الطفل العنيد.. قائدٌ صغير يحتاج إلى شريك لا قاضٍ
لطالما نظرنا إلى "العناد" في بيوتنا بوصفه تمرداً يحتاج إلى كسر، أو مشكلة تستوجب الحل، لكنَّ الحقيقة التربوية التي نحتاج لإدراكها هي أنَّ العناد غالباً ما يكون "صرخة استقلال" أولى. فالطفل الذي يمتلك إرادة قوية اليوم، هو المرشح الأكبر ليكون بالغاً ناجحاً ومستقلاً غداً، بشرط أن نحسن إدارة هذه الإرادة بدلاً من تحطيمها.
ولنتأمل هذا المثال من واقعنا: حين يرفض الابن ارتداء ملابس معينة أو التوقف عن اللعب، فنحن نكون أمام مفترق طرق؛ إما أن نمارس "سلطة القهر" التي تبني شخصية مهزوزة أو متمردة، وإما أن نطبق "فقه الاستيعاب". بدلاً من أن نقول: "افعل هذا فوراً!"، يمكننا أن نسأل بهدوء: «أخبرني بفكرتك، ما الذي يجعلك ترفض؟». هذا السؤال البسيط ينقل الطفل من حالة "الدفاع" إلى حالة "التفكير"، ويُشعره بأنَّ رأيه له قيمة، وهو ما تؤكده "نظرية العقل" في علم النفس التربوي؛ فالأطفال الذين تُحترم قراراتهم هم الأكثر تعاوناً على المدى الطويل.
إنَّ تحويل العناد إلى "طاقة بناءة" يتطلب منا خطوات واعية:
- لغة الاحترام بدل الأوامر: الطفل ذو الإرادة القوية حساس جداً للنبرة السلطوية؛ لذا فإنَّ استبدال الأوامر المباشرة بـ "خيارات محدودة" (مثل: هل تريد البدء بالواجب الآن أم بعد عشر دقائق؟) يمنحه شعوراً بالسيادة على قراره ويقلل من حاجته للعناد.
- التفاوض كمهارة حياة: بناءً على دراسات "هارفارد"، فإنَّ فتح باب التفاوض مع الطفل لا يُنقص من هيبة المربي، بل يعلم الطفل مهارات "حل المشكلات". حين نتفاوض، نحن نعلّمهم كيف يُقنعون الآخرين بالحجة لا بالصراخ.
- القدوة في ضبط النفس: لا يمكننا أن نطلب من الطفل أن يكون "مرناً" ونحن نمارس "الديكتاتورية" في انفعالاتنا. حين يرانا الأبناء نتحكم في غضبنا ونعتذر عن أخطائنا، فإنهم يتعلمون "المرونة" بالقدوة، وهي أبلغ من كل الدروس.
وصية اليوم:
لنتوقف عن رؤية العناد كـ "عدو" داخل البيت، ولنبدأ برؤيته كـ "خامة قيادية" خام تحتاج لصقل. البيت المطمئن هو الذي لا تُكسر فيه الإرادات، بل تُوجه فيه القلوب بالحب والاحترام؛ فمن كان شريكاً في القرار اليوم، سيكون مسؤولاً عن اختياراته غداً.
المربي الدكتور عبد الكريم بكار
