بـ 600 دولار شهرياً تتملك شقة في صيدا - 5 صور
احجز مقعدك في جامعة الشرق الأدنى في التخصص الذي ترغب به
مشروع ناي السكني NAY RESIDENCE في الشرحبيل (أبو عيد للتطوير العقاري)
احجز مقعدك في جامعة الشرق الأدنى في التخصص الذي ترغب به هل ترغب في استلام النعوات (الوفيات) على الواتساب؟ للبيع / للإيجار: شقق - فلل - محلات - مكاتب - مستودعات - صالات - أراضي - مشاريع عقارية V VIP تاكسي صيدا والمطار ولبنان - تاكسي خاص بالنساء - رحلات سياحية - خدمة ديليفري مطلوب موظفين مشاهد من صلاة وخطبة العيد في مسجد ميسر مجدليون‎ ـ 36 صورة شباب التنظيم الشعبي الناصري يعايدون أهالي صيدا‎ ـ 7 صور الجماعة الإسلامية تستقبل المهنئين بعيد الفطر المبارك - 45 صورة Sidon celebrates Eid al-Fitr رباّنيّات غير رمضانيّات حكم خروج المرأة لصلاة العيد الشيخ حبلي يستقبل المهنئين: العيد الحقيقي يوم تجتمع أمة الإسلام على كلمة سواء‎ أسامة سعد يؤدي صلاة العيد ويزور أضرحة الشهداء‎ ـ 26 صورة + فيديو عامر عفيف معطي: «معطي غروب للتجارة والمقاولات» نقلة نوعية في قطاع البناء وهديتنا للشباب ومحدودي الدخل مشروع سكني في صيدا بمواصفات عالية وتسهيلات بالدفع ودعم للمجتمع المحلي Hand grenade attack in south Lebanon's Ain al-Hilweh leaves five wounded ترقبوا صلاة العيد من ملعب الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله في مشاريع الهبة‎ ـ 6 صور مبارك افتتاح مطعم Palazo في صيدا - 45 صورة الشيخ عفيف النابلسي يهنئ بعيد الفطر السعيد مبارك افتتاح ديوان السقا في حي الزويتيني بصيدا القديمة لصاحبه رياض السقا - 75 صورة إنتحار شاب في الغازية بطلق ناري من مسدس حربي لمناسبة العيد الحريري رعت إفتتاح المنتزه العائلي Miska Festival Park في الهلالية - 15 صورة فلسطين تجمعنا تحيي يوم القدس العالمي بمباراة تكريمية فلسطينا لبنانيا - 33 صورة البزري يُدين محاولة الاعتداء على الحرم المكي الشريف النهضة عين الحلوة بطل دورة رمضان بعين الحلوة - 40 صورة سقوط 5 جرحى بينهم أطفال في إلقاء قنبلة يدوية في عين الحلوة مركز الرحمة لخدمة المجتمع يعايدكم ويتمنى لكم عيد فطر سعيد البزري يُهنئ اللبنانيين بحلول عيد الفطر المبارك بلدية صيدا باشرت تسليم هبة 120 خزان مياه للمتضررين من إشتباكات مخيم عين الحلوة - 9 صور محاضرة علمية بعنوان أسرار القلب في مسجد ميسر بعدسة وليد عنتر - 7 صور أسامة سعد يهنئ بعيد الفطر المبارك‎
مبروك عليك! دفعة أولى بس 10,000 دولار - شو ما كان وضعك فيك تقسط شقتك!مشروع الغانم / قياس 210-200شقق فخمة للبيع في منطقة شواليق على مسافة 8 كيلومتر من ساحة النجمة في صيدا - 14 صورةجديد مشاريع الأمل السكنية ( الأمل4 و 5 ) أسعار مميزة وتقسيط مريح، شقق سوبر ديلوكس فخمةمشروع قرية بانوراما السكني - فرصة العمر لتملك شقة العمرمؤسسة حبلي: مبيع وصيانة جميع الأدوات المنزلية/ عروضات خاصة لتركيب وصيانة جميع أنواع المكيفاتمؤسسة مارس / قياس 210-200بلشت الصيفية في مسبح Voile Sur Mer الرائع للسيدات في الرميلة - بجانب مطعم الكرم - 80 صورةللبيع شقق 2 نوم - 3 نوم في شرحبيل مع تقسيط حتى 75 شهراً، سعر المتر ابتداء من 850 $ - 4 صورمجموعة جديدة من عروضات 2017 KIA مع سيارتي PICANTO و CERATOشقق للبيع وللإيجار + مكاتب ومحلات ومستودعات عند شركة جنرال اليكو للتجارةللبيع شقق مفرزة في مشروع الإفراز العراقي، بقسطا - 14 صورةPain & Spine Center مركز علاج الألم والعامود الفقري (أحدث أجهزة في العالم) - 21 صورةجديد صالون بسام موسى .. شعر مستعار طبيعي عالي الجودة - 84 صورةللبيع شقق ديلوكس مع مطل رائع على البحر في الشرحبيل FLORENCE BUILDING ـ 17 صورةSaida Country Club / قياس 100-200Get a full body was with every wedding dress @ Donna
4B Swimming Courses
جامعة رفيق الحريري

الأحلام الغريقة ... الحب بين الكابوس والخيال

مقالات ومقابلات وتحقيقات صيداوية - الخميس 22 أيلول 2016 - [ عدد المشاهدة: 1369 ]
X
الإرسال لصديق:
إسم المُرسِل:

بريد المُرسَل إليه:


reload

المصدر/  بقلم بثينة علي عشاير: 

2014-2015

القصة الأولى من سلسلة تائهات في بلاد الضباب ... الحب بين الكابوس والخيال

الجزء الأول

      خمس سنوات مرت على ذلك الحادث الذي غير حياتنا وقلب موازينها رأساً على عقب، خمس سنواتٍ مرت ولا زلت أذكره كما لو أنه جرى البارحة. حيث انطلق، في صباحه, أبي دانيال برفقة جارنا سليمان وجلال الدين إلى أحد السماسرة في يوم تلبدت سماؤه بالغيوم وعمت نسماته الباردة في أرجاء مخيمنا. كانت قطرات الأمطار تهمس لنفسي بأنه يجب أن أودّع كل ذرة تنشّقتها في هذا المخيم على الرغم من الحياة البائسة التي عشتها في منزل حوى كل من جدتي أم طلال وصورة الشهيد طلال الذي ارتقى خلال الإجتياح الإسرائيلي للبنان، وأبي وأمي سلمى وأخي الصغير عفيف. لعلها حياة افتقرت لمقومات السعادة لكن كنت راضيةً بها، لاسيما وأنها ضمت صديقاً وجاراً وحبيباً حاول دائماً أن ينسيني آلامي على الرغم من معاناته. فقد تحمل مسؤولية الأسرة التي خسرت والدها بسبب رصاصة طائشة اخترقت صدر الأب في أحد الأعراس وأذهبت معها أحلام جلال الدين بأن يصبح عالماً فيزيائياً، وأن يخرج هو وأسرته وجودي إلى عالمٍ يقدر الإنسان ويحترم حقوقه. في هذه اللحظة نظرت إلى شهادة تخرجي المعلقة على حائط الغرفة وبدأت أقرأ:" تشهد جامعة بيروت العربية أن جودي دانيال الحسين قد حصلت على شهادة البكالوريوس في العلوم تخصص الفيزياء بتقدرير ممتاز." لقد درست هذا التخصص بناءاً على طلبه وكأنه أراد أن يحقق حلمه من خلالي.

 لم أنسَ دموعه التي انهارت في عزاء أبيه لأنها دموع وداعٍ لأبيه، ووداعِ أحلامه في بيئةٍ لا تقدم للفلسطيني إلا الحسرة. كان جلال الدين في الرابعة عشر وكنت أصغره بعامين عندما حاول أن يجد عملاً بعد دوام المدرسة ليكفل عائلته المكونة من أمه الخالة هدية وأخيه الرضيع مازن. حاول جاهداً لكن لم يساعده أحد في بلد رمى بحقوق الشعب إلى الهاوية فما كان منه إلا أن ترك المدرسة وعمل في محل في المدينة لتصليح السيارات حيث كان يعمل والده. ومنذ تلك اللحظة غابت صورة جلال الدين عن لوائح المتفوقين في مدرستنا وحلت صورتي محلها، في محاولةٍ مني لأحقق حلم صديق الطفولة. ومضت الأيام وتحولت الصداقة إلى حبٍ. كان يعمل دواماً إضافياً في الليل كنادل في إحدى المطاعم ليجلب لي الملابس والأحذية حتى لا أشعر أني أدنى من رفيقاتي في الجامعة التي دخلتها بموجب منحة.

"لقد دفعت المبلغ وحصلناعلى الفيزا سنغادر غداً صباحاً"، كلمات على لسان أبي العائد من الخارج طرقت أسماعي لتمزق خلوتي، وتنقلني من الماضي البعيد، من الذكريات المعلقة على جدران هذا المنزل، إلى المستقبل الواعد، حيث البلد الذي سيجمعني بجلال الدين، بلاد تحترم الفرد وتقدره لذاته وبعيداً عن مخيم كان ليرفض ارتباطي أنا الفتاة الجامعية بهذا الشاب العامل. رأيت أمي وقد نهضت ترتب البيت وتجمع أغراض السفر حيث سنحمل معنا شهادتنا وأوراقنا لأنه بالطبع لن نتمكن من حمل أي محفظة أو حقيبة على متن سفن الخلاص.

داخل غرفتي، تشبعت عيناي بدموع حنينٍ وشوقٍ إلى ماضٍ سأترك فيه كل شيء. وتوجهت إلى النافذة، حيث جلال الدين ينتظرني على نافذته ففتحت بابها، ورأيت للمرة الأولى بريق الأمل يشع من عينيه، "أخيرا سنغادر إلى بلاد أستطيع أن أكمل فيها تعليمي، وأن أحبك كما يجب. إني ههنا وتحت هذه السماء أعاهدك أن لا أنساك أبداً وأن لا أتخلى عنك وأن أبذل كل دقيقة في عمري من أجل إسعادك."  فنفجرت الحمرة على خدي وأزحت بوجهي كي أخفي أمارات الخجل، ولكن بطرف عيني رأيته يبتسم ابتسامة دافئة ملؤها الحنان. فتمنيت لو أضمه إلى صدري لا لشيءٍ ولكن لأعبر له عن امتناني لكل ما قدمه لي. وأكمل: "هيا يا جودي احزم كل أوراقك فغداً طائرتنا تحلق في سماء الأمل". وأرسل إلى قبلة في الهواء غمرت كياني بسلام وحنان وردي هانئ.

ذهب جلال الدين ليحضّر أغراضه، وذهبت أنا بتفكيري إلى الماضي إلى يوم تخرجي حيث أهداني قلادة تحمل مفتاحاً يعلوه قلبٌ فلمستها وهي تزين عنقي، عندما قدمها لي قال أنها مفتاح قلبه الذي استحوزت عليه، فلا زالت كلماته تلك الليلة تتراقص على ألحان قلبي، "جودي أنت نور الأمل الذي أضاء أيامي بعد رحيل أبي وأحلامي معه." مرت هذه الذكريات وهي تحمل في كل لمحة، مشاعراً وأحاسيساً تغمرني بالسعادة.

وبينما كنت أنا أداعب قلادتي تذكرت كيف باعت عائلتي وعائلته الذهب ومنازلنا من أجل هذه السفرة. مضى النهار العاصف الماطر على الأسر الثلاث بهدوءٍ صدّع أركان المنازل حيث كان كل فرد يتأمل ذكرياته، ويواسي نفسه أن القادم هو الأحسن. خلدت في تلك الليلة إلى النوم وصوت المطر في أذني وصوت جلال الدين في حلمي.

"جلال الدين... جلال الدين... أين أنت؟ جلال الدين!" البرد يعتصر جسدي والماء يحاسرني وأنا أرى المركب يغرق في ظلمات الموج، فتحت عيناي والعرق يتصبب من جبيني ولا أكاد أحصي أنفاسي ودقات قلبي. نظرت إلى الساعة وإذا بها السادسة، نهضت من فراشي لكن إحساساً بالوحشة والخطر نهض معي في صباح ذلك النهار. لبسنا وتجهزنا وذهب أبي وجلال الدين لإحضار الباص الذي سيقلنا إلى المطار. ودّعنا جيران الحي والدموع تنهمر من أعيننا، وما هي إلا دقائق حتى دوى زامور الباص وأخذ يترائى لنا من بعيد. حملنا حقائبنا الصغيرة على أكتافنا ونظرنا جميعاً إلى المنازل التي رغم عبق الذكريات ستغدو بعد اليوم غريبة عنا. توقف الباص وتهيأ الجميع وفي نفوسنا كنا ندعو الله أن يتلطف بنا وبدأنا بالصعود إلى الباص.

وما هي إلا ساعة حتى استفقت من غمرة الوحشة ونظرت باحثة عن جلال الدين وإذا بخصال شعره تداعب أكتافه. كان هادئاً صامتاً، أجل لقد كان مثل الجميع يودع وطناً ما كان وطناً لنا، ولكننا ما عرفنا سواه. وبدأت سرعة الباص تتباطأ وما هي إلا دقائق حتى وصلنا المطار.

إنها الساعة الحادية عشر وقد أعلن المطار عن ضرورة التأهب للمسافرين المغادرين إلى ليبيا. يا إلهي وكأن سهماً أصابني لقد تذكرت الحلم ونظرت إلى جلال الدين وإذ بعيونه تأكلني وفيها شيء من القلق والخوف. توجهنا جميعاً إلى الطائرة وكانت ليلى ابنة العم سليمان مراهقة في الخامسة عشر تمسك بيد أخويها التوأمين وتسير أمامي إلى الطائرة. رأيتها في قمة السعادة لأنها ستركب الطائرة للمرة الأولى في حياتها، فتمنيت لو أني أمتلك عُشر سعادتها هذه، ولكن شعورٌ أسودٌ غامضٌ كان يمزق قلبي. بعد نصف ساعة انطلقت الطائرة نحو الأفق، وكنا جميعنا ننظر إلى الغد إلى المستقبل إلى السماء الرمادية وشعرت بحرية غريبة إننا في سماء لا قيود فيها، لا أحد يفرض سيطرته هنا إلا هي. استغرقت الرحلة أربع ساعات وحطت بنا الطائرة في مطار طرابلس حيث التقينا بالسمسار الذي سيأخذنا إلى المرفأ الذي ستبحر منه باخرتنا عند الساعة التاسعة مساءً.

توجهنا بباصٍ صغيرٍ إلى المرفأ، حيث بدء التعب ينال منا، ولكن أبى النوم أن يزور أجفاني على الرغم من نوم الجميع أثناء هذه الرحلة، وأبت أنظاري أن تغادر أحبائي الذين يرقدون هنا وكأن نفسي تريد أن تشبع من رأيتهم وأن تحفظ تفاصيلهم.

وصلنا بعد ثلاث ساعات إلى المرفأ الذي بدى مهجوراً في بادئ الأمر كانت الساعة تشارف السادسة والربع عندما دخلنا إلى مبنى كان يعج بالمسافرين أمثالنا صدمت لهول المنظر أطفال هنا وهناك، شيوخٌ، نساءٌ، رجالٌ في كل مكان، تبدو عليهم أوزار الهموم. جلست مجموعتنا في زاوية المبنى، فبدأت أتفحص الناس من حولي ومن لهجاتهم تبينت أن الكثير منهم سوريين فروا من الحرب، والبعض من مصر حيث أنهك الفقر المدقع أهلها. وكان هناك أناس من أفريقيا السوداء. وأنا أحرك رأسي متفحصةً المكان لفتت انتباهي ابتسامةٌ جميلةٌ عهدتها منذ صغري، إنه جلال الدين يقترب مني ويناولني لوحاً من البسكويت، فأخذته منه وكم نعمت يدي بملامسة يده ولو لأجزاء من الثانية. وعند تمام الساعة التاسعة، دخل رجالٌ بحارة كما بدى من لباسهم، ورفع أحدهم رأسه ونادى بأعلى صوته، "تهيئوا وتجهزوا للرحلة، أريد من كل فرد أن يترك أي أحمال زائدة هنا، وسوف يعطي كل فرد سترة نجاة".

بدأ الناس بهدوء عقيم يتوجهون نحو البحارة الذين يتفقدون أحمالهم ويناولونهم الستر. وبدأت أسرنا بالتوجه نحوهم وتذيلت أنا وجلال الدين المجموعة، فهمس في أذني: "أحبك ولن أدع مكروهاً يصيبك". عندها التفت إليه، ولاقت عيناي الكستنائيتين عينيه السوداوين وأخذت أتأمل وجهه الأسمر، وخصال شعره الأسود الذي يتهادى على كتفيه،

"عدني بذلك، عدني أنك لن تتركني يوماً ولن تتخلى عن حبك لي" فأجاب والثقة تفوح من صوته،

-"أعدك"، وبصوت تفوح منه رائحة الثقة قالها، وأودعتها أنا في قلبي الصغير حيث أودعت كل الذكريات الجميلة.

تناولنا سترتينا وانطلقنا إلى مغامرتنا الجديدة. لقد كان الطقس بارداً جداً وكانت العتمة تغشى المكان ولولا أضواء خافتة في الأفق ما عرفنا طريقنا. وما إن اقتربنا منها حتى تراءت لنا قواربٌ صغيرةٌ تتهادى فوق الأمواج، وأخذ الهمس واللمز يعلو المكان، وبدأ الناس يتسألون عن الباخرة، وإذ بصوت أجشّ من بعيد يقول:" هذا هو المتوفر من أراد منكم هذا فليركب، ومن لم يرد فليعد أدراجه". أخرست هذه العبارة الجميع وبدأنا بالتوجه نحو القوارب. كان على كل قارب بحار واحد، وكان يقوم بالعد فإذا بلغ العدد <<سبعون>> توقف وحوّل الباقي إلى قارب آخر. ولكن من نظرتي إلى هذه القوارب عرفت أنها لا تتسع لأكثر من أربعين. بدأت الحشود تتفرق، فلا أـسمع إلا أصوات البكاء والعويل تعلو حيث تفرق أفراد العائلات على عدة مراكب. وعندما جاء دورنا ذهبت جدتي والجار سليمان مع زوجته وأبنائه الثلاثة، وأمي وأخي وأبي إلى قارب ولحقنا أنا وجلال الدين وأسرته بهم. ولكن العدد سبعين اكتمل عند أبي، فصرخت خائفة: "أبي". حاول أبي أن يقنع البحار أن يأخذني بدلاً منه، فنهر البحار به وهدده بإلقائنا جميعاً خارج القوارب. فودعني أبي بصوتٍ تعتصره الحسرة وقال" انتبهي لنفسك والشط موعدنا، جلال الدين اعتنِ بها إنها مثل أختك". أمسك جلال بيدي وأومأ برأسه. وتوجهت مع أسرته إلى القارب التالي ولكن عيناي أخذت تتفحص أمي وأخي وجدتي التي حملت معها صورة طلال، وتأملت الدموع التي تلألأت على وجه أبي.

صعدت إلى القارب وجلست قرب الخالة هدية وجلال جلس إلى يميني ممسكاً بيدي. وعندها راودني ذلك الحلم، فوجهت نظري إلى السماء وقلبي إلى الله ودعوت أن يحمينا في هذه الليلة الباردة. انطلقت القوارب وأخذت تشق الأمواج نحو أوروبا. ونظرتُ إلى الناس المكدسة في القارب وقد غفا بعضها، فأردفت رأسي إلى كتف جلال الدين حيث داعبت خصال شعره جبيني فضمني إليه وكانت هذه المرة الأولى وما لبث أن غمر إحساسٌ بالسلام لم أعهده من قبل كياني الخائف. كانت السماء بنجومها البراقة تأنس وحشتنا في تلك الليلة، ونظرت إلى الساعة فإذا بها قد تجاوزت الثانية عشر، إنه يوم جديد يفتقد النور ويتسأل عنه؟ وكلما تقدمت المراكب كلما ازدادت الرياح صقيعاً وزمجرةً. كان البرد يتسلل إلى جوارحي وأحاول جاهدة أن أمسك بشعري المتطاير ولكن كل ذلك بدى تافهاً أمام نبضات نفسي التي كانت تخنقني وتنشر الرعب فيّ جراء تأرجح المركب يميناً ويساراً. وكلما حاول هذا المركب مواجهة الريح كلما ازدادت قبضتي قوة على يد جلال، وهكذا مرت الدقائق وكأنها السنوات العجاف.

وإذ بصوت صرخات يمزق السكون منبهاً الجميع للخطر المحدق، فنهض البعض محاولين التعرف إلى سر تلك الصرخات. لكن البحّار أمرنا بالجلوس حتى يتوازن القارب، ولكن الوهلة منعت الناس من أن يعيروه الإهتمام. فنظرت أنا وجلال بعيداً، فرأينا بعض القوارب تشق طريقها إلى القاع بفعل الرياح العاتية. نظرت عن يميني وعن يساري أبحث عن أمي ولكن لم أميز أحداً فقد كان الظلام يعم المكان. بدأ قلبي يقفز هلعاً والدموع تتراقص على وجنتي بفعل الرياح. همست والحسرة تملأ صوتي: "أمي، أين أنت". وإذ بأناملٍ تحتضنُني وبصوتٍ رقيق يقول: "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، إنها الخالة هدية تضمني إلى صدرها وتهدئ من روعي. كان مازن وجلال الدين ينظران في كل الإتجاهات وقرأت في أعينهم خوفاً لم أعهده من قبل. بدأ الناس على مركبنا يصرخون على أحبائهم عن اليمين والشمال، والرياح تزداد عصفاً وتزداد قسوةً. وصوت الخالة يزداد خشوعاً ودعاءاً.

ومع قاربنا المتعب الذي راح يترنح كالرجل المثقلة جفونه من السكر، انتفض جلال الدين وشدني إليه وقال بحزمٍ لأمه: "علينا أن نقفز بالماء، فهذا القارب لن يتحمل أكثر، علينا أن نقفز الآن قبل أن يغرق ويسحبنا معه نحو الأعماق". فقاطعته والخوف يُغِيرُ على صوتي، "ههههل أنت مجنون! كيف نلقي بأنفسنا في الامواج المتراطمة". تجاهلني جلال وأشار إلى أخيه بالقفز وجرني نحوه. وللمرة الأولى في حياتي حاولت الإبتعاد عنه، ولكن قوة ذراعه حالت دون ذلك. ورغم مقاومتي حملني وألقاني في البحر، فدخلت الماء البارد جداً لدرجة تخدرت معها أطرافي، وراحت الصدمة تعتري كياني، وبينما جسدي يشق طريقه نحو الأسفل، استيقظ وعي المزعور وبدأت الروح تبحث عن الخلاص فحاولت التوقف لأدفع نفسي نحو الأعلى.

خرجت من تحت الماء والتقطت أنفاسي ولكن الموج العاتي رماني مجدداً إلى أعماق البحر، ولكن هذه المرة إلتفت حول خاصري يدٌ راحت ترفعني نحو الأعلى فخرجت من تحت الماء ولفظته من فمي، محاولةً التنفس إلا أن السعال كاد يخنقي. ونظرت ورائي لأرى جلال الدين يمسكني ويقول بصوت مرتجفٍ: "لا تخافي، أنا هنا ولن أدعك". فنظرت حولي ووجدت مازن وأمه بين يده، وحاولت البحث عن أمي ولكن عبثاً. لقد كان الناس من حولي يحاولون أن يدفعوا بأجسادهم عالياً، يصارعون الموج ويصرخون. وكأن أشباحاً من الفوضة العارمة تبتلع المكان، وفي ظل كل هذا ألقيت نظرةً على قاربنا وهو يغرق مبتعداً، ساحباً من حوله معه.

فوجهت نظري إلى جلال الدين وقلت والماء المتدفق يعترض كلماتي، "لقد عاهدتني أن تحميني ولكن ماذا عن أسرتي أين أنت يا عفيف وبدأت أصرخ بعلو صوتي: "عفيف، عفيف.... ولكن الأمواج ازدادت جفاصةً، ولم تعرني اهتمامها، ودخل الماء إلى رئتيّ وبدأت بالسعال فأمسك بي جلال الدين، وقال بغضب يحركه الخوف،

"إهدئي سوف نعثر عليهم، ولكن عليك مساعدتي الآن يجب أن نبدأ بالسباحة، وإلا ستأخذنا هذه العاصفة معها إلى الجحيم".
وبصوت متكسرٍ رددت،" في أي اتجاه، سنتحرك".

فنظر إلى أخيه مازن والذي كان يحمل ساعة فيها بوصلة واتفقا على السباحة نحو اليمين. بدأنا نسبح وكان جلال الدين يبذل ضعف الجهد ليحمل نفسه ويحملني معه، فالماء كان بارداً جداً وكانت أطرافي غابئة لا تساعدني. رحنا نبتعد عن القوارب الغارقة والتجمعات الصارخة وكان هناك بعض الأشخاص الذين يسبحون معنا وكم تمنيت أن يكون أبي واحداً منهم. وبدأت الأمطار بالهطول، وأخذ الموج يعلو، وازداد جلال الدين وأخاه مازن اصراراً على مقاومة العاصفة ونظرت خلفي إلى جلال وإذا بشفتيه ازرقتا وكذلك كان الجميع فالبرد القارس كان عدونا اللدود هذه الليلة. ومع كل ثانية تمر، كانت أجسادنا تخسر الطاقة والدفء. ومع ازدياد قوة الرياح بدأ الموج يقذفنا تارة نحوه وتارة بعيداً عنه. وهنا بدأت أرتل ما أتذكر من القرآن، وكذلك فعلت الخالة هدية، واستمر جلال الدين بالسباحة جاراً إياي معه، ليتغلب الإصرار الذي في عينيه على كل أنواء الأرض. وما هي إلا ساعة حتى هدأت أصوات الناس واختفت الصرخات ولكن الموج أخذ يعلو أكثر وأدركت أن هذه العاصفة بدأت تحصد الأرواح كانت فاجعة بالنسبة لي أن أشهد هذه المأساة بأم عيني، أن أعيش لأرى الموت يبتلع الجميع. كنت أقرأ عن العديد من المآسي ولكني ما توقعت يوماً أن أقع ضحية لإحداها. راجعت شريط حياتي وتمسكت بصديقي أكثر فأكثر، نظرت إليه بعمق وشعرت أنها مسألةُ وقتٍ حتى تخور قواه ونغرق معاً في قاع البحر. ونظرت إلى يميني وكانت الخالة هدية مجاهدةً توصي مازن أن يعتني بنفسه، ومدت يدها نحونا، نحو جلال، ولكن الموج قال كلمته وأبعدها عنا فصرخت بحنانٍ: "ابني أنا راضيةٌ عنك فاعتنِ بنفسك وبأخيك". وفرقنا الموج وصرخ جلال الدين عالياً متألماً، أمي...

نظرت إلى عينيه اللتين انهكهما التعب وقد اغرورقتا بالدموع والأسى. كانت نفس الدموع التي رأيتها في عينيه يوم وفاة والده. استسلم جلال للموج فوضعت يداي حول كتفيه وقلت مصارعةً المياه، "سنجدها، لا تقلق، لا تيأس، فكل ما تضحياتها سيبتلعها البحر إن لم نصمد". فنظر إليّ برهةً ودموعه يبتلعها البحر والحسرة المختنقةُ تتفجر من جوارحه، وأكملنا السباحة حتى دوت صافرات الأمل في الأجواء... أجل لقد كانت قوارب النجاة.

بدأنا نتجه نحوها ولكن فجأة نظر جلال الدين خلفه فوجد أمه تحارب الأمواج وحدها فبحث عن مازن ولم يجده فناداها ولكن البحر الغاضب شتت صراخه.

"اذهب، يا جلال وأحضرها، سأسبح أنا باتجاه القوارب لا تخف فأنا قوية". تناثرت الكلمات مني بصوتٍ مبحوح.

طبع قبلةً على جبيني آنست كل همومي وقال بصوت خافت لي " قاومي الأمواج وسنعود إليك، وراح يسبح مبتعداً. وأكملت سابحة نحو القوارب، كان يجب أن أدعه يذهب، كان لابد بد أن تخرج مني تلك الكلمات لتحرره من قيدي، لتدفعه باحثاً عن ما تبقى من عالمه. وكلما اقتربت متراً من مقصدي تيقنت أكثر فأكثر أني أبتعد أمتاراً عن جلال وما هي إلا لحظات حتى التقفتني أيادي البحارة من الماء، كانوا يتكلمون بلجهة غربية، فوضعوني على سطح القارب وأسدلوا علي بحرامٍ صوفيٍ، وكل ما غلب فكري في تلك اللحظات هو البرد الذي يقص جسدي وينهش روحي، ورحت أنادي بصوت خافت جلال الدين.

جلال... جلال الدين أين أنت؟ جلال الدين! البرد يعتصر جسدي والماء يحاصرني وأنا أرى المركب يغرق في ظلمات الموج، وأنا أحاول جاهدة الإبتعاد. استيقظت ونهضت من فراشي وإذا بسيدة عجوز تهدئ من روعي وتقول "إهدأي يا صغيرتي". فنظرت حولي متفحصةً المكان، وقلت في نفسي يا إلهي لم يكن حلماً لقد كان واقعاً. فاقتربت العجوز وربتت بيدها على رأسي وقالت: " أنت بخير الحمد لله أنك نجوت فقد غرق الآلاف". وبصوت متقطع: "الآلاف! يا إلهي وكم مضى على الحادثة يا جدة"، "مر ثلاث أيام"، فأخذت أنظر حولي محاولة أن أتعرف على وجه أميزه ولكن عبثاً. وإذا بإمرأة في الثلاثين تدخل الغرفة، وبدأت تتحدث إلى بعض المرضى، وما لبثت أن اقتربت مني، مبتسمةً وحامدة على سلامتي من حادث الغرق المأساوي، وسألت:

ما هو اسمك؟
جودي، جودي دانيال الحسين.
كم هو عمرك؟
21 سنة.
من كان معك من أسرتك؟
أبي وأمي وأخي و... صمتُ وانهارت الدموع من عينيّ. فوضعت يدها على رأسي وقالت لا تقلقي سنتعرف على الجميع.

وبعد بضع ساعات قضيتها وأنا أصارح الكابوس الذي مررت به، جاءت امرأة بملامح غربية جلست بقربي، وقالت بلسان ثقيل: " آنسة جودي أنا مبعوثة من الأمم المتحدة، أدعى ماريا جون، لقد بحثنا مطولاً في لوائح الناجين ولم نعثر إلا على مازن كمال أحمد. صدمت لبرهة، ولم أعرف هل أفرح لما تقول أم أحزن؟

فقلت أين هو؟
في الطابق الأول من المبنى.
ماذا عن الباقين سننتظر بعض الوقت حتى يتم إستخراج الجثث والإنتهاء من عملية البحث.

وقع كلامها وقع السهام في قلبي ولكن رغم كل شيءٍ تمالكت نفسي وتفجرت في ربوعي قوةٌ غريبةٌ، وذهبت إلى مازن. كان في التاسعة من العمر فلما رأني مقبلةً تبسم وحضنني.

" ياترى ماذا حل بأمي وأخي؟"

وأخذ يبكي، فحضنته وهدّأت من روعه. ولكن في نفسي كانت عاصفة من المشاعر، خليطٌ من الحزن والقهر والغضب، ينهش عظامي. ومضت الأيام ببطءٍ شديدٍ وصدرت النتائج بعدما تم عمل الفحوصات. علقت النتائج على جدران المشفى تحت ثلاث لوائح، ناجين- أموات- مفقودين. وهرع الناس وبدت اللوائح مثل قطرة العسل التي تهافت النمل عليها وبعد مضي بضع ساعات بدأت الأروقة تفرغ من الناس المفجوعين من هول ما رأت أعينهم. فجمعت كل ذرة من الشجاعة خبأتها نفسي، ونهضت متقهقرةً نحو اللوائح لم أعرف بما أبدأ، فبدأت بالأموات على أمل أن لا أجد أحداً. ولكني كنت مخطئةً وبدأت الأسماء تمر أمامي ومع كل اسم يمر كانت تهوي عميدة من عمائد نفسي. جارنا سليمان وعائلته ،أمي وأبي وأخي والخالة هدية، الجدة كلهم أموات كاد يغمى علي ولكن تمالكت نفسي حين سألني مازن أين جلال الدين وأمي. جلال الدين بحثت مطولاً، لم يكن اسمه هنا ولا بين المفقودين، كان من الناجين. جلست على الأرض، والصدمة تعتلي كياني والضياع يشتت أفكاري. لقد غدوت وحيدةً، خسرت الجميع لكني لم أودع أمي ولم أعتذر من أبي ولم أقبل يد جدتي ولم أعانق أخي.

أخذت الدموع تسيل وتسيل، وتجرني نحوها إلى مسنتقعٍ من الظلمة إلى عالم من الوحشة. وبدأ الإكتئاب ينال مني شيئاً فشيئاً. ولكن كان لابد أن أمسح الدموع وأن أتمالك نفسي قليلاً قبل أن تبدأ بالتصدع والإنهيار. فما كان مني إلا أن مسحتها وركضت إلى السيدة ماريا وسألتها عنه فراجعت بعض الملفات و قامت ببعض الإتصالات ومن ثم قالت لي: " جودي، جلال الدين لم يدخل المشفى لقد بقي في المرفأ"،

أين هو هذا المرفأ؟
 سأبعث أحداً من العاملين معك إلى هناك.

 ولأول مرة خرجت من المشفى وأخذت أطبع خطواتي على شوارع صقلية لقد كانت جزيرة ساحرة كما قرأت عنها، ولكن بدت لي كمقبرةٍ مهجورةٍ تحوم حولها الغربان السوداء. تذكرت أهلي وجيراني وبدأت أبكي ولكن من دون أن أصدر أي صوت. حتى وصلنا إلى المرفأ وبدأ العامل يسأل عن جلال لقد كان الجميع يتكلم بلغة غريبة حاولت أن أفهمها ولكن دون جدوى. وبعدها عدنا إلى المشفى وأخبر العامل السيدة ماريا بما أجابه العمال هناك. فالتفتت إلي وقالت: "جودي لقد أُخبر جلال الدين عن طرق الخطأ أن الجميع مات وقد بقي لابثاً في المرفأ يومان ولكن في صباح اليوم غادر صقلية نحو إيطاليا، ستجدينه في مركز من مراكز الايواء هناك. وأنتم سوف تغادرون إلى هناك في صباح الغد". خرجت من الغرفة وذهبت إلى سريري حيث أخبرت مازن بما حدث، وجلست أبكي طوال الليل. أبكي أحلاماً ابتلعتها الأمواج، وأماناً سرقه البحر، وقلوباً سرقتها الرياح.

بدأ الجميع بالإستيقاظ من أجل الإستعداد للرحيل نحو إيطاليا. أيقظت مازن الذي نام والدموع تغسل وسادته. ودخلت إلى الحمام لأغسل وجهي فنظرت في المرآة لأجد فتاة شاحبة اللون متورمة الجفون قد نال التعب من تفاصيل وجهها. فنظرت في عيون تلك الفتاة داخل المرآة فوجدت فيها هموماً وعظات وكأنها أعين إمرأة عجوز أنهكها الزمان. غسلت وجهي وخرجت وأنا بالكاد أتعرف على نفسي الجديدة. غادرنا صقلية وفي بحرها رميت الذكريات والبراءة وكل جميل، لأني أدركت منذ تلك اللحظة أنه لن يساعدني أحد ولن يحبني أحد كأولئك الذين دفنهم البحر في غمراته.

نزلنا المرفأ، وهناك كان بإنتظارنا بعض الأشخاص التي تبدو سيماتهم عربية. أجل لقد كانوا عرباً مهاجرين أتوا من كل مكان في أوروبا من أجل تقديم يد العون على الرغم من وجوههم الغريبة إلا أنّ أنفسنا ألفت بعضها البعض. وما إن بدأوا يكلموني ويأخذون بياناتنا، حتى سألتهم عن جلال الدين. فأجاب الرجل بهدوء، "جميع من حضر إلى هنا ذهب إلى مركز الإيواء، لا تقلقي ستلتقينه عن قريب". ذهبنا بالحافلات إلى مركز الإيواء، حيث أخبرونا بأننا على بعد بضعة أيام من دخول الدول الأوروبية التي تقدم اللجوء لأمثالنا. وبدأت أبحث كما تبحث الأم عن فلذة كبدها. مشطت الوجوه من حولي لأراه، ولكنه لم يكن هناك. وما هي إلا دقائق حتى جاء مدير المركز ليرحب بنا ويسأل عن مشاكلنا. فهرعت إليه وسألته عن جلال الدين، فتبسم ابتسامة غريبة،" أتعرفينه؟"

أجل، وهذا مازن أخاه. أجبت والحرقة تعصر صوتي.

وإذا بالصدمة تعلو وجهه، "لكنه أخبرني أنه فقد الجميع، لقد كان شخصاً رائعاً مثقفاً خبيراً بأمور الحياة رغم صغر سنه إلا أني أحسست من الحديث معه وكأني أتحدث لرجل حكيم". كان الرجل يتكلم وكانت الدموع تعاتب خدودي الشاحبة. "كان يواسي الجميع، ويخفف عنهم، ولكن _ومع انطلاقة هذه الكلمة هوى قلبي بعيداً_ ولكنه غادر منذ يومين. لقد تعرف هنا على شابة إيطالية من أصل عربي وقد أعجبها بخصاله الحميدة فقد حاول أحد العاملين هنا الإعتداء عليها لكن جلال الدين سمع صوتها وهرع لنجدتها. وعندما أخبرت والدها بما حدث لها قال لها أحضري الشاب سأعطيه عملاً لدي". كان الرجل يتكلم وكنت أنا أسترجع حلمي وفي قرارة نفسي علمت أن جلال الدين أصبح بعيداً جداً عن عالمي.

من هي هذه الشابة... أريد عنوانها أي شيء عنها... رقم هاتفها.
إنها تدعى إيزابيلا كوان إنها من أسرة غنية وقد جاءت من أجل التطوع هنا.

وفجأة نادى الرجل بلغة غربية على عامل وأخبره أمراً، ثم وجه نظره إلي، "اتبعيني ومازن إلى غرفة المكتب سنكلمها ونعرف أين جلال الدين". ذهبت معه وأنا أدعو الله بكل خوف وخشوع أن أصل إلى جلال الدين. دخلنا المكتب، فناول العامل المدير ورقة، ورفع المدير سماعة الهاتف وبدأ يتحدث بنفس اللغة الغريبة، إنها اللغة الإيطالية على ما يبدو. استغرقت المحادثة ربع ساعة وفي آخر خمس دقائق من المكالمة بدأ المدير يصرخ بأعلى صوته، وقطب حاجبيه، واحمر وجهه. في كل دقيقة تكلم فيها المدير بالهاتف كان شعور غريب يتملك نفسي ويغشي على بصري، لا أعلمه لم أختبره من قبل ولكن هو الشعور الذي يحسه المرء عندما يضحي بكل شيء من أجل اللا شيء.

صمت قليلاً ، فاستجمعت قواي وسألته ماذا حدث؟ نهض المدير من وراء مكتبه وجلس أمامي كنت أنا ومازن نجلس قرب بعضنا البعض، فنظر إلى نظرة الأب الحنون، "اسمعي يا شابة لقد تكلمت مع إيزابيلا وأخبرتها عنكم وسألتها عن جلال الدين فقالت لقد غادر ولكني أعلم أنها تكذب هي تريده لنفسها، يا جودي لقد أخبرها جلال الدين عن حبه لك، وبالتالي هي تعرف عنك فلما أخبرتها أنك مازلت على قيد الحياة، ارتبكت وبدأت تتهمني بالكذب. وقالت لا أعرف شيئاً عن جلال الدين وأغلقت السماعة في وجهي. أنا أعرف منزلها سأذهب وإياك عصر هذا اليوم لأواجهها وبالتأكيد سنجد جلال الدين هناك. فشكرته والغصة تملأ صوتي والدموع حبيسة مقلتي.

جلست في الحديقة التابعة لمركز الإيواء بعد أن أديت صلاتي ودعوت ربي أن يغفر لي فالإختبار صعب. وتأملت السماء، وبدأت أنهار الذكريات تتدفق في جوفي، أمي، لمستها الناعمة، صوتها الحنون، حضنها الدافئ، طعامها الشهي، أبي وأحاديثه الشيقة ودعمه لي، جدتي وكل قصصها وحكمها وأمثالها، أخي الصغير ابتسامته دمعاته كل مرحلة من عمره شهدتها معه. آخ... آخ... بدأ صدري يؤلمني وبدأت أنوح على أحباء غادروني ولم أضمهم ضمة الوداع. فلم أقبل أمي لم أطلب رضاها، يا إلهي في لحظة تغير مسار حياتي وأخذت أجهش بالبكاء.

وشعرت بيد صغيرة ترجف تربت على كتفي فعرفت أنه صديق مأساتي مازن، فالتفت حولي وضممته إلى صدري وإذ به يخبرني بصوت مخنوق، "هيا بنا لقد حان موعد الذهاب مع المدير". نهضت ولملمت شتاتي، مسحت دموعي، وتوجهت إلى الباب الخارجي حيث كان المدير ينتظرني بسيارة سوداء اللون، صعدت إلى جانبه وجلس مازن في المقعد الخلفي.

كانت الرحلة ساكنة فالمدير لم يتكلم، أو بالأحرى لم يجد ما يتكلم فيه. وأنا كانت نظراتي خارج السيارة تراقب المنازل الجميلة والمارة، كانت بلاداً جميلة ولكنها باردة جداً تفتقد إلى حنان أمي. ومن ثم دخلنا باحةً لمنزل أقل ما يقال عنه بأنه منزل أحلامي. أجل أحلام شابة من مخيم فلسطيني في بلد نامٍ. كانت الأشجار والأزهار تحيط المكان، كان قصراً من طابقين كما يبدو أنه أثري فشبابيكه مقنطرة وطويلة. وهناك أعمدةٌ ضخمة تقودنا إلى باب المنزل الذهبي اللون. دق المدير الجرس مرة ومرتين وقبل أن يقرع للمرة الثالثة، فتحت شابة الباب ودار حديث بينها وبينه. كانت حسناء ملساء الشعر الذهبي الذي ترفعه إلى الأعلى. كانت عيناها الزرقاوان وبشرتها الذهبية في غاية الجمال، وترتدي ثوباً أسود طويل. دعتنا للدخول وإذا بقاعة كبيرة تزينها الأعمدة المذهبة، والثريات الكرستالية، والأثاث الأنتيكي الراقي، ويتوسطها درج عملاقٌ. جلسنا على إحدى الكنبات، وما لبث أن خرج رجلٌ في الستينات من العمر وبدأ يحدث المدير. وما لفت انتباهي أن بعض الخادمات كن يقمن بإغلاق الستائر الحريرة القرمزية، ويغلفن التحف، وكأنهم يتحضرون لمغادرة المكان. بعدها نهض المدير فنهضت معه وتوجهنا إلى الخارج ورافقتنا الفتاة التي فتحت الباب. لقد كانت تنظر إلي نظرة حسرة وشفقة لم أفهمها، ركبنا السيارة وهنا سألته، "ماذا حدث أين هما؟"

 بدأ يتكلم ولكنه لم يوجه نظره نحوي وكأنه كان يخفيهما بعيداً خوفاً من ردة فعلي. قال:

" انس جلال الدين".  
 أين هو؟
 لقد أخذته ورحلت به، وكما رأيت فإن الخدم يتحضرون لترك القصر لأن إيزابيلا وأباها قد غادروا البلاد أو هكذا أخبرني مدبر المنزل ولم يقبل أن يفصح عن الوجهة رغم أني توسلت إليه. إن الخدم سيغادرون في الصباح إلى منزل الجدة لكي يخدموا هناك.

 وقع كلامه وقع الدبابيس على جدار قلبي الذي مزقته الأحداث. ولكني لم أسمع شيءً جديداً لم اتوقعه. هل إيزابيلا حمقاء لتتخلى عن رجل مثل جلال الدين بوسامته وعضلاته المفتولة وحكمته وشهامته، أبداً. عدنا إلى المركز تناولنا العشاء الفقير الذي إن دل على شيء فعلى الامكانيات القليلة للمكان. ولبث الجميع في الغرف، حيث عم الهدوء إلا من أصوات خافتة للبكاء والحسرة. كل من هنا كان يتحسر على المشهد الذي رآه، على أحباء خطفهم البحر، على زمن رمى بهم إلى الهاوية. أسندت رأسي إلى الجدار من خلفي وحلّقت نظري إلى سقف الغرفة حيث جاء صوت أمي يهمس في أذني. لم أدري على من ومن أعزف أحزاني، هل على طفولة قتلها الفقر أم على أُمٍ رحلت وتركتني في بداية الطريق أم على أب ذهب قبل أن يضمني بقوة إلى خبراته، أم على أخ لن أحظى معه على ذكريات الشيخوخة، أم على شهادة جامعية لم يستفد منها إلا الحائط الذي علقت عليه، أم على منزل وزقاق لن أعود إليهم بعد اليوم أم على الصديق والحبيب الذي لم أبدأ معه كتابة السطور. كم تمنيت لو أستطيع نسيان الكل حتى ينعم صدري بالراحة، ففي كل يوم ومع كل ذكرى أخذ يضيق شيئاً فشيئاً على قلب أصبح يختنق. واستعمت إلى أنغام الموج المتكسر، ولمت البحر الذي احتضن أجمل الذكريات، فقد ابتلع الجميع، وأدخلهم إلى أغواره من دون التميز بينهم، فلم يهتم لكونهم صغاراً أو كباراً، أغنياء أم فقراء، لاجئين أم مواطنين. هل أشكرك يا بحر لأنك لم تميزنا عن غيرنا كما كان البشر يفعلون، أم ألعنك لأنك سرقت منا كل ما تبقى لنا.

جودي هيا رتبي المنزل افعلي شيئاً مفيداً بدل الساعات التي تقضينها محدقةً من النافذة، جودي، جودي، استيقظت على اسمي الذي ينادي به مازن بلحن أمي. لقد حان وقت الرحيل من إيطاليا التي دفنت بين قصورها وفي متاحفها قصة حب لم تكتمل، ودفنت قرب شواطئها أعز الناس، وكم اشتقت إلى صوت أمي في ذلك المنام. صعدت القطار مع مازن، الذي بات مسؤوليتي الآن فأنا أصبحت كل عائلته أو بالأحرى هو أصبح كل عائلتي. جلست على المقعد وأردفت رأسي إلى النافذة، وأخذت أنظر كيف تعج المحطة بالأشخاص المسافرين والمودعين، ولكن عندما سينطلق القطار سيتفرق الجمع، فهذه هي الحياة محطات ووداع. بدأ القطار يتحرك وأدركت مع كل متر يخطوه أن زمن الإتكال على الاهل وعلى الحبيب قد ولى، وجاء الزمن الذي لن أجد فيه أحد غير نفسي وبالتأكيد ربيَ الله فهو من سيساندني في هذه البلاد الغريبة. أدركت عندما انطلق القطار أني تجاوزت نقطة اللاعودة، وبات كل شيء واقعاً لن أتمكن يوماً ما من تغييره أبداً. كنت ذاهبة إلى هولندا فهي البلد التي اخترناه جميعاً بعد تدقيق وتمحيص. وفي كل محطة كانت تترجل مجموعةٌ من المهاجرين الذين سيصبحون لاجئين. فبعد كل هذه الرحلة ما زلنا لاجئين كما كنا. وجاء دورنا وإذ بمحطتنا قد لاحت من بعيد وكانت الساعة الخامسة عصراً. جهزت نفسي ومازن مع مجموعة صغيرة من السوريين وتوقف القطار ولامست قدمي الموطن الذي ضحيت بكل ما أملك من أجله. كانت مجموعة من رجال الشرطة في انتظارنا حيث أخذونا إلى مجمع سكني يضم حوالي المئة من المهاجرين غير الشرعيين. وحتى أضمن أن لا يفصل مازن عني أخبرتهم بأنه أخي، فتم وضعنا في حجرة صغيرة تحوي سريراً بطابقين وخزانة صغيرة وكرسي. قاموا بإعطائنا ملابس جديدة وتعليمات تتعلق بالمكان، وأُخبرنا أن العشاء سيقدم عند السابعة والنصف. أغلقنا باب غرفتنا وغيرنا ملابسنا واستلقى مازن على السرير العلوي وجلست أنا على الكرسي الوحيد الموجود في الغرفة قرب النافذة أخذت أنظر إلى الأشجار الخضراء تحت السماء رمادية اللون، كان المنظر جميلاً جداً كما كنا أنا وجلال الدين نتوقعه. وسرحت بذكرياتي وآهاتي بعيداً، وعاتبت أحلامي وأحلام أحبائي، يا أيتها الأحلام القاسية تملئين فؤادنا بالأمل وتسرقين منا الحياة، يا أيها الحلم متى استحالت روابيك مصقلات يعدم عليها البشر، متى! متى؟

عند الساعة السابعة والنصف قرع جرس للتنبيه فحضرنا أنفسنا وخرجنا من الغرفة. وسرنا مع الناس إلى قاعة الطعام لم أعد أذكر متى أكلت آخر مرة، قدم العشاء وسط أحاديث بين الناس عن مستقبلٍ واعدٍ ينتظرهم، أما أنا فكنت أسيرة الماضي.

وفي اليوم التالي جاءت باحثة من شؤون الهجرة ومعها مترجم. وبدأت باستجوابنا، وأخبرنا المترجم عن الإجراءات التي سنمر بها، كما سيقومون بتعليمنا اللغة حتى أتمكن من العمل ويتمكن مازن من إكمال دراسته. وتم بعد عدة أسابيع نقلنا إلى شقة صغيرة في مجمع سكني في العاصمة. ومرت الأيام وبالفعل تعلمنا اللغة أنا ومازن وفي خلال سنة اتقنا اللغة كتابةً وقراءةً ومحادثةً وحصلنا على الإقامة الدائمة في هولندا.

ووجد لي مكتب الهجرة عملاً كمدرسةٍ وتخليت عندها عن مساعدات الدولة. وهنا بدأت حياتنا من جديد على الرغم من كل الكوارث التي حلت بنا، إلا أن الأمل صديق الإنسان ورحمة هذه البشرية على أرض لا تعرف السعادة الكاملة ولا الراحة المنشودة.

في هذه البلاد عملت كمدرسة فيزياء في إحدى الثانويات الخاصة وانتقلت إلى فيلا صغيرة وجميلة تشبه تلك التي كان جلال يعدني بها. وأخذت حياتي تستقيم نحو الروتين المادي الذي تعشقه هذه البلاد وبين اليوم والأمس عشت صراع الحياة والأسى.

***

الجزء الثاني

أغلقت الكتاب الذي كنت أنظر إلى صفحاته، أقرأ فيه ذكرياتي وليس كلماته وتنهدت على الخمس سنوات التي مرت على تلك الحادثة. خرجت من المكتبة وتوجهت إلى مختبر الفيزياء حيث ستبدأ حصتي. دخلت وجهزت المختبر وما هي إلا دقائق حتى دخل الطلاب إليه وكم كانت غبطتي كبيرة حين رأيت مازن قد أصبح شاباً صغيراً في الثالثة عشر من عمره. كان ذكياً مثل أخيه وأظهر تفوقاً وبمساعدتي تمكن من اجتياز الصفوف حتى وصل المرحلة الثانوية في وقت مبكر. كان الشتاء يدق الأبواب، فبدأت الأمطار تنهمر بخجل، قدت سيارتي إلى ممر المدرسة عند نهاية الدوام حيث انتظرت هناك مازن فخرج وركض نحو السيارة بعد أن ودع زملائه، وانطلقت باتجاه المنزل.

دخلت غرفتي بعد نهار طويل من العمل، جلست قرب النافذة ونظرت إلى السماء التي كانت تخبأ القمر خلف غيومها الغاضبة، وعلى صوت الرياح غفت عيني.

"جودي... جودي... ماذا حدث لك، جودي أنا لن أدع أي شيء يحدث لك، جودي أنا أحبك، أنا أشتاق إليك"، ضمني إلى صدره، فأبعدته.
"لقد أخلفت بوعدك، وها أنا وحيدة في بلد غريب".

فمسح الدموع التي انهمرت من عيني،

"إني قريب جداً، ولكن عليك أن تنظري جيداً".

نهضت من نومي على هزيم الرعد، كان قلبي يخفق بشدة، وصدري يضيق عليه، لم يزرني جلال الدين قبل اليوم في الحلم بعد الحادثة. توضأت وصليت لله ودعوته أن يخفف عني، ويحمل معي هم السنين. وهكذا كانت تمر الأيام بين دوام المدرسة والعمل في البيت والتنزه مع مازن في بلاد استحوذت الطبيعة ببهائها وسنائها على أجوائها الخلابة، وزيارة بعض الأصدقاء العرب الذين تعرفت عليهم في هذه البلاد الباردة.

واقتربت موسم الأعياد وعطلة رأس السنة، ففكرت بزيارة لندن مدينة الضباب. وبالفعل ذهبت إلى أحد المكاتب السياحية التي نظمت لنا الرحلة وانطلقنا بعد عدة أيام بالطائرة إلى هناك. ولا أدري لماذا أعادت الطائرة ذكريات كنت قد دفتنها إلا أنها أبت إلا أن تكون صديقة دربي. حطت الطائرة في المطار وكانت عميلة المكتب بإنتظارنا فاصطحبتنا إلى الفندق وذكرتنا بموعد الساعة الثامنة، وهو عشاءٌ في إحدى المطاعم الفاخرة. كان الفندق في غاية الروعة والجمال، فالمال لم يعد مشكلةً اليوم بل أصبحت لا أحسب له أي حساب، لم يعد يؤرق نومي كما كان يفعل على وسادة منزلي القديم، وكيف له أن يؤرق نومي بعد تلك الحادثة التي تجتاح تفكيري كل لحظة، وتنسج كوابيسي كل ليلة.

دخل كل منا إلى غرفته، كانت الساعة حوالي الرابعة، فتوجهت نحو النافذة وكم كان المنظر جميلاً فساعة لندن الشهيرة التي طالما محصناها في الكتب المدرسية كانت توجه إليّ التحية، والقصور الفاخرة تقف متحدية العصور هنا وهناك. كانت واجهة تستحق أن يتأمل المرء فيها ساعات وساعات وينسج منها حكايات وروايات، ومن ثم غيرت ملابسي واستلقيت على السرير وغفت روحي على الوسائد الحريرية.

"ها قد بدأت يا جودي بالبحث عني"،
أنا لم أعد أبحث عنك بعد أن رحلت وأنا لا أريد أن أفعل ذلك لقد مضت العديد من السنوات، وقد دفنت ذكراك عميقاً وأخذت أشق طريقي وأبني مستقبلاً بعيداً عن تلك الأيام والآن وأنا على عتبة النجاح، عدت تظهر من جديد. إرحل يا جلال الدين فكل فرد منا قد اختار طريقه.

فنظر إليّ بشيء من الشغف والتحدي وكم راقت إلى تلك النظرة. وإذ بصوت الهاتف يرن وينتشلني من عميق نومي، كانت عاملة الإستقبال تذكرني بضرورة تحضير نفسي للعشاء حيث طلبت منها سابقاً أن تذكرني بالموعد. خرجت من فراشي وأنا أمقت الهاتف والعشاء وعاملة الإستقبال لأنهم أيقظوني من حلمي الصغير.

ارتديت فستاناً أسوداً طويلاً من المخمل المذهب، وأكمامه الطويلة من الشيفون الأسود. وانتعلت حذاءاً ذهبي اللون ورفعت شعري للأعلى ووضعت دبوساً ذهبياً عليه. كان مازن بإنتظاري في قاعة الإستقبال، كان يرتدي  بدلة بيضاء اللون وكم كان أنيقاً فيها، وصعدنا سيارة الأجرة التي طلبها لنا الفندق. بدأت السيارة تسير نحو وجهتنا ولا أحدثكم كم كانت شوارع لندن عابقةً بنفحات التاريخ، وغمرني شعورٌ بالأمان وكأني أنتمي لهذا المكان،  شعورٌ بالغبطة والسكينة سكنت جوارحي. وتوقفت السيارة عند مدخل مقنطر من الحجارة الرملية، حيث يقف عاملان يستقبلان الحضور ويرشدونوهم إلى أماكنهم وتفترش الأرض سجادةٌ حمراءٌ عند المدخل لا تزيد المكان إلا أناقةً ورونقاً. ترجلنا من السيارة واقتربنا من المدخل حيث قادنا النادل إلى الطاولة التي حُجزت لنا، فجلسنا أنا ومازن وطلبنا العشاء وكنا نستمتع بالعروض الحية للمغنين والراقصين. وقبيل نزول العشاء على جميع الطاولات، توقفت العروض وبدأ العازفون يبدعون أنغاماً هادئةً ورومانسيةً. عندها وجدت الفرصة لأتأمل المكان والحضور، بدى المطعم وكأنه هرب من العصور الذهبية لبريطانيا، فالحضور جميعهم من أثرياء القوم كما تدل ملابسهم وحركاتهم. ولفتت انتباهي طاولةٌ كان يقف عندها حارسين ضخمين فقلت في نفسي لابد وأن يكون الرجل سياسياً حتى يؤمن نفسه بهذا الشكل. وبالطبع أثار فضولي أن أرى وجهه ولكن كان ظهره لي، فبدى وكأنه رجل قوي البنية، تتدلى خصال شعره الأسود على كتفيه العريضين، تجلس شابةٌ أمامه في غاية الجمال بشعر ذهبيٍ مسدلِ على ظهرها وببشرة ذهبية تزينها عيناها الخضراوين، وفي هذه اللحظة نقلتني ذاكرتي إلى الماضي وتذكرت الشابة الإيطالية التي فتحت لنا باب القصر، لا أعرف لماذا غمرني شعورٌ مؤلمٌ من الخوف، تجاهلته و تمالكت نفسي. واستأذن مازن ذاهباً إلى الحمام وبدأ العشاء يوضع على الطاولات. وانتظرت مازن حتى نبدأ بتناول العشاء، وعندما أحسست بتأخره، وجهت نظري إلى الممر الذي يقود إلى الحمام، فرأيته واقفاً محدقاً بالطاولة التي يقف عندها الحارسين فأشرت له بيدي فإذا به يتحرك ببطء ولم يشد بنظره عن الرجل الذي كان يجلس هناك. فجلس مازن مصفر الوجه تعلوه ملامح حائرة مضطربة، فسألته ماذا دهاه؟ فبدأ يتلعثم،

إإإن الررجل الذي يججلس هناك يشبهه.
يشبه من؟

صمت برهة ونظر إلى الطاولة وقال بارتباك، " جلال الدين".

إن الله يخلق من الشبه أربعين، دعك من هذه الأوهام.
ولكن فوق عينه اليمنى توجد علامة الجرح القديم.

عندها فقدت الإحساس بالمكان والزمان وبدأت دقات قلبي تخفق بشدة وكأنها قرع الطبول. الجرح، نعم أتذكر الحادثة وكأنها جرت الأمس، كنا في باحة المدرسة وقت الإستراحة عندما سقط جلال على الأرض وهو يلعب الكرة وجرحت رأسه زجاجة كانت ملقاة على الأرض، وأخذ الدم ينفجر من شرايينه وقد غطى وجهه وبدأ يقطر على الأرض، فحمله أحد الأساتذة وانطلق به إلى عيادة الأنروا القريبة، وعندما عاد في اليوم التالي إلى المدرسة كان الشاش يلتف حول رأسه وبعد أيامٍ أزال الشاش وجثمت على رأسه علامات للقطب لازمته طوال السنين الفائتة. هل من المعقول أنه هو! يا إلهي بعد كل هذه السنوات، يظهر فجأة جالساً على طاولة مع إمرأة أخرى ومن هؤلاء الحراس، وأخذت الأفكار تتصارع في رأسي الذي تناوءت فيه الأراء بين متقبلٍ للفكرة ومستبعدٍ لها. وفي قرارة نفسي كان شعور يشحذ عضلاتي للضرورة التحرك إلى حيث يجلس، لأتحقق من هويته، وأنهي هذا الشك الذي كاد يقتلني. وحاولت النهوض ولكن خانتني ساقاي، ما بهما متسمرتين فوق الأرض! حاولت مرةً أخرى ولكن جسدي كان ملصقاً إلى الكرسي أيضاً! عندها استجمعت بعضاً من قواي وناديت النادل وسألته عن الرجل؟

فقال بصوت كلاسيكي رخيم: "إنه رئيس مجلس الإدارة لإحدى شركات البرمجة الحاسوبية العالمية والتي لها صلاتها المباشرة مع الكثير من الوكالات العالمية ووزارت الدفاع لأهم الدول وأقواها، والسيدة التي تجلس بجانبه هي زوجته وصاحبة الشركة التي ورثتها عن أبيها". كنت أريد أن أساله عن إسمه ولكن جرأتي خذلتني، وانسحبت لتختبئ بعيداً. فطلبت منه ورقةً وقلماً، وكتب بعض الكلمات وطلبت منه أن يوصلها إلى ذلك الرجل.

ودار حوار خفي بيني وبين مازن، كان ولدي الذي ربيته ولم ألده. فالمحنة التي مررنا بها خلقت روابطاً بيننا لن يفهمها أحد. لم نجرؤ على النظر إلى النادل وهو يمرر الورقة له. وبعد لحظات عاد النادل ليخبرني أن الرسالة وصلت. مرت نصف ساعة ولم يأت، ربما لم يكن هو! كان الناس يتناولون العشاء وسط أحاديث خافتة وموسيقى هادئة، بينما سرحت أنا ومازن في أفكارنا بعيداً، لم نتذوق الطعام ولكن كنا نشرب الماء فقط وكأن وقْع الحادثة جفف حناجرنا. وبعد كل هذا الوقت وضعت يدي على يده وقلت هيا نتناول العشاء، ما هو إلا أملٌ كاذب حاول أن يخدعنا. وبدأنا نتذوق الأصناف إلا أني لم أستطعم شيئا منها. كان جميع من حولنا ينهي عشاءه ويغادر طاولته.  فلفت انتباهي أن السيدة الجميلة التي تجلس قرب الرجل نهضت وتوجهت نحو الحمامات. وبعد دقائق نهض الرجل وبدأ يتوجه نحونا ولكنه تجاوزنا، كنت أنظر إليه بطرف عيني لأتأكد من ملامحه، وكم مقت نفسي التي عجزت عن النظر إليه بجرأةٍ حتى أقطع دابر الشك، وأنهي هذه المعضلة. وما هي إلا دقائق حتى جاء النادل ليخبرني بأن الرجل يريد مقابلتي في الغرفة الخاصة في المطعم. نظرنا أنا ومازن إلى بعضنا، ودب الخوف مجدداً في أطرافي، وأخذ الأدرنالين يشق طريقه في ثنايا نفسي. فنهض مازن ليذهب معي ولكن النادل أخبره بأن الرجل طلبني شخصياً. وسرت مع النادل الذي فتح الباب أمامي، فنظرت إلى مازن الذي ما يزال واقفاً هناك محدقاً مرنبكاً يشع الأمل من مقلتيه، ومن ثم دخلت الغرفة فأغلق النادل الباب خلفي.

كان الرجل ببذلته السوداء الراقية ينتصب هناك واضعاً كفيه في جيبيه وينظر من النافذة. وقد تنبه إلى حضوري فأزاح بطرفه قليلاً ولكنه لم يلتفت إلي! كانت خصال شعره وهيئته مألوفة لروحي. حاولت أن أنطق لكن الكلمات تطايرت بعيداً. وإذ بصوتٍ من الماضي يخترق مسامعي، "نعم عاهدتك على أن لا أتركك أبداً". رفعت عينيّ نحوه بينما أطرافي ترتجف، وقلبي ينبض طارقاً بأوج قوته على جدران صدري، بكل بساطةٍ كان هو...

 بدأت الدموع تتراقص مختبئةً في مقلتيّ، وعندها التفت نحوي بوجهه الوسيم، ولمعة عيونه السوداء، وجبينه العريض وحواجبه الكثيفة. تحرك نحوي ووقف قريباً مني، وأخذ ينظر إليّ، وتسامرت نظرتنا أحاديث خبأها الزمن ودفنها البحر عميقاً، فقرأت في عينيه كلَ شيء، كلَ ما أريد، كلَ ما أحتاج، الماضي والحاضر والمستقبل، البداية والنهاية. وإذ بيده الحنونة تمسح دموعي، فلم أقاوم مشاعري وضممت نفسي إلى صدره، فحضنني بقوةٍ، وأخذ يتمتم،" أين كنت؟ كيف ما زلت على قيد الحياة؟  لقد أخبروني أنّي فقدتكم جميعاً، ما كان علي المغادرة قبل أن أتأكد، لكن ما حدث كان كبيراً ولم أكن لأتحمل رؤيتكم هناك جاثمين بصمت جنائزي. كنت لأجن لو لم أخرج من ذلك المكان، كنت جبناً فهرعت بعيداً. وبنبرةٍ يعلوها الأسى، قال: أنا آسف، وببعض الأمل طرح سؤاله علي: "من نجى معك؟"

وهنا أبعدت نفسي عنه متراجعةً للخلف ومسحت دموعي، وبصوت القوة أجبته: "لم ينج إلا مازن"، فوقف والصدمة تصترخ في أنحاء نفسه، "أخي ما زال هنا".  

نعم، وانفجرت غاضبة، لماذا رحلت لماذا رحلت قبل أن تتأكد من جثثنا ألم تملك الصبر حتى تدفننا كم أنت أناني اخترت سعادتك، بدلاً منا،

 فوضع يديه على كتفيّ، وبصوت متردد قال،

"لا تقولي ذلك أنت تعلمين كم كنت أحبكم، أجل لم ، لم، لم أستطع أن أراكم أموات. كنت أريد أن أحتفظ بصوركم كما عرفتكم. أنت لم ي مأساتي! لقد قبعت كل تلك السنين، ألوم نفسي أني تركتك تسبحين نحو القارب لوحدك، لقد أكلتني نيران الذنب. ومنحني القدر كل شيء تمنيه وحرمني منكم. حرمني من الحياة! كل هذا الوقت وصورتك لم تفارق خيالي، كل هذا الوقت وذكرياتنا تداعب أيامي، كل هذا الوقت واللوم ينهش لحمي. وعدت أمي أن أعتني بها وبأخي ولكن بدلاً عن هذا، ألقيت بهم في قاع البحر وتخليت عنهم ورحلت هارباً، خائفاً من مواجهة المصير ...
أنتَ تعاني، وبنبرة متهكمة أكملت، وأنا ماذا أقول لقد ذقت الأمرين وأنا أعلم أنك حي أنك رحلت مع تلك الشابة. هل أعجبك جمالها أم أغرتك بثروتها؟ لا يا جلال، لقد اخترت نفسك علينا فربحت كل شيء وخسرتنا. أنا التي تعبت كل هذه السنين، وأنا أقنع نفسي بنسيان الصور التي شاهدتها فأنا من تعرفت على الجثث كلها، أنا من وقعت على أوراق وفاتهم، وأنا من سأحيا والكوابيس تؤرق نومي، وصور جثثهم المشوهة تبتلع حرارة قلبي. حاربت العالم دفاعاً عن قيمي وعاداتي، عملت ليل نهار حتى وصلت إلى ما أنا عليه، حملت هم أخيك وربيته، أنا التي عشت سنواتي ألوم أنفسي أني كنت معك على القارب، ولم أكن بجانب أمي. أما أنت فقد أخذت كل شيء على طبقٍ من ذهب، لم تحاول يوماً التواصل مع ماضيك. ألم تحن يوماً لوطنك! لأناسٍ ينطقون لغتك، يعرفون معاناتك. لم تحاول زيارة المؤتمرات التي تقيمها جاليتنا هنا، أم أنك نسيت أن لنا قضية نحارب من أجلها. أنا لم أنس أنك وعدتني يوماً بالوطن الذي سلب منا. فحضرت كل مؤتمر على أمل أن أجدك مراهنةً على وطنيتك. ولكن مع الأسف لم تظهر وكنت في كل مرة أجد حجة لك، ربما غادر البلاد ربما، ربما؟ أما الآن فأنت تقيم هنا ولم تلتفت إلى وطنك يوماً، أجل لقد وجدت لنفسك وطناً جديداً.

 واستدرت نحو الباب بعد أن فجرت كل ذلك الكبت الذي خنقني طوال الخمس سنين، وأزحت بذلك الأثقال التي حملتها نفسي رغماً عنها. وإذ بيده تمسك بيدي بقوة وتشدني نحوه،

"عشت كل تلك السنين أدفع ثمن تلك الحادثة، كنت وحيداً في بيت تجلدت أروقته من العزلة والبرد، لم أذق في أي شيء حققته حنان أمي, لم أجد حتى مع زوجتي حُبكِ، لا تحاسبيني على ردة فعلي، فالحادثة كانت نقطة فارقة في حياتنا".

فدفعت بجسدي بعيداً عنه ولكن قبضته أبقتني أسيرة له، وبلؤمٍ يشوبه الحقد،

كانت نقطة اللاعودة، يا صديقي القديم، أنا سعيدة أني عثرت عليك أخيراً لا لأجلي فأنا لم أعد أريد رؤية وجهك ولكن لأجل أخيك إنه ينتظرني في الخارج إذهب وضمه إلى صدرك، قدم له حنان الأب الذي افتقده. عندها أمسك بيدي الأخرى ووضعها على صدره وبصوته الحنون قال،
" إن قلبي هذا، مات يوم ابتلعكم البحر، وعاهد نفسه أنه لن لا يدق إلا بحبك".

فنزعت يدي بكل قوة ووضعتها على قلبي وبلهجت الحرقة الغربة قلت،

"إن قلبي هذا مات ودفن بين أمواج البحر العاتية".

 أفلت جلال الدين يدي، وارتسمت ملامح الحزن والأسى على وجهه الوسيم، وجثم حيث هو وعلامات الصدمة لا تعرف أين تختبئ. أزحت نفسي بكل حزم وتوجهت نحو الخارج، وقد استحوذت القوة على جسدي، خرجت من هناك امرأة حرة، كسرتْ أخيراً قيود المشاعر التي كبلتها مذ سنين، وقلت لمازن بصوت يفتقد الرغبة: "إذهب إلى أخيك"، فدمعت عيناه وقد غمرت الفرحة ملامحه، "إذهب إليه، واغمره بحبك فهو في أمسّ الحاجة إليه"، فما لبث متوجهاً بسرعةٍ إلى تلك الغرفة. وفي طريقي للخارج قابلت زوجته وهي تجلس إلى إحدى الطاولات مع سيدة أخرى، فاقتربت منها وهمست في أذنها وقلت بلهجتها الإيطالية التي تعلمتها من كيدي وبنبرة يطغى عليها اللؤم والكبرياء: "معك جودي، وسأظل الشبح الذي يورق نومك ما حييت"، فجحظت عيناها متأكلةً بنيران الغيرة، التي اشعلت في نفسي بعضاً من البهجة، وأكملت مسيري نحو الخارج. غادرت المطعم وعدت إلى الفندق لم أكن خائفة على مازن وكأن ظهور جلال حررني من مسؤولية كانت تثقل عاتقي يوماً بعد يوم. كانت لندن باردة تلك الليلة وقد تزينت أرضفتها بفراش أبيض اللون ما زادها إلا وقاراً. وصلت الفندق، وفي غرفتي، أسدلت شعري  وجلست بقرب النافذة، حيث غرقت نفسي باكسيرٍ من الفرح والخوف والغضب والنقمة والاشتياق. أجل أحبه ولن أحب أحداً كما أحبه...

 ولكنه لم يعد لي وأنا لست غبيةً حتى أسرق منه كل النجاح الذي وصل إليه، وابتسمت حين تذكرت هيبته لقد كان رجلاً مثالياً ناجحاً كما أراد أن يكون، وكما تريد كل فتاة على وجه المعمورة أن يكون فارس أحلامها. كنت سعيدةً لأجله فلربما لو بقينا معاً لما وصل إلى هذا المركز، أجل هو الحب الذي يدفعك لاختيار نجاحه وهيبته وحلمه على نفسك، هذا حبي له الذي تخلى عن أنانيته وأحبه وأحب حلمه.

 وأنا أتأمل أنوار لندن المشعة تحت كبد السماء السوداء، قررت أن أغلق بوابة الماضي بكل ما تحتويه من فرح وأسى... وهنا يا لندن يا مدينة التاريخ والضباب سأبدأ حقبةً جديدة. كان هذا اللقاء المفتاح الذي أضعته، المفتاح الذي حررني من الماضي ونقلني إلى الضفة المقابلة من مسار حياتي.

وأيقظني من سهوتي، دقات خفيفة على باب الغرفة، نهضت لأفتح باب غرفتي، لأجده واقفاً يضع كلتا كفيه على إطار الباب، كان هنا واقفاً ينظر إلي بنظرة الشغف والتحدي، تلك النظرة الآسرة التي كنت أعشقها، وكيف لا أعشقها وهي نظرة تنتظرها كل فتاة من حبيبها. فأدرت ظهري له وقلت بنبرة فضحت الغبطة التي حررتني، ما الذي أتى بك يا جاري العزيز؟

أحبك،
قديمة... أسمعني غيرها.

"هل نسيت نفسك، من قال بأنك تمتلك الحق لتأتي إلى هنا وكأن شيئاً لم يكن، هل تريد مني أن أنسى أن لك زوجة تشاركك كل شيء".

 كانت الغيرة تأكل قلبي، في كل لحظة مرت علي خلال السنوات الخمس المنصرمة كنت ألعنها لأنها سرقتك مني، فأين هي عهودك لي؟ كان يقف هناك يتأملني مبتسماً، فاقترب مني وضمني إليه وقال بصوت تملؤه البهجة قال،

"لقد تزوجتها، ولم أحبها يوماً أكثر من كونها صديقة اعتدت رؤيتها كل يوم، لقد صارحتها بكل شيء وهي أصرت على هذا الزواج. أما عملي، ولا أنكر أنها هي من فتح لي الطريق، إلا أني أنا من ثابرت وسهرت الليالي عليه. وقد منحني أباها هذا المنصب قبل أن أتزوج بها لأنه أراد أن يترك خليفةً يحمي الشركة ويحمي ابنته. لقد عرف بأني لن أخذله ولن أؤذي ابنته يوماً."

 فابتعدت عنه ونظرت إليه بانكسار، ولكنه أكمل والثقة تعتري كلماته،

"كلما نظرت إليها تذكرتك أنت، كلما تحركت أمامي كنت أراك أنت، وعلى الرغم من كل شيء لن أتركها أبداً سأظل موجوداً حتى أحميها ومصالحها أيضاً ولكن بصفتي صديق وليس زوج _وقبل أن أنطق بأي كلمة، أكمل_ "وما هي إلا أيام قليلة تفصلنا عن الطلاق".

لا أخفي أن هناك موسيقى من السعادة راحت تعزف على أوتار قلبي الممزق، فاقتربت منه أكثر وأكثر وقلت بصوت خائف متردد،

"هل تعلم أني أمضيت سنواتي كلها أنسج بخيوط الذكريات، ففعلت كل ما تمنينا أن نفعله، هل تعلم أني جئت إلى هنا لأنك أخبرتني يوماً بأنك ترغب بزيارتها". فابتسم ووضع يده على شعري الطويل، ثم جثى على ركبتيه وأخرج من جيبه خاتماً ماسياً رائعاً، ومر شريط حياتي أمامي كل ذكرى، كل موقف، كل ألم، كل كابوس، كا مشكلة، وتلاشت الآلام التي كانت تتملّكُ صدري في كل مرة كنت أسترجع فيها الماضي، وشعرت بسعادة تغمرني حتى النشوة، واختفى احساسي بالغربة، وفقدت الأحساس بالزمان والمكان. فأمسك بيدي وكانت لمسته غريبة اختفت ملامح الخشونة التي كانت تسكن باطن يده من تصليح السيارة، كان كفه ناعماً ينبض بالحنان والرقة، ووضع في إصبعي حلقة ذهبيةً تشع بقلب ماسي ذكرتني بالعهود القديمة.

استقام جلال ووضع كفيه على وجنتي طابعاً قبلة على جبيني حملتني إلى السماء، فابتسمت من شدة الفرح، ولم تفلح كل محاولات كبريائي على الرفض، فاستسلمت لتلك اللحظة الأسرة، لم استطع أن أرفع رأسي لكنه حركه للاعلى ونظر إلى والبريق ينبض في عينيه وقال بنرة هادئة،

"سأذهب إلى غرفة مازن، وفي الصباح والصباح قريب، ستأتين أنت ومازن إلى قصري، وبعدها سأقيم لك أكبر حفل زفاف ستشهده لندن، وسأنصبك ملكة على عرش حياتي، وأنسيك كل الشقاء والمتاعب، ساميحني يا جودي يا رفيقة دربي".

واستدار متجهاً نحو الباب وقال وهو يبتعد بنبرة فرحة، "وبالمناسبة دائماً ما كنت أنا الممول للمؤتمرات التي كانت تقام من أجل بلدنا". ومن ثم ذهب وأغلق الباب خلفه. كنت هناك أقف أتأمل الخاتم الذي يشع عاكساً أضواء لندن مشتتاً ألوان فرحتي. أغلق باب غرفتي خلفه ولكنه فتح  أمامي باب الأحلام الذي أوصدته، لم يتغير شعره ولا وسامته ولا أخلاقه ولا هدوءه ولا كبرياءه ولا صدقه ولا حنانه ولا حتى وطنيته. وفجأة تذكرت رحلتنا في البحر رأيت وجه أمي وأبي مبتسمين، وأدركت أن هذه المحنة علمتنا الكثير من معاني الحياة ووضعتنا على مسارات ما كانا لنحلم بها يوماً. هذه هي الحياة تأخذ منا الكثير لتعلمنا دروساً صعبةً، وعظاتٍ تدفعنا إلى السير قدماً في طرق الحياة.

عاد جلال الدين وعادت معه رغبتي في الحياة لم أكن لأكترث لغناه أو لفقره، لعلمه أو لجهله، فقد كان دائماً رفيق روحي وصديق طفولتي وحب حياتي وجار رحلتي...



الموقع ليس مسؤولاً عن التعليقات المنشورة، إنما تُعبر عن رأي أصحابها.
رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير و برمجة: شـركة التكنولوجـيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 779897446
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه. موقع صيداويات © 2017 جميع الحقوق محفوظة
عقارات صيدا سيتي