين مع الكتابيين (اسلام الحرية . . .ص 32). وهو في حواره مع الكتابيين ينطلق من القرآن الكريم فيستشهد بآياته البينات وخاصة قوله عز وجل :

‏ان الذين آمنوا والذين هادوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن با لله واليوم الاخر وعمل صالحاً فلهم اجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون" البقرة/62" وأحسب أن هم الحوار الذي شغل حسن صعب نابع من معاناته لواقع وطنه والعالم في أيامنا هذه. فهو يريد أن يرى الحوار الفكري المبني على الاعتراف بالآخر، وبحرية الرأي أساس العلاقة بين أبناء وطنه وبين الناس جميعاً. وهو ناقم على الذين أحلوا الحروب محل الحوار فحولوا الدين عن مقاصده السامية وجعلوه سبباً لبعض هذه الحروب.

‏المشكلة في هذا الموقف تكمن في أن نجاح الحوار لا يتوقف على المسلمين وحدهم بل على جميع أطراف الحوار. اذ لا يمكن للحوار أن يؤتى نتائجه المرجوة أي التفاهم والاحترام المتبادل الا اذا تخلى المتحاورون عن اعتبار الحوار وسيلة من وسائل التبشير.

وهو اتجاه له انصاره بين أتباع الأديان الموحدة الاسلام والنصرانية واليهودية. ولكن الحوار قد يستعمل لافساد العقيدة وبذر بذور الشك، وهذا ما جعل العديد من أنصار الحوار يتنكرون له بعد ايمانهم به.

وأخشى ما تخشاه أن تطغى الرغبة في التقارب بين أتباع الديانات الموحدة لدرجة التخلي عن خصوصيات كل من هذه الأديان وطغيان موجة من السطحية الفكرية والتعلق عند المتحاورين، كل ذلك في سبيل تقريب وجهات النظر.

‏ولان حسن صعب لم يكن سطحياً ولا متملقاً ولا متنازلاً عن خصوصيات الفكر ‏الاسلامي فان دعوته للحوار لم تجد التجاوب المطلوب فاعتبره المسيحيون متزمتاً بينما اعتبره المتزمتون من المسلمين متسامحاً أكثر من اللزوم.

حسن صعب "عقلاني متدين" أي انه من أتباع ابن رشد. فهو لا يخفي اعجابه بالفيلسوف والفقيه الاسلامي الكبير كلما تطول لموضوع موقف العقل من الدين.

‏وأهمية هذا الموقف العقلاني في نظري أنه يبعث نشاطاً فكرياً فلسفياً  في ميدان الفكر الاسلامي خبا أواره منذ زمن بعيد.

‏وليس كالفلسفة محرك للفكر، فلم يجمد الفكر الاسلامي الا يوم أصبح رجال الشريعة أصحاب الفلسفة في تاريخنا. ولن ينشط الفكر الاسلامي الحديث الا اذا أعيدت للفلسفة مكانتها في اطار هذا الفكر.

‏وقد كانت لحسن صعب جولات موفقة في هذا السبيل، ولكنها انصبت في مجملها في ميدان فلسفة الفكر السياسي. وأعتقد أن هذا الجانب من فكر حسن صعب يستحق بحثاً خاصاً.

‏ وكم تمنيت عليه رحمه الله أن يتوسع في دراساته للفكر السياسي الاسلامي حتى  تتبلور لديه نظرية متكاملة للدولة الاسلامية.

النظرية الاجتهادية عند حسن صعب

‏أعجب حسن صعب اعجاباً كبيراً بالفيلسوف محمد إقبال. واقبال كما هو معروف مفكر ثوري اسلامي وجد في التصوف الاسلامي وفي مبدأ الاجتهاد بذور الثورة الفكرية الاسلامية فصاغ تفكيره في ست محاضرات فلسفية دعا فيها لاعادة البنية الفكرية الاسلامية.

والتصوف الاسلامي، تماماً كالفلسفة في الاسلام ، ‏مصدر طاقة حركية فكرية هائلة ، لذلك لا عجب ان لاقى محمد اقبال في نفس حسن صعب مكانة خاصة. فالنفس الانسانية التواقة دائماً للجديد، الساعية دائماً الى المعرفة والقرب من المثل الأعلى، تجد في‏النفحة الصوفية ملاذاً مشرقاً.

‏ثم ان الجانب الصوفي من الفكر الاسلامي يلقى تجاوباً خاصة عند المتدين، نصرانياً كان أم ‏يهودياً، ولذلك فالحوار أسهل وأنجح مع المتدينين اذا كان انطلاقهم من منطلق صوفي.

 ولذلك كان لا بد لحسن صعب في دعوته الثورية الاجتهادية الاسلامية، والحوارية من أن يخص الجانب الصوفي بحزء من اهتمامه.

‏وبعد، فقد ركزت على بعض جوانب الفكر الاسلامي عند حسن صعب، ولعلها ليست الأهم. فان قصرت فعذري أن فكر حسن صعب لا يمكن ايجازه في بضع صفحات. وأملى أن أكون قد وفقت في اقناع من لم يقرأ حسن صعب قراءة متأنية أن يقرأه اليوم. فليس من تكريم لرجل الفكر أكبر من أن يقرأ وينقد، ليستمر نور فكره وقاداً وأثره باقياً. رحمه الله وأشكنه فسيح جنانه والسلام عليكم .

د. عصام خليفة : لقد اكتنه الدكتور حسن صعب مظاهر التخلف التي تهدد الديموقراطية اللبنانية فلاحظ منذ عام 1966 ان ثمة جملة عوامل تهدد سيرنا الديموقراطي ومن ابرزها :

‏- فقدان الوعي العام بشخصية قومية واحدة

‏- ­فقدان الوعي بمسؤولية المواطن للديموقراطية المدنية

- فقدان القيادة السياسية والادارية الوطنية

- وهن التنظيم المجتمعي الحديث السياسي والنقابي والمهني

‏- اتخاذ موقف محاكاة ببغائية سطحية للتقدم الحضاري الحديث

‏- استهلاك نسبة عالية من اليد العاملة في الزراعة

- التفاوت في توزيع الدخل

‏في مواجهة هذا الواقع الخطير قام مفكرنا بتأسيس ندوة الدراسات الانمائية ، وجعل شعارها "انماء الانسان كل إنسان وكل الانسان". وهكذا تصبح السياسة فعلاً حضارياً يؤمن للمواطن : حق الحرية، حق الكرامة، حق العدل، حق الحياة ، حق الامن ، حق النمو، حق الصحة، حق الغذاء، حق السكن، حق الاكتساء، حق الاعتقاد، حق التعلم، حق التفكير والتعبير، حق العمل، حق المشاركة، حق الاختلاف وحق الابداع.

2- التغيير في السياسة و من خلالها

ينطلق مفكرنا من نقد جذري للمفهوم السائد للسياسة عندنا. فهي كما تمارس، كفاح من اجل الحكم و السيطرة، سبله المألوفة المخادعة و المراوغة و المنافقة و المساومة، و كل الوسائل فيه متسانحة من شراء الاصوات و القتل تتحكم بها الطائفية و العائلات الاقطاعية و اصحاب المال و بعض وجال الدين.

بمواجة هذا الوضع يطرح الدكتور حسن صعب تصوره الاصلاحي، فهو ينطلق  اعتبار علم السياسة علماً للحرية، و ان النظام السياسي الافضل للبنان هو النظام  الذي يحول لبنان من دولة متخلفة الى دولة متقدمة بالطريق الايسر و الاسلم. و اذ يطرح التمسك بوحدة الدولة اللبنانية و استقلالها، فهو يدعو للتغيير في نظامها المتداعي.

هذا التغيير يحقق في رأيه التحولات التالية:

التحول من السياسة الاستهلاكية للموارد الى سياسة تعبئتها تعبئة انتاجية شاملة.
التحول من سياسة استغلال الموارد لصالح فئة قليلة محتكرة الى سياسة توزيعها عقلانياً لخير الشعب بكامله.
التحول من سياسة الاعتماد على الغير الى سياسة الثقة بالطاقة الذاتية الخلاقة

4‏- التحول من سياسة التعويل على القطاع الخاص في تحقيق التقدم الاقتصادي الى سياسة تحرك القطاع العام ، لا لبناء بنية التجهيزات الاساسية فحسب ، بل لاتخاذ دور ريادي في اعادة تنظيم القطاعات الاقتصادية ، وفي تحقيق المشاريع الانمائية النموذجية التي يحجم عنها الرأسمال الخاص.

‏5- التحول من الالتزام بالملكية الفردية الخاصة الى موقف التوازن بينها وبين الملكية العامة الذي يقضي به التشارك الاجتماعي والتقدم الاقتصادي.

6 ‏- التحول من التعدد التربوي الطائفي والاجنبي الى نظام تربوي، وطني واحد تصبح فيه جميع المدارس في المراحل الحضانية والابتدائية والثانونية مدارس وطنية عامة وتصبح فيه الجامعة اللبنانية محور التعليم الجامعي.

‏7- التحول من نظام الاحوال الشخصية الطائفي الى نظام وطن ومدني واحد للاحوال الشخصية بجميع المواطنين اللبنانيين.

‏ويرى الدكتور صعب ان هذه التحولات الاساسية وغيرها لا يمكن ان تتحقق في ظل النظام القائم، وهي كلها ضرورات مسبقة لا ضرورات لاحقة للانماء الوطني. فالديموقراطية لا تعي حق الانسان او حق الشعب في ان ينتخب وان يحكم بحرية فحسب ، ولكنها تعي اول ما تعي حق الانسان ، أي حق كل انسان ، في ان يكون وان يصير بحرية.

والخطورة التي اعتبرها مفتاحاً للتغيير هي ايجاد نظام جديد للانتخابات النيابية. فتجربة العملية الانتخابية في لبنان هي محور الممارسة الحقيقية للديموقراطية اللبنانية، وهي قاعدة تطور النظام السياسي اللبناني من حال التخلف الى حال التقدم ، وهي بذلك منطلق تطوير لبنان من دولة نامية الى دولة متقدمة، أي من ديموقراطية سكتو كراسية و اوليغاركية الانتخابات ، وكان الدكتور حسن صعب ينظر الى هذا الانجاز كمدخل للثورة السياسية التي تغير البنية الزعامية المهيمنة على النظام تغييراً اساسياً.

‏لعل حسن صعب هو من المفكرين القلائل ليس فقط في لبنان وانما على امتداد العالم الاسلامي قاطبة - الذين اكتنهوا بعمق جوهر الحداثة من جهة وجوهر الاسلام من جهة اخرى، وخلص من هذا الفهم الى صياغة موقف فكري ملفت في تماسكه وتقدميته. فالدين ، في رأيه دعوة لا دولة ، لان الدعوة دائمة والدولة زائلة. والدين عقائد لا احكام لان العقائد ثابتة والاحكام تتغير بتغير الزمان والمكان. والدين اخوة لا عصبية ، لان الاخوة سبيل النجاة والعصبية سبيل الهلاك. والدين ايثارية خلقية لا طائفية انانية ولا مذهبية استغلالية. والدين عبادات ، تسمو بالنفوس لا طقوس تستهويها. ان الدين يغير النفس ليرسي فيها الوازع الذاتي، الذي يغنيها عن الوازع الخارجي من قانون او دولة.

في ضوء ذلك كيف فهم مفكرنا دور المسلم المعاصر من دينه ؟ وما هي العلاقة التي طرحها بين العلمنة والاسلام؟ لقا كانت الدعوة الى العقلنة والتحديث هي المحور الاساسي في ما كتب وحاضر. ولا يمكننا ان نحيط ، في هذه العجالة الصحفية، بكل جوانب العمارة الفكرية التي انجزها في هذا المجال. ولكن حسبنا ايراد بعض منطلقاته:

- يؤكد مفكرنا انه يجب على المسلمين القيام بمراجعة فكرية شاملة للاسلام كدين ولتاريخهم ايضا. وهذه المراجعة الفكرية المنهجية ضرورية لاعادة اكتشاف الحقيقة الاسلامية من جديده ولاعطائها حياة جديدة على ضوء معطيات العصر الذي نعيش فيه.

-  باب التجدد مفتوح في الاسلام ما دام باب الاجتهاد مفتوحاً. وعلى المسلمين ان يجددوا بالعقل والحكمة والتجربة والمصلحة جميع قواعد حياتهم ما دام هذا التجديد لا ‏يتنافى مع ايمانهم با لله وبرسول ا لله.

-  ‏موقف الاسلام من الحرية موضح في قوله تعالى "لا اكراه في الدين"البقرة/256، ‏وفي المبدأ الاصولي المعروف :"الاصل في الاشياء الاباحة". والحرية في الاسلام هي المبدأ الاول والاخير للخلق والكينونة والصيرورة. فالله حرية. والخلق حرية. والانسان حرية.

-  ان الاسلام من خلال القرآن ومن خلال الحديث ترك قضية الدولة واصولها وتنظيمها وشكلها في الاسلام بعد الرسول وهي مولود ارادي انساني صرف.

‏هذا الفهم المتجدد للدين انعكس على تصور مفكرنا للعلاقة بين العلمنة والاسلام. فهو يفرق. بين العلمانية الملحدة التي ترفض الله، وهي مجال رفض بالنسبة له، وبين العلمنة التي لا تعني الاعتقادية بل الحرية الاعتقادية، أي ان علمنة الدولة تجعلها تعتبر الاعتقاد او الالحاد امراً شخصياً، وهذه العلمنة هي مجال تأييد من قبل الدكتور صعب.

‏وبالنسبة اليه ايضاً تبدو العلمنة بمعناها الانساني العام اقرب ما تكون الى العقلنة. فلا تتعلق حينئذ بمعضلة تاريخية مؤسسية تجلت في المجتمع الغربي وفي المجتمع المسيحي اكثر مما تجلت في أي مجتمع آخر، وهي معضلة العلاقة بين الدولة والكنيسة، ولكنها تتجاوزها الى العلاقة بين العقل والدين، وبين العقل والدولة، والى ما هية دور العقل او دور الانسان في تنظيم حياته السياسية بصورة خاصة وحياته الاجتماعية بصورة عامة . وهو يشدد دائماً على ان النزعة الى العقلنة والعلمنة كالنزعة الى التدين لا يمكن ان تكون نزعة غربية او شرقية بل هي نزعة انسانية. وان علمنة الدولة هي عقلنة الحكم وتأنيسه لابلاغه اقوم مستوى ممكن من العدل بين جميع المواطنين. والعدل هو الروح الاسلامي وهو غاية الشرع الالهي. ولذلك لا يمكن الا ان يتوافق الاسلام والعلمنة من حيث الروح والغاية.

وان علمنة الحكم هي تحريره وتحويله من حكم الاكراه والمنافقة الى حكم الحوار والمواثقة. واذا تذكرنا ان الاسلام هو دين الاقناع لا الاكراه، وانه دين التناصح لا التنافق ادركنا مدى توافق روحه مع روح العلمانية غير الالحادية.

‏وعلى صعيد مسألة السيادة الشعبية يرى علامتنا ان محور الالتقاء بين سيادة الشعب في الحكم الاسلامي والحكم الحديث هو في حرية الاجتهاد في الحكم الاسلامي وحق التشريع في الحكم الحديث. وتعني سيادة الشعب اول ما تعي بمفهومها الاسلامي حقه في الاجتهاد حول نظام الحكم الاصلح له كما تعني بمفهومها الحديث حقه في اختيار هذا النظام وفي التشريع له. وهكذا فمن حق الجماعة ان ترى في النصف الاخير من القرن العشرين، في علمنة الدولة ، او في الديموقراطية العلمانية متجسد العدل.

لا يكتفي الدكتور حسن صعب بهذا الطرح العام و انما ينتقل الى وضع فيؤكد ان علمنة الدولة في مجتمع تعددي كلبنان هو فرض تقدمي ووطني لم يكن فرضاً دينياً اسلامياً و مسيحياً لتحقيق مستوى التقدم الواحد لجميع المواطنين و لتحقيق المسواة التامة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين . ثم أن عمنة الدولة تعني أول ما تعني الغاء أي شكل من أشكال التمييز بين جميع المواطنين اللبنانيين باسم الدين أو بحكم الطائفية وتحويل لبنان من حكم الطوائف الى حكم الشعب . وتصيير الالتزام تجاه الطائفة التزاماً تجاه المواطن ، أي تطوير نظام الحكم من ديمقراطية اسمية الى ديمقراطية حقيقية .

وعلى صعيد آخر من الطبيعي أن يكون مفكرنا حاسماً في مسألة الفصل بين العروبة والاسلام .

4 - لاتناق بين الانتماء العربي واستقلال الدولة اللبنانية

‏أن عمق الفكر السياسي والتارخي لدى مفكرنا حمله لفهم جدلية الترابط بين اللبنانية والعروبة. ومن هذا العمق كان يغرف دائمأ مناهج التحليل وبرامج الاصلاح. لقد فهم

الخلل البنيوي المهدد للوحدة اللبنانية ، وكيف ان هذا الخلل شكل باستمرار مسوغاً لتدخل الاستعمار والصهيونية لضرب الوجود الغريب. من هنا دفاعه المستمر عن القضية اللبنانية ، أي عن حق اللبنانيين في ان يكون لهم دولة قائمة على مبادىء حقوق الانسان ، وان ترتبط هذه الدولة بالمنظومة العربية في اطار التحالف والمصاح المشتركة والمصير المشترك.

لقد اكد دائماً على ان لبنان يجب ان يكون ، وان لا اكراه في هذا الخيار الوجودي، كما انه لا اكراه في الخيار العربي والانساني. كما كان يعتز باختياره للهوية اللبنانية من موقع فعل الارادة الوطنية العامة. وما كانت المحنة القاسية الا لتزيده ايمانا بخياره ودفاعا عن هويته. انه مع الوحدة ضد التقسيم , وهو مع التحرر ضد الاحتلال، وهو مع السلام ضد الحرب , وهو مع التلاحم الوطني ضد التهشيم الطائفي. حسن صعب حاسم وواضح في لبنانيته التي لا تتناقض مع عروبته.

‏ان لبنان الانسان المسيحي الاسلامي- كما يقول - هو لبنان الانسان الفريد وهو لبنان

الوطن الفريد. واما لبنان المسيحي او الاسلامي لوحده , فانه صقع كسائر الاصقاع. ولبنان الوطن المسيحي الاسلامي هو الوطن القدوة في التعبقر الانساني ,والابداع الحضاري، والتقدم الانمائي. انه المصغر الابداعي للوحدة في التنوع في التمدن العربي والتحضر الانساني. وهكذا فان رسالة وجود لبنان هي ان يكون دائما وابدا منطلق الحرية والتقدم لا لأبنائه فحسب بل ولاخوانه العرب وجميع البشر.

‏واذا يتحسس مفكرنا الخطر الداهم على لبنان من خلال الحروب المستمرة، فانه يطرح مبدأ تحرير لبنان وتوحيده وتطويره كقواعد حقيقية لانمائه الشامل والمتكامل. ويؤكد بوضوح ساطع . نريد ان يستعيد لبنان سيادته كاملة، ليتسنى له ان يتحضي وان يشارك في تحضير الآخرين تحضيرا متكاملا. لبنان الحرية. لبنان العدل. لبنان السيادة. لبنان الامن.

‏لبنان العقل. لبنان الانماء. لبنان الحضارة. لبنان الابداع. ذلك هو لبنان المستقبل. لبنان العقل لا لبنان العنف.  

‏كان المرحوم الدكتور حسن صعب يؤكد باستمرار أن الرسالة التي حملتها ندوة الدراسات الانمائية، منذ ان اسسها عام 1964 ، هي رسالة التواصل والتحاور والتلاحم بين جميع اللبنايين. وبعد اندلاع الحروب منذ العام 1975 اصبح هاجس ا‏زالة الحواجز بين العقول والقلوب هو الهم المقيم لديه. ولانه كان يعرف ان سبب الازمة لا يقتصر على العوامل الداخلية ‏فقط بقدر ما كان يرتبط بالعوامل الاقليمية والدولية، فقد حدد ‏طبيعة الرد.

‏في نظري مهما بلغ العنف في بلد صغير كلبنان، فوسيلة الدفاع الكبرى لدى اللبنانيين تجاه ‏الآحريز هو المتحد اللبناني، بحيث أن أي طامع بنا من قريب أو غريب لايجد أبداً ‏من يتجاوب معه أو يرضى أن يكون عميلاً له في لبنان وبمثل هذا المتحد نستطيع ان نواجه الآخرين.

‏وبرغم كل المصاعب كان يرفض الاستسلام للقنوط، يقول نحن نرفض هذا اليأس من بعضنا البعض، كما نرفض العنف مع بعضنا البعض. وذلك لانه محكوم علينا بان نتحاور ونتفاهم ، ومحتم علينا بان نجعل السيادة في لبنان ، بل في العالم كله ، للعقل والحوار والتراضي. ونحن على يقين ، بان هذا هو ما تدعو اليه القيم العلوية للاسلام والمسيحية. وهذا هو ما يريده الشعب جميع ابنائه. وبعد كل جولة من الحروب المستمرة ، كان مفكرنا يعقد المؤتمر تلو الآخر دعماً للوفاق. وفي محاضرة له في مؤتمر "الثقافة والدين والسياسة واعادة بناء لبنان" الذي عقدته الحركة الثقافية انطلياس "عام 1985"  طرح الاسس الاولية التي لا يرسخ بدونها أي وفاق وطني .

‏اننا ديناً ودولة نجتاز ازمة وجود. وهي ازمة لبنان وازمة العرب بل ازمة الانسان. ووجه الازمة اللبنانية لا يعالج بالخطط الامنية، وبالاصلاحات الدستورية ، ‏وبقوانين الجنسية. وبالغاء المراسيم الاشتراعية ، ولا بالعلمنة او بالغاء الطائفية السياسية ، ان لم تكن، وراء كل ذلك ، وقبل كل ذلك ، توافقات ذاتية اجتماعية ، لا يستقيم بدونها التلاحم الكياني الوطني، وهي : 

‏‏أولا  : الاجماع على علوية الهوية الانسانية للمواطن اللبناني فوق اية هوية اخرى، ‏وعلى ان هذا المواطن أي هذا الانسان هو غاية في ذاته وليس اداة.

‏ثانياً  : الاجماع على وجوب الاحترام المتبادل لحرية الاعتقاد الديني، والتفهم ‏المتبادل للاعتقاد واللااعتقاد، ولامكان تغيير الاعتقاد.

ثالثاً  : الاجماع على حق الاختلاف الديني والايديولوجي والفكري والسياسي في نطاق الالتزام بالانتماء الوطني الكياني الواحد، على ان يمارس هذا الحق عقلانياً لا عنفياً.

‏رابعاً  :الاجماع على نظرة مستقبلية وعلى موقف مستقبلي من التصورات والعلاقات المجتمعية الحضارية.

خامساً: الاجماع على الالتزام بالعقل والاقناع والحوار في تسوية كل ما يقوم وما يستجد من اختلافات او منازعات بين المواطنين اللبنانيين ، ‏والثقة بقدرة العقل على تسوية هذه الاختلافات والمنازعات تسوية ابداعية.

سادساً: الاجماع على ان الدين هو ما يتفق مع العقل، وان ما لا يتفق مع العقل لا يتفق مع الدين، وان على كل منا ان يتفهم حقيقة دين الآخر عقليا وان لم يسلم بها ايماناً.

سابعاً : الاجماع على اهلية كل منا للارتقاء في سلم التطور الحضاري ، ‏اياً كانت الفئة التي ينتمي اليها او المنطقة التي يولد فيها، على ان نؤمن له فرصاً متكافئة مع فرص الآخرين.

ثامناً  : الاجماع على ان الانسان تصنعه البيئة والثقافة والتربية ، لا الوراثة.

تاتسعاً: الاجماع على ان الهوية العربية هي هويتنا الذاتية الاختيارية، وعلى ان الثقافة العربية المنفتحة على سائر الثقافات الانسانية انفتاحاً ابداعياً هي ثقافتنا الذاتية الاصيلة.

عاشراً: الاجماع على ان حضارة الانسان الكونية العصرية هي حضارتا الذاتية، وان علينا ان نشارك فيها مشاركة ابداعية، وان علينا ان نظر اليها، اياً كان موقفنا القيمي منها، على انها ذروة تطور سائر الحضارات التي عرفها الانسان ، وفي طليعتها الحضارات التي نشأت في ديارنا.

‏هذه المبادىء العشرة هي قوام نظرة انسانية للانسان أي للمواطن اللبناني. وهي تنويرية انساية، لا يستقيم بدونها أي تجديد ايديولوجي او سياسي او اجتماعي او اقتصادي او ثقافي في لبناننا الجديد. وهى تنويرية عقلانية قيمية، لا بد ان تتجدد بها تصوراتنا ومعتقداتنا وتعاملاتنا الدينية، اذا اردنا ان يبقى لبنان ، ‏وان يبقى الدين في لبنان، وان يبقى له دوره في اعادة صياغة لبنان. و ليست هذه المبادىء العشرة كيثاقاً وطنياً جديداً، بل هي شرعة وجود. نكون موجودين بها و لها و لا نكون.

وفي 8 ‏أيار 1988 كان الدكتور حسن صعب المشارك البارز في مؤتمر الثقافة والتغيير الذي عقد في الحركة الثقافية - انطلياس، وكان في عداد اللجنة المصغرة التي توصلت الى صياغة الميثاق الثقافي الوطني. كما كان رائد التحركات التي قامت بها الهيئات المتعاونة من اجل استقلال لبنان ووحدته وسيادته واصلاح نظامه.

‏سيكتب الكثير عن حسن صعب المفكر والديبلوماسي والاكاديمي والمناضل والانسان ، وسيبقى الكثير من جوانب شخصيته الفذة بحاجة الى مزيد من الدرس والتحليل ، وفي حديثنا المقتضب هأا لا نزعم اننا وفينا الرجل الكبير حقه. لقد قمنا فقط بتسليط بعض الضوء على جوانب احببناها واحترمناها لديه. ولا شك ان القيمين على ندوة الدراسات الانمائية من بعده ، وهم من اهل العلم والمناقب والوطنية ، وكذلك محبي الراحل الكبير من مختلف الهيئات الثقافية والاجتماعية ، سيكونون اوفياء لذكراه ، وسيستمرون في النضال دفاعاً عن افكاره. ولا شك ان هذه الافكار ستبقى منارة تهدي الاجيال اللبنانية والعربية الصاعدة لانها ترتكز على قيم الاستقلال والحرية وحقوق الانسان.

أ.نجوى السيد : انماء الانسان كل انسان، وكل الانسان شعار اطلقه حسن صعب يوم اسس ندوة الدراسات الانمائية عام 1964 اتخذ هذا الشعار رسالة للندوة و التزمه منذ ذلك و نذر له حياته.وهكذا اتخذت الندوة التوعية العامة بالانماء رسالة لها.و كحان سبيلها الى ذلك و ما زال دراسة الموضوعات و القضايا الانمائية دراسة علمية و تعميم دراساتها بين المواطنين.

لقد رأى حسن صعب ان لبنان يراوح بين التخلف و التقدم و لذلك فقد قال في تقديم أحد منشورات الندوة حول المفاهيم الحديثة في لبنان أن "غاية الندوة الرئيسية هي أن يعي كل مواطن  لبناني مسؤولياته الانمائية ليشارك في تحرير لبنان، بل في تحرير العالم العربي و تحرير الانسانيىة كلها من أوزار التخلف و آثامة " و تابع يقول ان "التحرر الشامل من التخلف بمختلف صوره هو الغاية و الوسيلة. انه الغاية لا المستوى الحياتي الكريم هو حق من حقوق كل انسان. هو الوسيلة لأن هذا المستوى هو منطلق روحية ذاتية خلاقة لكل مواطن و كل انسان."

من هنا انطلقت بالعمل على انماء المناطق و المحافظات على رغم المعارضة الشديدة من العشائر و الاقطاع و التي وصلت في بعض الاحيان الى التهديد. و لكن هذه المعاضرة و هذا التهديد لم يمنعا حسن صعب من السير فيما يؤمن به و هو العمل على تحرير الانسان في هذه المحافظات من الجهل و الحرمان.

‏من هذا المنطلق الذي آمن به حسن صعب نجد أنه كان في كل مسؤولية تحملها دبلوماسياً وسياسياً واستاذاً وأميناً عاماً للندوة ومحاضراً في مختلف البلدان العربية والأجنبية نموذج المواطن الواعي لتحديات العصر الانمائية لأنه كان مفكراً متعدد الجوانب ، ‏فلم يترك موضوعاً الا وتطرق اليه.

‏لقد كتب وحاضر في السياسة والانماء السياسي، وألف في الاقتصاد والانماء الاقتصادي، ‏وكان رائدا من رواد الاعلام والانماء الاعلاميه وصال وجال في التربية والانماء التربوي. وله في كل هذه المواضيع وغيرها مؤلفات عدة تدور في معظمها حول الانماء.بمختلف جوانبه. وقد ألف في اللغة العربية سبعة عشر كتابا كان اخرها "العرب يبدعون مستقبلهم".

‏وكذلك ألف في اللغة الانكليزية وله ترجمات من الانكليزية والفرنسية الى اللغة العربية، وأشرف على الاصدار والمشاركة في تأليف إثنان واربعين كتابا من كتب الندوة وبيعها تناولت موضوع الانماء في شتى ميادينه. له مقالات في عدد كبير من المجلات والصحف العربية منها والأجنبية. له رؤية محددة فى الانماء بحيث كان يقول ان الانماء تخطيط لا تخبط وارتجال.

‏لقد رأى في الانماء تحريرا للانسان من التخلف بجميع صوره وأبعاده الاقتصادية

‏والاجتماعية والثقافية والسياسية، وعى ان الانماء دعوة للتحرر من جميع أشكال العنف الغابية كما سماه, ونظر دوما على أنه قاعدة الاستراتيجية اللبنانية والعربية لمواجهة العدوان الاسرائيلي والقوى الاستعمارية التي تدعمه وتحميه ، ‏ورأى في الانماء رسالة تحرير للبنانيين من اليأس الذي يتخبطون فيه منذ العام1975, وقد رفض اليأس ، ‏كما رفض التخلف ، ‏وكما رفض العنف.

‏لقد رأى حسن صعب أن أوج التخلف هو العجز عن وعي قوانين التطور التاريخي وما تقتضيه من تكيفات تنظيمية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. ورأى أنه اذا ظل لبنان مصراً على العيش في ظل القرن التاسع عشر فسيبقى تخلفنا يعطل علينا أي وجه من وجوه انمائنا الوطني، والانماء الوطني لا يستقيم الا بالتجدد وبانتصار عقلية التطور والتقدم على عقلية التحجر والتخلف.

‏كان حسن صعب ينشد في كل ما يقوم به انتصار الانسان على كل تحجر اقتصادي ‏سياسي علمي اجتماعي ثقافي تربوي الخ. لأن الانسان هو الرأسمال الأكبر للانماء وقال "ان الانسان هو الكائن الوحيد الذي لا يحيا بالفطرة بل بالارادة، ولا يتجدد بالطبيعة بل بالتربية ، ولا يتطور بالرتابة بل بالثقافة."ولذلك كان يطالب بتربية جديدة لصناعة انسان جديد ولابداع لبنان جديد، لان التربية التي مارسناها منذ عام 1943 حتى عام 1975 جرت الى المأساة التي عشناها وما نزال منذ العام 1975 ولانهاء هذه المأساة يتوجب علينا بل أقول لقد أصبح لزاماً علينا أن تكون لنا ثورة تربوية تتعهد عقل الانسان وشخصيته وتغذي ثقافته وتوجه سلوكه فتكون التربية رسالة لتسريع التقدم بعد ان كانت اداة لتدويم التخلف ، ومن هنا يقول حسن صعب ان "التربية حرم مقدس لانها تتولى صناعة الانسان ، ‏وبوسعها ان تمسخه عبداً للماضي او ان تخترعه كائن المستقبل.

وانساننا المفضل هو رائد المستقبل الأفضل."ويتابع" انا الآن نتعاصر مع اعجاز التواصل الحضاري الفضائي، ونتحول من الأمية الالفبائية الى تحديات الاميات النووية والالكترونية والفضائية. ولكم تباهينا باختراعنا ابجدية الحروف وتتحدانا اليوم ابجديات الذرات والالكترونيات والافلاك "ويتساءل أخيراً" هل تستنقع تربيتنا مع ابجدية الماضي أو تتحرك مع ابجديات الحاضر والمستقبل.

‏وفي مقدمة بحثه في مؤتمر الندوة الوطني الثالث عشر للانماء الوطني حول التطوير الانمائي للبنان من حالة الحرب لحالة السلم استبق الاحداث وقال انه على يقين بان لبنان يتحول من حالة الحرب الى حالة السلم ولكن هذا التحول يجب ان لا يكون تحولا عشوائياً بل تطويراً عقلانياً من التخلف الى التقدم ، ومن الغابة الى الحضارة ، والى العيش بكرامة لجميع مواطنيه. وهذه الحياة بكرامة لجميع المواطنين هي في نظره جوهر التطوير الانمائي.

والتطوير الانمائي في نظره يستلزم سيادة العقل في لبنان، سيادة العقل في الدين، وسيادة العقل في السياسة، وسيادة العقل في علاقة المواطن باخيه المواطن. والعلاقة بعقل هي رائدة رؤية المستقبل. وسيادة العقل هي الجامع المشترك في وجه المبتسرات الي تلوث نفوسهم حول بعضهم البعض في مستنقع الغابة. ويقول : ليس بوسعنا ان نكون عقلانيين انمائياً، ونحن لا عقلانيون طائفياً ومذهبياً وايديولوجياً وسياسياً وعقلائياً. فبالعقل نفكر ونستطلع ونخطط وننظم دولة الفعالية القادرة على وضع التخطيط موضوع التنفيذ في سبيل الخير العام لجميع المواطنين. اذن بالعقل نفكر، وبالعقل نستطلع وبالعقل نخطط.

‏والذي يريد ان يعرف اكثر عن فكر حسن صعب الانمائي فليقرأ كتبه ومن بينها الاسلام وتحديات العصر، المقاربة الانمائية للانماء العربي، تحديث العقل العربي، الانسان العربي وتحدي الثورة العلمية التكنولوجية ، اسلام الحرية لا اسلام العبودية والعرب يبدعون مستقبلهم ، وهذا آخر ما كتب.

حسن صعب موسوعة انمائية ومعين علمي لا ينضب ، فكر ثاقب ورؤى مستقبلية اثبتت الأحداث صحتها. ان كتبه جميعها مبنية على ان الانسان هو الغاية وأنه الرأسمال الأول. وما علينا نحن في ندوة الدراسات الانمائية الا أن نتابع المسيرة، مسيرة الانماء والنضال المستمر في سبيل تحقيق الحرية والتقدم للبنان ، لكل مواطن في لبنان ، وفي سبيل تحويل لبنان من دولة نامية الى دولة متقدمة. وبذلك نكون أوفياء لمؤسسها، صادقين مع انفسنا، عاملين على إنماء الانسان، كل إنسان ، وكل الإنسان.

أ. محمد المشنوق : ان انساناً مثل الدكتور حسن صعب لا يمكن حصر حركته ونتاجه وافكاره من زاوية محددة نظراً لأن شخصية حسن صعب الديناميكية تبرز في كل ما قام به على الصعيد التخطيطي او التنفيذي وفي اطار النشاطات السياسية او الانمائية او الاعلامية .. والانسانية بصورة خاصة. حسن صعب عمل على الانسان ومن اجل الإنسان ، فكان في كل ما قام به يعتمد الإنسان مؤشرا و يعتمد التطور الإنساني مقياساً وحافزاً.

‏ولا يختلف حسن صعب الإعلامي عن حسن صعب الآخر في نشاطاته المتعددة والمتشعبة، فإعلاميا عمل لكلية الاعلام والتوثيق ، كما نشط في نقل افكاره في وسائل الإعلام وكأنه ابن المهنة او كما يقولون "ابن بجدتها"، وفي التخطيط الإعلامي شارك ضمن الجامعة العربية في وضع إنشاء وكالة انباء عربية ، كما كان في تمثيله للبنان ضمن اطار منظمة الثقافة والعلوم "ألسكو" يحمل معه افكاره الإعلامية التواصلية. لكل هذا سأتناول فكر حسن صعب الإعلامي من خلال نشاطه وكتاباته وادارته الإعلامية.

‏لو كان لي ان اختار عنوانا جديداً للحديث عن الدكتور حسن صعب لاقترحت عنوانا قد يبدو غريبا عند سماعه للمرة الأولى ولكنه حتماً سيكون منسجماً مع مجموعة من التسميات التي اطلقها حسن صعب في اطار النشاطات المختلفة التي كانت جزءاً اساسياً من حياته. هذا العنوان الجديد هو وببساطة ، أبعاد التواصل عند حسن صعب.

‏واذا كانت ندوتا تتناول الفكر الإعلامي، فإن هذا يشكل احد أبعاد التواصل القائم على الإنسان في لبنان وعلي البشرية في مفهوم عالمية التواصل التى كان حسن صعب يقف امامها معجباً بما حققته الثورة الإتصالية في القرن العشرين ، وما تركته من بصمات عميقة وتأثيرات لا تحد على الإنسان والمجتمعات في كل مكان.

‏ولعلني اتوقف امام ابعاد التواصل قبل حصر الموضوع في الإطار الإعلامي.

‏يقول حسن صعب ان البعد الفقهي هو معضلة التفهم العميق لجوهر الثورة الحضارية الإعلامية العصرية. وان البعد الأيديولوجي هو معضلة الإختيار بين الإعلام الحر والإعلام الموجه. وان البعد المؤسسي هو معضلة تقرير ملكية وسائل الإعلام من قبل الدولة او الحزب او النقابة او رأس المال او الشعب او من قبل جميع هؤلاء، وان البعد المضموني هو معضلة تفضيل الاعلام المشوق او الاعلام المثقف. والبعد التجهيزي هو معضلة التملك لجميع وسائل الإعلام انتاجاً وتوزيعاً. وان البعد التدريجي هو معضلة الإنسان الذي يتولى الإعلام حضارة و سياسة و مهمة و ادارة و تحريراً.

هنا يبرز واضحا ان البعد الإنمائي كان جزءاً بل هاجساً في فكر حسن صعب ، والبعد الديموقراطي كان ايضاً جزءاً لا يتجزأ من ممارسة الحرية في المجتمعات والترجمة الأمينة لتطور هذه المجتمعات. اما بعد الإلتزام الإنساني، فقد كان بالنسبة لحسن صعب جزء من عملية الاعداد الضرورية منطلقاً في ذلك من البعد العلمي والتخطيطي وما كان له ان يسميه "معرفة ادارة الأمور" وهو يلخص مفهوم القيادة المميزة.

‏والحقيقة انه لو نظرنا الى هذه الأبعاد بصورة مجتمعة او منفصلة لكان البعد الإعلامي جزءاً متمماً لأي منها. ان حسن صعب أحسن الإفادة من بعد الاعلام في تحقيق التواصل الذي يصب في النهاية في كل ما ينفع الإنسان ، ويحقق ديناميكية الإستمرار. فهو القائل "لا إنماء بلا إنسان ولا إنسان بلا بناء متماسك ولا بناء متماسك بلا حرية ولا حرية بلا اعلام ولا اعلام بلا انسان ملتزم"، فتكتمل لديه الحلقة ويتحقق التواصل وديناميكية التطور ليشمل الإنسان ، كل إنسان ، وكل الإنسان".

ويتميز البعد الإعلامي عند حسن صعب بأنه التواصل كذلك ، حتى ليكاد يختفي الإعلام أمام التواصل ، ‏او يتحقق التواصل في الاعلام اذا توفرت شروط الحرية والديمقراطية والإلتزام الإنساني. ومن هذه الزاوية، يقف الإعلام منارة عالية قادرة على شد الإنسان والمجتمع في لحمة الرأي العام القادر على الإنجاز. لقد أدى ذلك بحسن صعب الى التوقف عند ضرورة صياغة جديدة للإعلام. وقد كان لي ان استمع اليه في جلسات مغلقة بصفته عميداً لكلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية ، وكان هاجسه في هذه الأيام (في عام 1975 بالذات)، ان تعليم مبادىء العمل الصحفي لا ممكن ان يعطي نتائجه الا اذا ارتبط بمفهوم جديد للإعلام قابل للتكيف مع التطورات العصرية التي اخذت مبادىء الإنماء والتسويق الإجتماعي كهدف تعمل باتجاهه الإستراتيجيات الإعلامية.

‏كان يقول ان متقدم الأمس واليوم والغد هو المتقدم في العلم والمتفوق في الإعلام. وإنسان اليوم المتقدم هو المتفوق في تكنولوجيته الصناعية، ولكن انسان الغد المتقدم هو المتفوق في تكنولوجيته الإعلامية. اننا هنا مع تطور جديد للحضارة وتطور جديد للإعلام يتلاقيان في مفهوم جديد للحضارة التواصلية الإعلامية. فالتطور الحضاري الجديد هو نحو حضارة محورها المعرفة أي الدماغ الإنساني والتطور الإعلامي هو في تكنولوجية اشاعة هذه المعرفة.

‏ولأن حسن صعب كان قادراً على تفصيل الأمور وتبسيطها، فقد حاول ان يعطي البعد الإعلامي منهجية تفصيلية تتناول جوانب اجتماعية، الهدف منها استكمال بناء الشخصية الإنمائية لتكون قادرة على الإعلام وعلى التواصل بمفهومه الشامل في آن معاً. فلا يكفي ان تحسن الكتابة والإلقاء وفن العمل الإعلامي أكان مكتوباً او مسموعاً ومرئياً، لأن هذه المعرفة تظل مجردة من فهم التغيير الإجتماعي الذي يحققه التواصل.

‏فبقدر ما تقترب من ادراك أبعاد التواصل في شموليته ضمن العمل الإعلامي بقدر ما يأخذ هذا الإعلام بعد الإسهام في تطوير الانسان والمجتمع.

‏حسن صعب كان واضحاً في ما يريد وكان يقول انه يحب ويكره، وكان يعجب بهذا المعلم او ذلك المفكر ، ‏كما كان يأخذ مواقف سلبية واضحة ممن يرى فيهم خروجاً على مفهومه للتواصل في المجتمع.

فهو مع التعليم الشمولي في وحدة انسانية متكاملة وهو مع تحقيق شخصية الإنسان في اعلى مستويات الإنجاز والإبداع ضمن وحدة للمجتمع كما للوطن دون ان تتخلى عن ابعادها العالمية. هذا هو ما اراده حسن صعب في قوله انه لا يريد ان يتقن الإنسان فن الإعلام متخلياً عن أبعاد التواصل وديناميكية التطور في المجتمعات. وقد ترجم هذا التصور من خلال المعالجة - المعاناة لتغيير المناهج الإعلامية بما ‏يتناسب وهذا التواصل.

‏في هذا المجال يقول حسن صعب ان الإنسان يقارب التكنولوجيا الإعلامية مقاربة اجتماعية بمقدار ما يقاربها مقاربة فردية. ان الثورة الاعلامية العصرية ما تزال في طفولتها. وانها تتلازم مع طفولة انسانية كيانية وتتناقض معها. ففي الوقت الذي دخلنا فيه طور الإعلام الوحداني الكوني الذي لم تعرف الحضارة له مثيلا من قبل، دخلنا طور التعدد الديني السياسي الذي لم يعرف التاريخ له مثيلا من قبل لسنا نفترض ان تؤدي التكنولوجيا الكونية الواحدة لبرنامج كوني إعلامي واحد. ان مثل هذا التوحيد يفقد الكون اجمل ما فيه وهو وحدته في تنوعه وتنوعه في وحدته.  

‏كما للإعلام هذا البعد الشمولي، الذي ينسجم مع كل أبعاد التواصل عند حسن صعب، كذلك فإن لهذا الإعلام بعد البناء التدريجي حرصاً على مواكبة الأبعاد الأخرى، فلا يكون بعيداً عنها في ابراج عالية في اطار ترف الاعلام للإعلام ولا يكون غارقاً في تفاصيل الحدث اليومي فيغيب عنه السياق الشمولي ، ويظل يلهث في سطحية لا تشكل بناء تدريجياً وثابتاً. ولذلك فقد حرص حسن صعب على تمييز الإعلام ليكون جزءاً من الانماء بمفهومه الواسع ومن خلال التفاصيل الإنمائية ولكنه اراد ان يظل هذا الإعلام انسيابياً بحيث لا يعرض العملية الانمائية لبروز مفتعل ولا يتناولها بسطحية تنتهي مع انتهاء النهار فيذوب الحدث الإنمائي ولا يحقق التراكمية والتفاعل والبعد المستقبلي الذي يطمح اليه الإنمائيون.

صحيح ان حسن صعب لم يكن يتول العملية الإعلامية بصورة مباشرة ومن خلال وسائل محددة، لكنه كان الأصدق في علاقاته مع الاعلاميين، فلا يطمح الى عنوان في الصفحة الأول كما لا يطمح الى دقائق ثمينة في صدارة الأخبار الإذاعية والتلفزيونية، بل كان يريد ان تأخذ العملية الإعلامية بعداً طبيعياً لا تعكس حمله مكثفة تقف نتائجها فور انتهائها، ولا يريد ان تسقط العملية الإتصالية في الذاكرة اليومية السطحية.

‏لكل ذلك كانت الإطلالة لحسن صعب تحمل طابع المقال او الموقف الذي يتناول كل شيء في اطار السياسة والجوانب الإقتصادية والإجتماعية والتربوية، بحيث يعكس ما يكتب احاسيسه وتطلعاته وفهمه لأجزاء من التواصل باتجاه هدف واحد هو الإنسان، ولذلك فقد كانت لحسن صعب مواسم للإنماء، بينما كانت له استمرارية في الإعلام بحيث يحقق في البعد الإعلامي ما يطمح اليه البعد الانمائي في التواصل الإنساني.

‏عن هذا الواقع يقول حسن صعب ان الحرب الإعلامية في كوننا اللبنانى الصغير تجعلنا ندرك ان الثورة الإعلامية يمكن ان تكون تقاطعية. بمقدار ما يمكن ان تكون تواصلية، بل يمكن ان تكون تعازلية بمقدار ان تكون تحاورية. وهذا يستدعي التفهم الأعمق لحقيقة الثورة الإعلامية والتخطيط الأقوم لاصطناعها الأفضل.

‏ويقول حسن صعب ان لبنان المستقبل هو لبنان التواصل الاعلامي الإنساني الخلاق. فنحن الآن حضارياً في عهد التطور من التحضر الصناعي الى التحضر العلمي التكنولوجي الإعلامي. ونحن الآن انسانيا في تطور من حال التواجد الإنساني الى حال التواصل الإعلامي الإنساني اللحظوي. ونحن الآن سياسياً في حال التطور من الديمقراطية الى التلكراسية أي الحكم الشعبي الى دولة التواصل الإعلامي. ونحن الآن امام تحديد للتقدم لأنه التقدم الإعلامي.

‏وهكذا يرى حسن صعب اننا نتناول الإعلام في سياقه السياسي اكثر ، ‏مما نتناوله في سياقه الحضاري سواء اكان ذلك على الصعيد الوطني او القومي او الدولي لذلك تأتي سياستنا الإعلامية ظرفية او تخديرية اكثر  مما هي حقيقية. فالسياسة الإعلامية الحقيقية لا يمكن ان تنفصل عن ‏حقيقة التطور الحضاري الإعلامي ..

ومن المفيد هنا الإشارة الى ان للدور التحديثي والتوحيدي الديمقراطي لوسائل الإعلام بالنسبة لحسن صعب ثلاثة ابعاد رئيسية : البعد التثقيفي ، ‏والبعد التربوي، والبعد المدني، وكلها على علاقة مباشرة بالإنماء. فالقائل (اعلامياً) هو الرائد الإنمائي الإعلاميه يقول لنا الحقيقة حول وقائع تحلفنا ومتطلبات تقدمنا، ويستعمل في قوله جميع ادوات الإعلام المرئية، ويفعل قوله فيهم فعله في تعبئة نفوسهم تعبئة انمائية. ويقف حسن صعب عند هذه النقطة ليؤكد اننا نتجه بفضل الثورة الإعلامية الى مدينة العارفين SOPHOCRACY، ونتجه بفضل التلازم بين تكنولوجية الإعلام و وسائل الإتصال نحو مدينة التواصل TELECRACY قتتكامل الرؤية والمنهجية والتكنولوجيا بما يمكن ان يصنع الإنسان صناعة جديدة ، والإنسان العربي بصورة خاصة بحيث يوحد العرب في اطار اللحظنة ‏لعملية التواصل و تأثيرها على سلوك الإنسان.

‏ايها الأخوة،

‏هذا هو حسن صعب الإعلامي . . انسان حالم بجنة التواصل ، وانسان يعرف ان دون ذلك الجهود الضخمة لبناء انسان قادر على التواصل وانجاز عالم يتفاعل ويتقدم من خلال هذا التواصل. فبناء الإعلامي يحقق هدفاً بهذا الإتجاه، وتحقيق ابعاد التواصل يصل بنا الى انسان حسن صعب ، وانخراط هذا الإنسان التواصلي في مجتمع التواصل يحقق لنا في لبنان ما نطمح اليه ويحقق لنا في الوطن العربي ما ممكننا من التفاعل الإيجابي مع التواصل العالمي.

‏عالم الأحلام هذا هو كعالم جول فيرن JULES VERNE الذي جعلنا نحلم باكتشاف الفضاء والعوالم المحيطة بنا والذي نتذكره كلما سمعنا عن مركبة تقارب كوكب الزهرة او المريخ فنتأكد ان احلامه باتت حقيقة في متناول اليد.

‏ولعلنا في المستقبل نتطلع الى احلام حسن صعب وافكاره الإعلامية كلما تحقق التواصل ، ‏وكلما لامسنا بعضاً مما نادى به وعمل من اجله.

‏وختاماً انحني امام هذا الرجل الذي اتعبه القلب فجنح بعقله وروحه لينسج طريقاً يسير عليها الحالمون مثله ، ألا تبدأ صناعة المستقبل بحلم يتحقق. . . ولو بعد حين !

مؤسسة حسن صعب للدراسات والأبحاث

محمد ع.درويش

المراجع

1- حسن صعب      : "لبنان العقل لا لبنان العنف"

                          دار العلم للملايين، بيروت 1989 ص251

2- المرجع نفسه     : ص 252

3- المرجع نفسه     :ص 5252

4- المرجع نفسه     :ص 6

5- عمر فاخوري    : "الحقيقة اللبنانية"، منشورات دار المكشوف،

                         بيروت 1944 ص12

6- حسن صعب     : "لبنان العقل لا لبنان العنف"، ص8

7- حسن صعب     : "علم السياسة"

                        دار العلم للملايين، بيروت الطبعة السادسة 1983

8- حسن صعب     :"لبنان العقل لا لبنان العنف"، ص138

9- المرجع نفسه     : ص117

10- المرجع نفسه   : ص124

11- المرجع نفسه   : ص9

12- Georges Burdeau: La Démocratie Seuil, Paris 1956 p. 179

13- La Démocratie à Refaire. Colloque Franco – forum.

Les editions ouvriéres 1963 p.278

14- حسن صعب   : "لبنان العقل لا لبنان العنف" ص 121

15- المرجع نفسه  : ص237

16- المرجع نفسه  : ص201.


رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير و برمجة: شـركة التكنولوجـيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 802528249
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه. موقع صيداويات © 2017 جميع الحقوق محفوظة
عقارات صيدا سيتي