أرقى أنواع الذكاء العاطفي
كثيراً ما نتحدث عن "البر" كواجبٍ ديني وقيمةٍ أخلاقية، لكننا أحياناً ننسى أنَّ البر في جوهره هو (أرقى أنواع الذكاء العاطفي) وأسمى أشكال الوفاء الإنساني. إنَّ الوالدين في مرحلةٍ ما من العمر، لا يحتاجان إلى "أموالنا" بقدر احتياجهما إلى "أرواحنا"؛ لا يبحثان عن "رغيف خبز" بقدر بحثهما عن "نظرة تقدير" تُشعرهما بأنَّ رحلة كدحهما لم تذهب سدى.
لتحقيق البر بروحٍ عصرية ووعيٍ راشد، نحتاج إلى التحرك في ثلاثة مسارات عملية:
1. (جودة الإنصات) قبل (بذل المال)
يعتقد بعض الأبناء أنَّ شراء الهدايا أو تأمين الاحتياجات المادية هو ذروة البر، والحقيقة أنَّ (الأذن الصاغية) أحبُّ إلى قلب الوالدين من أثمن العطايا. إنَّ الاستماع لقصصهما المكررة بصبر، ومشاركتهما تفاصيل يومك، وإظهار الاهتمام برأيهما؛ هو الذي يرمم شعورهما بـ "الأهمية". البر الحقيقي هو ألا تشعرهما أبداً أنَّ زمنهما قد ولى، أو أنَّ كلامهما بات خارج سياق العصر.
2. (التلطف في الضعف) وفقه الرفق
يقول الله عز وجل: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ}؛ وكلمة "عندك" تعني الاحتواء التام. حين تضعف القوى، وتضيق الأنفس، وتكثر الطلبات، هنا يظهر (البر الجوهري). أن تجعل صدرك رحباً لتقلبات مزاجهما، وألا تشعرهما بأنَّ خدمتك لهما "عِبء" ثقيل. تذكر دائماً أنَّ الله لم ينهَ عن "الضرب" فحسب، بل نهى حتى عن كلمة "أف"؛ لأنها تخدش كرامة الشعور بالحاجة.
3. (إشراكهما في حياتك) وصناعة الأثر
من أعظم صور البر أن تجعل لوالديك (دوراً وظيفياً) في حياتك وحياة أبنائك. استشرهما في قراراتك—وإن كنت تعرف القرار—لتُشعرهما بمركزية وجودهما. اجعل أبناءك يرتوون من نبع خبراتهما، فهذا التواصل بين الأجيال هو الذي يمنح الوالدين شعوراً بالخلود المعنوي، ويجعل لحيتهما البيضاء تاجاً يُفتخر به، لا علامةً على العزلة.
ومضة ختامية:
"برُّ الوالدين ليس (ردَّ دين)؛ لأنَّ دينهما لا يُقضى أبدًا، ولكنه (اعترافٌ بالفضل). إنَّ الموفق هو من يرى في والديه 'باباً موارباً' للجنة، فيسارع لفتحه قبل أن يُغلق. ما نفعُ أن يصفق لك العالمُ في الخارج، وأنت تخسر دعوةً صادقة في جوف الليل من قلب أمٍ راضية أو أبٍ فخور؟"
المربي د. عبد الكريم بكار
