مفارقة الاختيار: صعوبة اتخاذ القرار
كان الناس في الماضي يشكون من قلة الخيارات. أما اليوم، فيبدو أن المشكلة انقلبت رأسًا على عقب. ففي كل جانب من جوانب الحياة تقريبًا، أصبحت الخيارات أكثر من أي وقت مضى:
- تخصصات لا حصر لها.
- وظائف لا تنتهي.
- مئات المنتجات المتشابهة.
- آلاف المحتويات.
- وعشرات الاحتمالات لكل قرار.
وكان المتوقع أن تجعل هذه الوفرة الناس أكثر راحة وسعادة. لكن ما حدث كان مختلفًا. فكثير من الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن زيادة الخيارات إلى حد معين لا تزيد الرضا، بل قد تقلله. وهذه هي ما يعرف بـ "مفارقة الاختيار". فكلما ازدادت البدائل، ازدادت الحيرة. وكلما ازدادت الحيرة، أصبح اتخاذ القرار أكثر صعوبة.
ثم يأتي القلق بعد اتخاذ القرار نفسه:
- هل كان هذا هو الخيار الأفضل؟
- هل فاتت فرصة أفضل؟
- هل كان ينبغي الانتظار أكثر؟
ولهذا أصبح كثير من الناس يعيشون في حالة مراجعة دائمة لقراراتهم. ولا يقتصر الأمر على القرارات الكبرى. بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. إن بعض الشباب اليوم لا يعانون من نقص الفرص... بل من كثرتها. فوفرة الاحتمالات تجعل بعضهم يؤجل القرار باستمرار، انتظارًا للخيار المثالي. لكن المشكلة أن الخيار المثالي لا وجود له في معظم الأحيان. فكل طريق يحمل مزايا وتحديات. وكل قرار يتضمن مكاسب وتنازلات.
ولهذا فإن النضج لا يتمثل في العثور على الخيار الكامل، بل في القدرة على اختيار طريق مناسب ثم المضي فيه بثقة.
إن أحد أسباب الراحة النفسية التي تمتعت بها أجيال سابقة لم يكن أنها كانت تملك فرصًا أكثر، بل لأنها كانت تملك خيارات أقل، وبالتالي حيرة أقل. أما اليوم، فإن الإنسان قد يضيع سنوات طويلة وهو ينتقل بين البدائل دون أن يستقر على شيء. ومن هنا فإن الحكمة لا تكمن في زيادة الخيارات دائمًا، بل في معرفة متى نتوقف عن البحث، ومتى نتخذ القرار. فبعض الناس لا تتعطل حياتهم بسبب قرار خاطئ... بل بسبب قرار لم يُتخذ أصلًا.
ولعل من أعظم مهارات هذا العصر أن يتعلم الإنسان كيف يختار، ثم يلتفت إلى بناء ما اختاره، بدل أن يقضي عمره كله في مقارنة ما اختاره بما كان يمكن أن يختاره. فليست المشكلة في قلة الفرص كما نظن أحيانًا... بل في أن كثرتها قد تجعلنا عاجزين عن الاستفادة منها.
المربي د. عبد الكريم بكار



