حكاية رنا تتحول إلى مبادرة إنسانية… العطاء أثر لا يرحل
حكاية رنا... تختصر سيرة الشابة رنا الجعفيل وعمرها القصير بالجسد، الطويل بالأثر. وتجسد مسيرة شابةٍ صيداوية اختارت طريق الإنسانية مبكرًا، فانخرطت في العمل التطوعي عبر مؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية، حيث جعلت من العطاء أسلوب حياة، ومن خدمة الناس رسالة لا تعرف التراجع.
واجهت رنا مرضًا عضالًا باغت جسدها، فخاضت معه معركة صامتة، وانتصرت عليه مرةً بإرادتها وصبرها، قبل أن يعود الموت ليغلب الجسد، ويبقى الأثر حيًّا لا يُهزم. كانت في حياتها نموذجًا للمتطوعة التي لا تنكسر، حتى حين يشتدّ الألم، فكانت تسبق وجعها إلى الأطفال، وتزرع في وجوههم ابتسامة تقاوم الانكسار.
وبعد رحيلها، لم تترك رنا فراغًا فقط، بل تركت سيرة طيبة ويدًا امتدت بالخير، وقلبًا ظلّ نابضًا بالعطاء. آمنت أن خدمة الإنسان عبادة، وأن ابتسامة طفل قد توازي في قيمتها حياة كاملة، فصارت مثالًا للمتطوعة الصادقة التي حوّلت وقتها وجهدها إلى رسالة إنسانية خالدة.
وتحت شعار “لأن الأثر الطيب لا يرحل”، أطلقت مؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية مبادرة وفاء لذكراها حملت اسمها - مبادرة رنا، وأقامت حفلًا تكريميًا في قاعة بلدية صيدا، بحضور أمين سر "تجمع المؤسسات الأهلية" في منطقة صيدا ماجد حمتو، وشخصيات اجتماعية وأهلية وإنسانية ومتطوعين امتلأت بهم القاعة، وذرف كثيرون الدموع تأثرًا خلال عرض فيلمٍ وثائقي وثّق حياتها ومسيرتها.
وفي كلمة له، قال مسؤول العلاقات والتسويق في مؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية، إيهاب توتونجي: «نجتمع اليوم لا لنرثي غائبة، بل لنحتفي بأثر باقٍ في القلوب. نجتمع وفاءً للأخت رنا الجعفيل التي رحلت عن دنيانا، لكنها تركت وراءها سيرة طيبة، ويدًا امتدت بالخير، وقلبًا نابضًا بالعطاء».
وأضاف: «اليوم نحمل اسمها في هذه المبادرة لنقول إن أصحاب الأثر لا يرحلون، بل تستمر رسالتهم في كل يد تعطي، وكل قلب يرحم، وكل طفل نزرع في حياته أملًا جديدًا. نسأل الله تعالى أن يتقبّل رنا في الصالحين، وأن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتها، وأن يبارك هذه المبادرة لتكون امتدادًا لروحها الطيبة ورسالتها الإنسانية».
واستعرضت منسقة العمل التطوعي في مؤسسات الرعاية، كوثر القيسي، مسيرة رنا الإنسانية والتطوعية، مؤكدة أنها «لم تبخل يومًا بجهدها، حتى في أشد مراحل مرضها، في خدمة الناس والتخفيف من معاناتهم». وأشارت إلى أن خسارة رنا لم تقتصر على مؤسسات الرعاية، بل شكّلت خسارةً للعمل التطوعي في مدينة صيدا ولبنان عمومًا.
ولم تتمالك شقيقتها، آمال الجعفيل، دموعها خلال كلمتها، إذ تحدثت بتأثر عن رنا الإنسانة الخلوقة والخدومة، وقالت إن مصاب العائلة برحيلها كبير، إلا أن عزاءهم يكمن في أن أثرها الطيب باقٍ، وستظل ذكراها خالدة في قلوب عائلتها ومحبيها، وفي مؤسسات الرعاية وميادين العمل التطوعي في صيدا ولبنان.
من جهته، شرح رئيس مجلس مؤسسات الرعاية الإسلامية، الدكتور باسم سعد، تفاصيل مبادرة «رَ نَ أ»، فقال: «نلتقي اليوم في هذا اللقاء التكريمي لا لنرثي غياب عزيز، بل لنحتفي بأثر لا يُمحى، وبسيرة عطرة خطّتها شابة استثنائية من رحم العطاء والوفاء. شابة طموحة وشغوفة حملت على عاتقها همّ كل طفل مريض وكل عائلة محتاجة، وجعلت من خدمة الناس رسالة، ومن البذل نهجًا لحياتها».
وأكد سعد أن الحضور يجتمع لتكريم زميلة وأخت غادرتهم جسدًا، لكنها تركت في أروقة المؤسسات بصمات ملهمة وروحًا حية لا تغيب، مشيرًا إلى أن الراحلة رنا الجعفيل، رحمها الله، عُرفت متطوعة متفانية، مخلصةً ونشيطة، تعطي بلا حدود، وتواجه الضعف بالقوة والعزيمة، والألم بابتسامة ملؤها الثقة بغد أفضل.
وأضاف أن رنا، حتى في أحلك مراحل مرضها، حين كان الداء يستنزف جسدها، كانت تستثمر ما تبقى لديها من طاقة لتزرع الأمل في قلوب الأطفال، وتمنحهم من دفء روحها ما يخفف عنهم وجع العلاج وقسوة المرض.
وأشار إلى أن المرض لم يكن عائقًا أمامها، بل تحوّل إلى دافعٍ لمزيد من العطاء، وكأنها كانت تؤمن بأن العطاء هو أقوى مضادات الألم. وقال: «كنت أتعجب من هذه الشابة التي، رغم ما كانت تعانيه من أوجاع، ورغم دخولها المتكرر إلى المستشفى لتلقي العلاج، كانت تحضر إلى المكتب عند أول فرصة، بابتسامتها التي لا تفارق محياها، وبسلامها المعهود الذي يسبقها إلى القلوب».
ووجّه سعد رسالة وفاء وتقدير إلى عائلة الراحلة، مؤكدًا أن من أنبت هذه النبتة الطيبة وربّى هذه النفس المعطاءة يستحق كل الشكر والامتنان، معربًا عن تقديره لصبر العائلة وثباتها واحتسابها.
وأعلن، من قلب هذا الوفاء، إطلاق مبادرة إنسانية مستدامة تحمل اسم الراحلة «رَ نَ أ» لرعاية ودعم الأطفال، موضحًا أن رؤية المبادرة اختُصرت في ثلاثة أحرف تجسد رسالتها وفلسفتها الإنسانية.
وبيّن أن حرف الراء يرمز إلى الروح؛ تلك الروح التي عُرفت بها رنا، والتي تسعى المبادرة إلى غرسها في نفوس الشباب ليكونوا شركاء في صناعة الخير وخدمة المجتمع.
وأضاف أن حرف النون يرمز إلى النبض؛ نبض الحياة والأمل الذي يحتاجه الأطفال والمرضى والمعسرون، ولا سيما الأطفال المصابون بالسرطان، ليواصلوا رحلتهم بثقة وإرادة.
أما حرف الألف، فأوضح أنه يجسد الأمل، والإيمان الراسخ بأن الأمل يبقى حيًا ما دام التكافل ممتدًا بين الناس، وما دامت القلوب مفتوحة للعطاء والرحمة.
واختتم سعد كلمته بالتعهد أمام عائلة الراحلة ومحبيها بأن تبقى هذه المبادرة منارةً تحمل اسمها وتواصل رسالتها الإنسانية النبيلة، داعيًا الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يجعل كل فكرة وخطوة وجهد وتعب قدمته في ميزان حسناتها.
وفي ختام الحفل، قُدّم درع تكريمي إلى عائلة الراحلة، سلّمه كل من الدكتور باسم سعد والأستاذ حمتو، وسط أجواء غلب عليها التأثر والإصرار على مواصلة مسيرتها التطوعية، والاستمرار في رسالة الخير والرعاية التي أُنشئت من أجلها مؤسسات الرعاية الإسلامية منذ سنوات طويلة، والتي أسهمت خلالها في التخفيف من معاناة الأيتام والفقراء ورسم الأمل في حياة المحتاجين.
محمد دهشة





